Saturday 20th February, 1999جريدة الجزيرة 1419 ,السبت 4 ذو القعدة



التهويل بمنهج ابن رشد في الجمع بين الدين والفلسفة
أبو عبدالرحمن ابن عقيل الظاهري

استعار الأستاذ عبدالحي بولعراس لغة المذيعين، فسمى فلسفة التوفيق الرشدية تطبيع علاقات، وأكرم دين ربه
وفقهاء أمته بهذه اللفتات: أما ابن رشد فقد حاول الجمع بينهما ]الدين والفلسفة[، وكان في ذلك عقلانياً
نزاعا لاستعمال القياس والنظر، متجنبا الطريقة النقلية التواترية التي تكتفي بالرواية,, في حين نجده لا
يسلم بأمر على أنه حق إلا إذا تأكد بالنظر أنه كذلك,, وقام بالجمع بين العقل والدين على أساس عملهما
على نشر الخير والعدل، وهو ما عارضه الغزالي والفقهاء الذين تحاملوا على الفلسفة ونفروا منها؛ لما
تطرحه من ترك للتقديس، وتأسيس للإيمان على العقل الخالص,, ولعل هذا ما يفسر سبب محنة ابن رشد (1) ,
قال أبو عبدالرحمن: تطبيع العلاقات يعني أن العلاقة طبيعية بين حقائق الوحي - وهي ما ثبت نقلاً ودلالة
،- وحقائق الوجود طبيعة وعقلا,, والجادون في طلب الحقيقة لا يسعون إلى اصطناع علاقة وهمية، وإنما يصححون
معارف الوحي والحس والعقل أولا؛ فلا ينسبون إليهن ما ليس فيهن؛ فإذا وجدوا تعارض التضاد أو التناقض
استبعدوا ما لا يصح من الطرفين المتعارضين، أو استبعدوهن معا إن كانا غير ثابتين,, فإن كان التعارض بين
الحقيقتين فلن يكون مطلقا تعارض تضاد أو تناقض، بل سيكون تعارضا تحكمه شروط التناقض المنطقية بأن يكون
أحدهما عن حالة أو زمان أو مكان أو أشخاص غير حالات وأمكنة وأزمنة وأشخاص مدلول الحقيقة الأخرى، وهذا
هو الجمع بين مدلول الحقائق: بأن تُحمل كل حقيقة على مدلولها,, وليس ابن رشد في هذا أول ولا أوحد، وقد
بينت في غير هذا الموضع أن هذا مسلك قديم عالجه حبر الأمة عبدالله بن عباس رضي الله عنهما كما في رواية
بصحيح البخاري أوردتها في إحدى المناسبات، ثم تتابع على هذا المنهج محققو الأمة وعلماؤها من أمثال:
الشافعي، وابن جرير، والطحاوي,, إلى ابن حزم,, إلخ,, إلخ,, إلخ,
قال أبو عبدالرحمن: لست والله أدري أي عقل في الوجود يتصور أن ابن رشد أو غيره - سواء أكان عقلياً أم
نقلياً - سيجمع بين الدين والفلسفة, ثم يتجنب الطريقة النقلية التواترية التي تكتفي بالرواية؟!,, كيف
يتجنب ذلك والرواية أحد أركان طرفي الجمع؟!,, إن هذا أسلوب إنشائي عائم مؤذٍ؛ لأن الكلام في مضايق
فكرية يتطلع فيها القارىء إلى دقة نظر,
وإذ حكم هذا البولعراس أن النقل تواتري فكيف يمجد ابن رشد بترك التواتر إذن؟!,, إنه قد هجاه وهو يريد
مدحه؟!,, ثم كيف يكون التواتر والعقل في ثنائية؟!,, إن مدلول التواتر معطى عقلي يعتبره العقل إيجابية
ضرورية يعادل بها بين معارفه,
وحكمه بأن ابن رشد لا يسلم بأمر على أنه حق إلا إذا تأكد بالنظر أنه كذلك: منقبة لم تولد ببلوغ ابن رشد
مرحلة العلم، بل هي تعليم الله لعباده، وهي امتثال علماء الأمة وعدولها لوحي ربهم؛ فهم يحبون الصدق،
ويَصدِقون، ويصدِّقون من جاء به، ويمتثلون الصدق في أقوالهم وأعمالهم، ويطلبون البرهان امتثالا لمثل
قوله تعالى: (هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين),, ولا يقفون ما ليس لهم به علم امتثالا منهم لوصية الله
لهم بسورة الإسراء,, والنظر عندهم ليس هو أن يكون الشيء محسوساً؛ فحقائق الوجود أشمل وأقدم من معرفتنا
الحسية، وإنما النظر أن يكون المعلوم برهانياً يُعرف مجرد وجوده، أو وجوده وأثره، أو وجوده ووصفه، أو
يرجعون إلى شهادة الحس إن كان المعلوم مما يُحدِّد الحس كميته وكيفيته,
والخلاف بين علماء المسلمين الذين يصنفهم إلى نقليين وعقليين لا يخلو موضوعه من ثلاثة أحوال:
الحال الأولى: أن يكون المعلوم مما لا يدرك الحس كميته وكيفيته؛ فيكونون نقليين مستسلمين للنقل إذا صح
دلالة وثبوتاً,
والحال الثانية: أن يكون الواقع كما ذكر آنفاً؛ فيلتمسون تحقيق المدلول بتحديد كمي وكيفي، أو يجردونه
من معناه؛ فهؤلاء هم العقليون من معطلين أو متأولين أو مشبهين,
والحال الثالثة: أن يكون المدلول مما يرتد إلى شاهد الحس ويخضع للتجربة,, ولا أظن أن في هذه الحالة
ثنائية العقل والنقل، بل كل منهم مشترك في طلب البرهان الحسي,
وأنت تعلم من هو أسعد بالحقيقة والبرهان في هذه الحالات الثلاث,, وقوله: إن أساس الجمع عمل الدين
والعقل على نشر الخير والعدل : ليس ميزة لابن رشد، وليس هو في ذلك بأسبق،, بل يزيد عدول الأمة ومفكروها
على ذلك الإيمان بأنهما أيضا أساس الجمال، وأن النص - إذا صح دلالة وثبوتا - هو مصدر الحق والخير
والجمال - والعدل مضمن في ذلك - وإن لم يستبينوا المعنى المعقول العائد إلى تلك المعايير؛ بل حسبهم أن
طاعة الرب ورضاه وثوابه,, كل ذلك منتهى الحق والخير والجمال؛ لأن دين الله حق، ونعيمه وثوابه حق،
والاستمتاع بنعيمه غاية الحق والخير والجمال,
وما قاله عن الغزالي كلام مجمل لا يحقق فائدة ملموسة من فلسفة الغزالي، ولست أعتقد أن الغزالي محق في
كل ما طرحه، ولكنه خيرٌ وأزكى من ابن رشد في مواضع من الإلهيات، وقد استوفيت وجهة نظري في حقيقة الخلاف
بين الغزالي وابن رشد في غير هذا الموضع، كما حققت أيضاً في غير هذا الموضع وجهة النظر حول محنة ابن
رشد,
ويقول الأستاذ كمال دسوقي: فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال - وهو كتاب قيم له أهميته
ودلالته من حيث ما يعرض له -، وهو كفيل بأن يرد إلى الصواب أولئك الذين يخشون تعارض الفلسفة والدين؛ إذ
هو يقنعهم أن لا تعارض، بل محبة وتقارب,, ولا يخرج القارىء منه إلا وقد آمن أن الفلسفة فرض واجب كبقية
الفروض,, وفرض عين لا فرض كفاية,
والكتاب الثاني في الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة، وفيه يعرض الفيلسوف - وقد بيَّن من أمر توافق
الفلسفة والدين في الكتاب السابق ما بيَّن -,, يعرض لمناقشة مختلف المناهج التي بها تقوم الأدلة
الصحيحة على كثير من عقائدنا الدينية الإسلامية: كوجود الله، وتوحيده، وبقية صفاته الثبوتية والسلبية,,
تلك التي تنسب له صفات إيجابية كالعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام، والتي (2) تنفي عنه صفات سلبية
كالجهل والعجز والصمم والعمى والبكم، ثم مشكلة إرسال الرسل أو النبوة والتدليل على معقوليتها، وأخيرا
مشكلة العالم الآخر التي تقول بها الأديان (3) ,
قال أبو عبدالرحمن: الفلسفة إنتاج بشري ليست معيارا للحق أو الباطل، ولا للخير أو الشر، ولا للجمال أو
القبح؛ لأن الفلسفات مختلفة، وتلك الفلسفات ثمار عقول عديدة؛ فليست لها صفة المعيار الثابت,, وإنما
العبرة بمصادر المعرفة، وبما يصححها: من ثوابت الفكر، وبدهياته الفطرية والكسبية التي تُبنى عليها
معارفه بتسلسل محكم كتسلسل المعارف في الرياضيات,, ولا يُعاب مفكرو المسلمين بخشيتهم من تعارض الدين
والفلسفة، بل هم يقرون بحصول التعارض حقيقة - تعارض تضاد وتناقض - بين الدين وفلسفات متيافيزيقية
وهمية، وفلسفات وثنية، وفلسفات بُنيت على القصد إلى التضليل,, وإنما المعيار عندهم (وهو معيار الجمع أو
الترجيح) إيجابيات الفكر، ومصادر العقل في المعرفة,
قال أبو عبدالرحمن: ومن هذا العرض ترى مدى المجازفة في حكم الدسوقي بأن الفلسفة فرض عين,
وفي كلام لي عن فصل المقال ومناهج الأدلة: بينت أن هذين الكتابين ليسا هما التحفة المنشودة في الجمع
بين النصوص، بل نتائج ابن رشد ولوازم مذهبه تؤذي عشاق الحقيقة؛ لما فيها من تجهيل للشرع، أو تضليل له،
أو لزوم القول بحقيقتين مزدوجتين, وإنما التحفة التي يفرح بها عشاق الحقيقة، ويمارسها العالم في مختبره
،- لا ثرثرة الصحافة - ما حذقه الأصوليون في هذا الباب حتى تبلور فكراً جباراً لدى ابن حزم، فابن تيمية،
فأبي إسحاق الشاطبي,, وكل هذا بينته في موضعه,
ومن التعميمات الفضولية (التي هي حلية مثرثري الصحافة وليست هي حلية العلماء المحققين): زعمه أن ابن
رشد في كتابيه (الفصل، والمنهج) عرض لمختلف المناهج التي بها تقوم الأدلة الصحيحة,, والواقع أنه ليس
للكتابين هذا الزعم عن جمع المناهج المختلفة، وإنما الكتابان مبادرة من ابن رشد حددت منهجه في معارضة
منهج واحد لا مناهج، وهو منهج الغزالي وعامة الأشاعرة,
وقال الدكتور عاطف العراقي: والواقع أننا لا نجد مبرراً (4) لذهاب كثير من الباحثين إلى أن أهم المباحث
التي تركها لنا فلاسفة الإسلام مبحث التوفيق بين الفلسفة والدين؛ إذ إن بحثهم في هذا المجال لا يعدو
كونه جزءاً من أجزاء مذاهبهم الفلسفية التي تركوها لنا، ولم يكن قصدهم الرئيسي - فيما نرى من جانبنا -
هو مجرد القيام بالتوفيق بين الدين والفلسفة,, يضاف إلى ذلك أن فلاسفة العرب بلا استثناء واحد منهم لم
ينجحوا نجاحاً تاماً في التوفيق بين المجالين؛ فالفيلسوف إما أن ينتهي به البحث في هذا المجال إلى رفع
الدين على الفلسفة، وإما أن يرفع طريق البرهان على الطريق الخطابي,, ومعنى هذا أننا لا نجد توفيقا
دقيقا بمعنى كلمة توفيق,
وابن رشد - وهو من أكثر الفلاسفة اهتماما بالتوفيق - لم ينجح في موضوع التوفيق نجاحا تاماً,, وإلا فكيف
نفسر أن الفلسفة انتهت بوفاته في عالمنا العربي؛ بحيث لا نجد فيلسوفا عربيا منذ وفاته وحتى أيامنا
المعاصرة التي نحياها؟,
ولنعرض الآن لرأي ابن رشد في هذا المجال (مجال التوفيق)، والذي (5) يعد ضرباً من فلسفة الدين التي
اهتم بالبحث فيها كثير من فلاسفة العصر الوسيط,, يمكن القول - كما سبق أن أشرنا منذ قليل - بأن
فيلسوفنا ابن رشد كان من أكثر فلاسفة العرب اهتماما بالبحث في هذه المشكلة,, مشكلة التوفيق (6) ,
قال أبو عبدالرحمن: الحق ما قاله الدكتور عاطف؛ فليست محاولة التوفيق بين الدين والفلسفة أهم جانب فكري
عند ابن رشد، بل أعتبره أضعفها وأسوأها,, أما أن الموضوع جزء من فلسفة ابن رشد كغيره من الفلاسفة لم
يقصد إليه قصداً: فليس هذا بصحيح، بل قصد إلى ذلك بكتابيه المذكورين (الفصل، والمناهج)، وكان هذا
الموضوع استطرادا في كتبه الأخرى,
والتوفيق بين الدين والفلسفة - والفلسفة تعني متعددا لا واحدا - ليس مطلبا حتميا يعاب المفكر بالعجز
عنه، وإنما المطلوب الجمع بين حقائق كان تعارضها تعارض تنوع لا تناقض، أو الترجيح بإحقاق حق وإبطال
باطل، أو بتقديم راجح على مرجوح، او التوقف عند احتمالات متكافئة, وابن رشد أكثر اهتماما بهذا الجانب
بصفته فيلسوفا (أي على صعيد الفلاسفة)، ولكن سبقه مفكرون آخرهم ابن حزم بمحاولات أصح وأبرع,
،(1) مجلة دراسات عربية/ العدد الرابع/ السنة الحادية والعشرون ص 80,
،(2) الأبلغ أن يقول: وهي التي حتى لا يُظن أنه عطف صفة لموصوف آخر؛ فيكون العطف للموصوف الآخر
بالتقدير,
،(3) مجلة الرسالة، العدد 866، السنة الثامنة عشرة 6 فبراير 1950م ص 162,
،(4) قال أبو عبدالرحمن: أنكر بعض المعاصرين - مثل مصطفى جواد، ومازن المبارك - استعمال برر ، وأوجبوا
سوغ,, والصحيح أن برر جائزة، وهي من مجاز اللغة، وقد تسنح فرصة لتحقيق هذه المسألة إن شاء الله,
،(5) الواو العاطفة قبل الذي من ألحان المعاصرين المتفشية في مثل هذا السياق,
،(6) النزعة العقلية في فلسفة ابن رشد ص 295 عن المدخل لدراسة الفلسفة الإسلامية لليون جوتييه,
backtop
الاولــــى
محليـــات
مقالات
المجتمع
الفنيـــة
الثقافية
الاقتصـــادية
منوعــات
عزيزتي
الرياضية
تحقيقات
مدارات شعبية
وطن ومواطن
العالم اليوم
مئوية التأسيس
الاخيــرة

الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved