نهاية أوجلان: مكسب أم خسارة لتركيا؟ د, وحيد عبد المجيد
|
توجت تركيا اخيراً جهودها الممتدة لسنوات طويلة، ونجحت في اعتقال زعيم حزب العمال الكردستاني
الذي ناصبها العداء منذ العام 1978 عبد الله اوجلان,
وتندرج تلك الجهود في اطار سياسة بالغة التشدد تجاه المشكلة الكردية في تركيا، والتي تعد
احدى اكثر مشاكل الاقليات امتداداً في العالم المعاصر,ولكن هذه السياسة كلفت تركيا الكثير
سياسياً واقتصادياً, بل وجعلتها مستعدة لدخول حرب ضد سوريا في الخريف الماضي، دون ان تحقق
مردوداً يعتد به او يضع المشكلة على طريق الحل, بل على العكس، تؤدي السياسة التركية بتشددها
الى صب مزيد من الزيت - من وقت لآخر - على مشكلة ملتهبة بطابعها,
وليس هناك ما يدل على ان اعتقال اوجلان سيقود الى جعل المشكلة اقل اشتعالاً، او سيحقق مكسباً
حقيقياً لتركيا، فلا غيابه عن الميدان سيقضي على حزبه الذي مارس اكبر تأثير على السياسة
التركية وكبدها خسائر سياسية فادحة في مقتدمها احباط محاولات الانضمام الى الاتحاد الاوروبي,
ولا الضربات العسكرية الجديدة لعناصر هذا الحزب في شمال العراق يمكن ان تحل مشكلة داخلية ذات
طابع سياسي - ثقافي في المقام الأول, وهي مشكلة ستظل حائلاً دون قبول تركيا عضوا في الاسرة
الاوروبية ما لم يتم ايجاد حل معقول لها,
واياً تكن صحة ما يردده بعضنا احياناً من ان الموقف الاوروبي السلبي تجاه تركيا يعبر عن نوع
من التعصب الديني او القومي، لا بد من الاقرار بأن تركيا لم تلب ابداً الحد الادنى من شروط
الالتحاق بتكتل اقليمي يحرص على قدر معين من التجانس في داخله, ومن اهم هذه الشروط ان تحسن
تركيا سجلها السيىء السمعة في مجال حقوق الانسان, وهذا شرط كان وما زال من المستحيل تلبيته
بسبب رفض اي حل سياسي للمشكلة الكردية والاصرار على حل عسكري لا بد ان يقترن باجراءات قمع
هائلة ضد مواطنين لا ذنب لهم في انهم اكراد,
والأرجح ان تداعيات اعتقال اوجلان ستهبط بفرص قبول تركيا لدى الاتحاد الاوروبي اكثر مما هي
محدودة اصلاً وخاصة اذا تغلبت مشاعر الانتقام منه وتم اعدامه، وقد ظهرت هذه المشاعر الثأرية
واضحة في نشر صورة مختطف ومسجون اسير مقيدة يداه ومعصوبة عيناه في وضع لا ينم عن اي احترام
لحقوق الانسان,
وسيكون لهذه المعاملة القاسية اثر سلبي غالباً على صورة تركيا في اوروبا، وهي صورة سيئة من
الاصل,
صحيح ان دولتين اوروبيتين ساهمتا في تمكين تركيا من اعتقال اوجلان، سواء بطريق غير مباشر مثل
ايطاليا التي رفضت منحه لجوءا سياسياً وهو على ارضها، او بطريق يرجح انه مباشر مثل اليونان
التي ستكشف الايام المقبلة ما اذا كانت حكومتها عقدت صفقة مع انقرة في شأن قضية قبرص فباغتها
اوجلان، ام ان اخطاء قاتلة هي التي قادت الى وضعه في القفص,
غير ان الدوافع والمحددات التي تحرك السياسة الخارجية لكل دولة اوروبية تختلف عن موجهات
الاتحاد الاوروبي وخاصة على صعيد معايير الانضمام اليه, ولن تتمكن تركيا من الوفاء بأن اهم
هذه المعايير، وهو حقوق الانسان، الا اذا تمكنت من ايجاد حل نهائي للمشكلة الكردية ينطوي على
قدر معقول من العدالة، وليس خافياً ان اوروبا، التي يعاني بعض دولها من مشاكل اقليات وتتعاطى
معها باسلوب اقل حدة بكثير، لم تفهم او تتفهم ابداً قسوة واحياناً وحشية السلطات التركية في
التعامل مع الاكراد, وبدون تغيير نظرة هذه السلطات الى المشكلة وكيفية حلها سيستمر مسلسل
الانتهاكات الذي راح ضحيته الاف الاكراد تعذيباً واحراقاً لقرى بكاملها في ظل حال طوارىء
مستمرة تغيب فيها القانون,
ولا يعني ذلك ان حزب العمال الكردستاني لم يرتكب انتهاكات على العكس فهو مسؤول عن ممارسات
مناقضة لحقوق الانسان، ولكن جزءاً يعتد به منها هو رد فعل على الانتهاكات الحكومية او دفاع
عن النفس فيما ظل تنظيمه الستاليني التابع مصدراً لجزء آخر من هذه الممارسات,
كما ان عبد الله اوجلان نفسه كان نتاج القهر الذي تعرض له قومه فانتجه وسينتج غيره فالقمع
يخلق شباباً غاضبين مستعدين لان يحملوا السلاح طالما انهم لا يجدون بديلا امامهم غير العنف
وهذه حالة نموذجية لما يؤدي اليه قمع الدولة لبعض ابنائها من تعزيز الجيل نحو العنف سياسياً
كان او اجتماعيا او دينيا,
وهذا ما حدث في تركيا بخصوص مشكلة اقليات مثلما حصل في بلاد اخرى بسبب صراعات سياسية او
اجتماعية او دينية, ولكن تعد تركيا احدى اكثر حالات العنف الممتد حدة في العالم المعاصر لأن
الصراع فيها اخد شكل حلقة مفرغة وصار له امتداد اقليمي غذاه وجود اقليات كردية اخرى في دول
مجاورة,
فالقمع يولد عنفا يزيد السلطات شراسة مما يؤدي بدوره الى اعداد متزايدة من الشباب للسلاح,
ولا تنسى ايضا ان البيئة الخاصة للعنف الكردي في تركيا واسعة النطاق بسبب ارتفاع عدد الاكراد
الى نحو عشرين مليوناً فضلاً عن تركزهم جغرافياً, وربما تكون نهاية اوجلان بداية لمرحلة
جديدة لا تقل عنفاً ان لم تزد اذا تسببت دراما اعتقاله في دفع مزيد من شباب الاكراد الى
الجبال او الى شمال العراق الذي اصبح مسرحاً لحرب متقطعة بين تركيا وفلول حزب العمال
الكردستاني خلال السنوات السبع الأخيرة,
فقد نقل الجيش التركي المعركة الى اراضي العراق منذ عام 1992 في حملات عسكرية تتم عادة بين
فصلي الربيع والصيف من كل عام وتنكفىء في منتصف الطريق او تصل الى آخره ثم تتكرر بحجم اكبر
او اصغر,
وساهم تكرار اختراق الحدود العراقية على هذا النحو في تعزيز مشاعر الاستياء تجاه انقرة لدى
قطاع لا يستهان به من الرأي العام العربي, وربما كانت هناك مبالغة في هذا الاستياء لان
الحملات التركية لم ترتبط باطماع مباشرة في ارض عربية، وانما هي امتداد لمعركة داخلية عجزت
سلطات الدولة عن حلها في موضعها مما ادى الى تفاقمها وامتداد جانب منها الى شمال العراق,
غير ان هناك حساسية لدى قطاعات من الرأي العام العربي تجاه التدخل الاجنبي وزادها تنامي
التعاون العسكري التركي - الاسرائيلي منذ عام 1996 وما ادى اليه من ردود فعل عربية متفاوتة
ولم يكن الاستياء العربي هو الكلفة السياسية الوحيدة التي تكبدتها تركيا على الصعيد الاقليمي
من جراء اضطرارها الى انتهاك سيادة العراق بشكل منتظم بفعل سياستها المتشددة تجاه المشكلة
الكردية فاذا اضفنا الى سلبيات هذه السياسة تداعيات الازمة القبرصية على ما بينها من تداخل
في بعض الجوانب - تكون المحصلة هي علاقات متوترة مع معظم الجيران من سوريا وايران الى
اليونان وقبرص الى ارمينيا وصربيا,
ويتفاوت مدى هذا التوتر من وقت لآخر, لكن كثيراً ما يقترن تصاعده ببعض انعكاسات المشكلة
الكردية ولعل ابرز منطق لذلك ما حدث في حزيران يونيو 1997 عندما اتهمت القيادة العسكرية
التركية الدول الست السابق ذكرها بمساعدة حزب العمال في الحصول على صواريخ ارض جو واستخدام
اثنين منها في اسقاط طائرتي هليكوبتر تركيتين فوق شمال العراق في 18 ايار مايو وحزيران
يونيو ,
وهذا فضلاً عن عدم ارتياح دول اوروبية عدة وخاصة فرنسا للاقتحام العسكري التركي المتكرر
لاراضي العراق ولشأن تداعيات المشكلة الكردية - داخلياً في تركيا واقليميا فيما هؤلاء تصب
كلها في مجرى تعويق امكانات انضمامها الى الاتحاد الاوروبي,
ولذلك لم يكن غريباً ان يؤجل الاتحاد المدة تلو الاخرى البت في طلب تركيا الى ان استبعدته
قمة لوكسمبرج في كانون الاول ديسمبر 1997 ضمنياً في المدى المنظور عندما حددت ست دول فقط
تمثل المجموعة الاولى المرشحة للانضمام وهي بولندا والمجر وقبرص واستونيا وتشيكيا وسلوفينيا
ثم مجموعة ثانية تضم لاتفيا ولتوانيا وبلغاريا ورومانيا وسلوفاكيا,
والآن، يمكن ان تضاعف تركيا المسافة الطويلة اصلا التي تبعدها عن الاتحاد الاوروبي اذا تصرفت
بعصبية وقررت اعدام اوجلان, ونحن نذكر ان ايطاليا سبق ان امتنعت عن تسليمه الى تركيا لان
حكومتها رفضت التعهد بعدم اعدامه, والواضح من المؤشرات الاولية لعملية المحاكمة ان المؤسسة
العسكرية التي تقوم بالدور الرئيسي فيها تعتبره مجرم حرب وليس معارضا، الأمر الذي يعني ان
احتمال اعدامه وارد,
واذا حدث ذلك فالارجح ان يتحول نجاح تركيا في الامساك به من مكسب محتمل الى خسارة اكيدة،
خاصة وان اعدامه لن يبان اكثر يباعد بينها وبين اوروبا فقد، وانما قد يطلق عنفاً اكثر مما
يمكن ان يترتب على سجنه فالاكيد ان نهاية اوجلان اعداماً او سجناً لن تقضي على مقاومة كردية
تفرزها ظروف بائسة كما سبقت الاشارة, لذلك يتوقف الكثير من صورة المستقبل بالنسبة لتركيا
ومشكلتها الكردية على نوع الحكم الذي يصدر في حق اوجلان وفضلا عن خياري الاعدام والسجن مدى
الحياة هناك خيار ثالث هو اجراء محاكمة عادلة لم تقترن بالبدء في اجراء تحول في السياسة
المتشددة المتبعة تجاه المشكلة الكردية، سعياً الى حل سياسي سلمي يقوم على الاعتراف بحقوق
الاكراد الثقافية والسياسية في مقابل تخليهم عن التطلع الى الانفصال, وهذا الخيار الثالث
الذي يبدو خارج دائرة الاحتمالات هو وحده الذي ينطوي على مكسب تاريخي لتركيا يحررها من
الارتهان لمشكلة كلفتها الكثير وستكلفها اكثر,
|
|
|