حيرة المطر قصة قصيرة
|
سنوات طويلة مرت وأنا احاول ان امسك مائة بيضة بيد واحدة,, وسنوات اخرى فيها الايام السعيدة
والمؤلمة مرت حتى اكتشفت اني غير قادر على ذلك، وان اليد الواحدة يمكن ان تحمل بيضة واحدة أو
بيضتين او ثلاث بيضات على ابعد مدى,, فلكل يد وزنها، ومقدرتها على الحمولة ان كانت زائدة أو
ناقصة,
سنوات طويلة هربت من بين يدي حتى تعلمت كيف انام في فراشي جيدا، وكيف اتدفأ جيدا، وكيف أحلم
جيدا، وكنت اعرف ان الاشياء التي تقع تحت السيطرة اليوم ربما تفر منها غداً، او بعد غد، وقد
لا تفر، وقد تفر من حيث يعتقد المرء انها باقية، فالنوم يفر، والدفء يفر، والاحلام تفر ايضا,
حاول ان تنام قليلا واحلم بالمطر ، قلت ذلك لنفسي رغم ان الطقس كان شتاء، والمطر يقرع
النوافذ، ويسقط على الأرض قتيلاً بعد ان سئم حياة الغيم,, وكنت اتساءل: كيف يتنازل عن الغيم
من يصل الغيم؟ فيعيدني ذلك الى استنتاج طالما كرهته,,استنتاج مفاده ان الحياة صراع،وان
الغيم يتخلص من نصف الغيم حين لا يعود قادرا على حمل كل الغيم, كان رأسي مضطربا بالافكار،
ومضطربا بالرغبة في النوم، والرغبة في الحلم، وكانت المنفضة قد ضجت بما فيها وبذلك الكسل
الذي يحول بيني وبين ان افرغها في السلة, له لي غلة؟ كيف اقنع الانسان بان الحلم كالحقيقة -
احيانا - جمال وسحر؟
حاول ان تنام قليلا واحلم بالمطر لم اكن اريد المطر الذي يقرع النوافذ، كنت اريد المطر
الحلم،ومع اول اغفاءة رأيته:
سلاما يا رفيع الشأن
سلاما ايها الساذج
سلاما ايها الموهوب
سلاما ايها الملهم
سلاما ايها الحاذق
سلاما للذي يعرف الحيل
سلاما للذي يعرف البخل
سلاما يا شبيه الطفل
سلاما للذي يغضب تماما مثل دب القطب! ,
كان ذلك رسول حمزاتوف،وكان ذلك الشعر،وكانت قصتي تريد ان تعيد للاذهان ان ليس دائما تكون
الفوارق دقيقة مابين القصة والشعر, حاول ان تنام قليلا واحلم بالمطر ,, كان هذا انا اما رسول
حمزاتوف فيقول: كان لاحد شباب حارتنا امرأة ذات شعر اسود عندما تجاوز العشرين جاءت الحرب
واخذته واليوم تجلس زوجة البطل ذي العشرين مجللة بالشيب قرب العتبة وابنها يحمل اسم ابيه
اصبح،الآن، اكبرمن والده
قال صديقي في الحلم: هذه اقتباسات لا قصة فقلت في الحلم:
يقول رسول حمزاتوف: تتشابه النجوم في الظلام كثيرا وهي تتلألأ ولكن الاكثر سطوعا في السماء
هي الاعلى ولا ادري لماذا؟ ,
انا ايضالم اكن ادري لماذا اخلط الاوراق, من الذي يحلم انا ام من يكتب القصة؟ انا ام رسول
حمزاتوف؟ السلام ام القتال؟ ولماذا تراني اكثرمن الاسئلة في حين ان القصة سرد لا اسئلة؟
هم يسردون وانا احلم بالمطر,, هم يثرثرون وأنا احلم، لذلك سأحاول ان انام قليلا واحلم
بالمطر,, كم اشفق على السلام من السلام,, وكم اشفق على الحرب من الحرب,, وكم اكره الا يتعلم
الانسان الحب: كيف يحب؟ ومتى يحب؟ ولماذا يحب؟
حياة جيدة ستخلقها قصتي،حياة جديدة ستولد من رحم ادبي، هكذا احلم، وعلى هذا اتصارع مع
نظراتي,, نتصارع علىمن سيزهر حبه اكثر، ومن يكون الاعمق,
لازلت اتقلب في فراشي,, ولازال المطر يقرع النوافذ، لازلت احاول ان انام قليلا واحلم
بالمطر,, ولازال الصراع على اللاشيء ليس اكثر من دم يراق بلا معنى ولا سبب، يراق هدراً,, فهل
كنت احمل مائة بيضة بيد واحدة,,وهل كان الصراع وسيبقى هو القدر وهو المطر؟ انني الآن اتعرن
الكلام كي اضع السؤال والجواب بين ايدي البشر,
مقاط مطر
عرعر
،** مثلما خدعنا رسول حمزاتوف حين اوهمنا بانه يسرد علينا محاولته ذات مرة لكتابة رواية فإذا
بنا مع السطور الاخيرة نكتشف ان ما قدمه لنا لم يكن عن الظروف التي أحاطت بكتابة رواية بل
هي الرواية ذاتها,, كذا يخدعنا صديق الصفحة مقاط المطيري - الذي كان بلاشك تحت تأثير قراءته
المؤخرة لرسول حمزاتوف - بأنه يسرد علينا محاولة كتابة قصة حتى إذا ما انتهى سرده أدركنا
انها لم تكن قصة قصته بل هي القصة ذاتها,
المطر حلم جميل ومحبب حين لا يكون، ولكنه حين يقرع النافذة بقسوة لايعود حلماً بل واقعاً،
ومن شروط الحلم المحبب تحقيق ما يفسد به الواقع فكيف يطالب المرء بان يحلم بان يستدرج
الىاحلامه ما يفزعه في واقعه؟ ذلك هوالموقف بين إدراك الإنسان لواقعه وبين وعيه بذلك
الواقع، فالإدراك حقيقة والوعي نشدان لحلم وهنا ربما موضوع القصة الذي يحيله الكاتب بأسئلته
وإجاباته الى البشر,
ما بين الإدراك وبين الوعي مساحة تحرك عليها الكاتب تزدحم فوق تلك المساحة أدوات ذلك الإدراك
واسلحة ذلك الوعي، الأدوات تأتيه من معايشة حقيقية لواقع نشعر به دون ان يحدثنا عنه والأسلحة
تأتي من الثقافة والتأمل ومناجاة النفس للنفس، وذلك الجدل المشحوذ والمتوتر دائما بين ذات
الكاتب إنساناً مدركاً وبين ذاته فناناً واعياً هو ما يصنع بشفافية توتر الدرامية في قصته
الجميلة فيسمو بالموقف القصصي إلى ان يكون موقفاً شعرياً
مقاط مطر كاتب متميز نكاد نراه في موقعه اللائق يوم غدٍ,
|
|
|