جلس,, يستغرقه الحنين,, ويلفه الشوق,, وحده إلا من طيفها,, هيئتها في عينيه,, لمساتها تنطبع
في ذهنه,, وهمساتها ما زالت تذوب في أذنه,, لكن الليل يطول معه الغياب على فؤاد معذب حيران
ينتظر بينما الضياع يلفه والوله يثنيه,, لاشيء يطفئ نار شوقه إلا تلك الثواني والدقائق التي
كانت تتراقص أمام عينيه,, ومع حركتها يقترب الموعد,, وفي وسط هذه المشاعر,, وبينها وبين
الانتظار الذي لم يكن اصعب منه في تلك اللحظات تغفو عيناه قليلا,, وما تلبث حتى ينبلج صبح
جديد يأذن لهما باللقاء,, وبنفس اللهفة يقفز من مكانه مسرعا ليرتدي ثياب العمل- فتتسابق
خطواته,, وتعدو به قدماه الى ان أوصلتاه اليها- هاهو أمامها- يواجهها بجسد أنهكه السهر,,
وبكواه الحنين,, أخيرا تقولها تلك العينان اللتان علتا وجه العاشق الولهان,, فيدنو ليداعب
بأرنبه أنفه لمساتها العطرية فيهمس ليخبرها بأن ليلة البارحة كانت طويلة جدا,, بل انها تفوق
ليالي الانتظار السابقة طولا,, وهذا هو حالة دائما!!,, يهيأ له ان كل ليلة هي أطول من التي
مضت,, لاسيما وينتظره بعد هذا الليل نور عينيه ودرب خياله صاحبة حبه الصادق وينبوع الصفاء
والوئام,,!!،
بدأ الأمر باستلطاف المكان,, ثم التماس الحنان وشيئا فشيئا وقع الغرام كان إحساسا عميقا يشده
الى ذلك الركن الهادىء,, فأخذت هي تلعب الدور المفاجىء,, دور الحبيبة,, لفتت نظره وخطفت
قلبه,, هي بالذات,, دوناً عن شبيهاتها والكثيرات اللواتي احطن بها,, سر غريب,, نشأ بينهما,,
فمضى سر المشاعر تلك محدثا منها جسرا وسدا,,!! جسرا,, يلتمس منه أروع معاني الغرام الصادق,,
ويمتد بينه وبين الحياة ليوصله الى أعذب معطياتها على الاطلاق,,
وسدا,, تحبس قبله الآهات وتنقطع الجراح والمصاعب,, ليحولها الى مزيد من أهازيج الأمل
والاطمئنان,, فيفصل حتما بينه وبين الواقع بكل ألوانه كان قد أمعن في حبها لدرجة أنه لم يكن
بوسعه ان يجالس غيرها,, أو أن يبتعد عنها إلا ما كان يحتمه عليه واقع الظروف,, فكانت كسحابة
علت سماءه,
وكان ينساب نداؤها الى فؤاده كحبيبات مطر تنهمر فتلثم وجه صحراء مجدبة,
تمر الأيام وتسري وقع الأحداث كما هو بين المحبين فمع كل يوم يزداد عمق بئر المحبة الذي
حفرته هذه المحبوبة في قلبه,, وفي ليلة لمع فيها ضوء القمر,, فأثار السماء وبعث الضياء,,
استرجع قصة هيامه مع النائي الحبيب,,
فمرت عليه أطياف الغرام,, كهمس الكلام,, وفير الشوق غزير العشق,, فاسترجع الماضي,, متنقلا
بين ذكرياته,, فاستغلق على الحاضر,, اذ دق قلبه دقة,, ارتعشت لها أوصاله وانتفضت على إثرها
ضلوعه,, وبرقت في عينيه انهار الدموع,, وكأنه تخوف من شيء مجهول,, وظل على حالته تلك ينتظر
أول خيوط النهار,, فعاش مع الانتظار على شجن الأوتار,, ولما لاح له الفجر من بعيد,, ساقته
قدماه الى حبه الوحيد,, وكان كلما سار خطوة,, ارتعد جسمه أكثر الى ان وصل لفردوسه المعهود,,
واقترب من مكانه المنشود,, وهواجس الأمس تلاحقه,, وفي ذهول تساءلت عيناه,, أين هي,,!! خطا
خطوة,, هل تخدعه عيناه,,!؟
أم,, اختفت محبوبته؟!,, أم علمت بمجيئه فأخذت تتوارى عنه كحال أي حسناء تلهو بقلب
ملاحقها؟!,, أم أنها وجدت بديلا فرحلت,,!! رحلت,, أتكون حقا رحلت أو انها ملت؟!,
شيء من ذلك؟,, فبرغم من سيطرتها على ذهنه فهي عاجزة,, يثبت في مكانه برهة حتى يستطيع ان
يستجمع قواه على أثر ما حل به وبدت هواجس الأمس حقيقة!,, وقف يتنفس الصعداء,, ونادى همته
وراح,, يبحث عنها في كل مكان,, لعله يكون أخطأ العنوان أو ان المكان غير المكان,, لكن باقي
الحسناوات في نفس مكانهن في البستان,,
أتكون,,؟! سيطرت عليه فكرة لم تكن بعيدة عن الواقع,, بل انها الواقع بعينه,!! لكن,, من الذي
تطاول عليها,, لا,, قالها بأعلى أصوات الحرمان,, وأخذت لا تمتد داخله طولا وعرضا فكادت ان
تمزق ثنايا قلبه الجريح,, وتتفرع محلقة في السماء,, تبحث عن بارقة أمل,, تردد لعل,, ليت!!
فمرت عليه تلك اللحظات وكأنها الدهر الى ان قطع تفكيره الصامت صوت أحدهم يناديه,, فنزعه بشدة
من دوامة الحسرة فالتفت ليرى,, بعد تكرار للمناداة,, لقد كان سيد المكان اتجه صوبه وهو ينتقل
بخطى ثقيلة بالكاد كان يحملها,, اقترب منه مطأطئاً رأسه صامتا إلا من أنفاس تتردد في
حناياه,, يحاول تهدئتها رفع رأسه بجهد حملق كل منهما في وجه الآخر وبعد برهة من الزمن غلب
عليها الصمت الرهيب,, بدد السيد جو الهدوء بكلمات متلاحقة تفيد بأنه تجول في المكان ويطلب
تغيير بعض الأمور لم يكن بوسعه أن يرد بغير الايجاب,, فالسؤال والمناقشة وطلب التفاصيل أو
الاستفسار كل ذلك لن يجد لديه مكانا,, بدا التساؤل واضحا على وجه الآخر,, إلا انه لم يأبه
لما يلحظه,, فهم بمغادرة المكان,, واثناء التفاته,, ظهرت,, انها هي,, هي بلاشك,, هي بملامحها
الوديعة وسموها وروعتها,, ترقد بين أنامله القاسية,, وتلفها يده الضخمة غير عابىء بها,, وأحس
بدم يتصاعد الى وجهه,, فيخيل له ان بينه وبين الأرض مسافات,, وأنه بات يتأرجح في الهواء,,
إذن هو الجاني,
هو من تجرأ على قطف قلبه من بين ضلوعه,, تمنى ان يفعل شيئاً ولو صرخة تفصح عما ينوي ان يفعل
به يا للسخرية,, لم يجسر على الافصاح أو حتى الاعتراض فثبت في مكانه مشلول الحركة حبيس
الكلمات,, ذاهل الملامح,, متسائلا لماذا هي؟!,,
هي بالذات دون غيرها؟! أهي جميلة في عيون الأخرين ايضا أم انه ذلك الحظ العاثر الملازم
للمحبين,, والذي طبع بطابع العناد؟!,, ما خطب هذا الحظ يا ترى,,!! أيأبى ان يسعد هذا المسكين
حتى ولوفي الخيال! ألا مفر من الحزن أبدا؟!،
لقد توهم صديقنا البستاني أن هذه الوردة ستكون تلك اليد الحانية التي ستسحبه من دنيا الوحدة
لتحلق به الى عالم الوئام,, فوق أبراج السعادة,, فكان يراها أنيس الوحدة,, وصديقا يتقن
الاصغاء,, فيشع لونها خجلا مهذبا,, إلا انه ما لبث حتى استفاق من هذا الوهم,, فوجد نفسه
وحيدا في واقع مظلم فانتابه احساس ان الوهم يطرده وان الواقع لا يتقبله فعلى أي يفرض نفسه؟
اغمض عينيه برهة,, يستدعي الطمأنينة الهاربة من جفنيه,, كان عليه ان يؤمن بأن محبوبته مصيرها
كأي من مثيلاتها في الحياة,, فلا حماية الحب,, ولاصدق المشاعر ولا الرحمة سيمنع ذلك المصير,,
غدا تذبل,, وحيدة في زاوية مظلمة,, لا يكترث لموتها أحد حتى من انتزع منها الحياة!!,, حب
وسعة الخيال لكنه تحطم على أرض الواقع,, اقتلع السيد وردة,, واقتلع معها شرايين قلب مقهور,,
فآلمه,, أيما إيلام!!,
أمينة عبدالرحمن الأحمد
|