Friday 26th February, 1999جريدة الجزيرة 1419 ,الجمعة 10 ذو القعدة



من المكتبة
حوار مع يحيى حقي*
،1-2

في كتابك أنشودة للبساطة تقول: المثل الأعلى في ذهني للكاتب هو الذي يشعر ان جميع ألفاظ
اللغة تناديه لتظهر للوجود على يديه،, لا من قبيل الترف، بل لأن اتساع رقعته الذهنية
والروحية هي التي تتطلبها جميعا ,, ألا يتعارض هذا مع ما تنادي به من الحتم والايجاز
والتحديد والوضوح للكاتب عند اختيار الفاظه,, كيف يكون الكاتب على ما تطلبه منه من الثراء،
ثم كيف يكون مع هذا بخيلا كل هذا البخل؟,
قال وابتسامته مازالت مشجعة:
منذ ان أمسكت القلم لأكتب في سن السادسة عشرة وقد ألزمت نفسي بهذا المنهج: لا كلمة زيادة ولا
كلمة أقل,, ولا تعارض هناك,, لأن الكاتب الذي على هذا الثراء يستطيع بكل اليسر أن يختار من
الألفاظ ما يناسب غرضه تماما,, أما الكاتب الفقير فهو الذي يظل يلف ويدور حول المعنى ويفرط
في الكلام، لأنه لا يجد الكلمة المناسبة تماما التي تغنيه عن كل هذه الثرثرة، والتي اذا وضعت
في مكانها استقرت فيه، فهي من العمل بمثابة الحجر من البناء، اذا رُفعت منه ولم يتأثر المعنى
فهي كلمة زائدة، ولابد من حذفها في الحال,, أمّا اذا رُفعت من العمل فتخلخل المعنى فلابد اذن
ان تبقى في موضعها، لأن غيابها يؤثر على العمل كله,, وهنا أعود لأقول: ان البلاغة هي في وصول
المعنى الى القارىء بايسر السبل,,
البلاغة هنا تصبح في انعدام الوسيلة,, وهذا يجرنا الى سؤال: ما هي وظيفة النحو؟,, النحو هنا
لا يصبح مجرد قواعد,, وظيفة النحو هنا تصبح تماما كوظيفة الزيت اذا وضع على الآلة لتسهيل
حركتها,, ومعنى هذا ان ينساق المعنى في سهولة الى ذهن القارىء,, وكل قواعد النحو كقواعد
الفن، ليست نهائية,, وقد ضرب لنا القرآن المثل,
فكلنا تعلمنا في النحو ان الضمير لابد ان يعود الى سابق,, لكننا نجد انه حتى في القرآن فإن
الضمير يرد قبل السابق في كثير من الآيات,, إذن, ليست هناك قواعد نهائية,, وعلى كل حال
فقواعد النحو مقصود بها منع الغموض واللبس،وان يسير الكلام في العمل سلسا منسقا,, ,
ويستطرد يحيى حقي بعد لحظة تفكير,, ينقر بسبابته على خشب المنضدة بيننا:
الفن كما ترى هو الثراء,, والأديب لابد له من ان يتصف بالثراء النفسي,, لأن غاية الفن هي
الذهاب الى الغايات القصوى,, وقد ضربت مثلا على أهمية الشعر على القصة,,
كيف مثلا نفهم الغيرة إلا اذا وصلت الى غايتها,, وهناك بيت من الشعر يساوي في ايجازه رواية
كاملة,, يقول البيت الذي يصف علاقة حب انقلبت الى كراهية:
كدبيب الملال في مستهامين الى غاية من البغضاء ,
فالشاعر مثلا لم يقل كدبيب الملال في محبين واختار بدلا منها كلمة مستهامين كدلالة على
بلوغ الحب أقصاه,, ثم تحوله الى البغضاء لا مجرد الكراهية,, وتصور عاشقين على هذه الدرجة من
الهيام يدب بينهما الملل حتى يتحولا الى اقصى درجات البغضاء,
أليست هذه قصة كاملة أوردها الشاعر بأشد الايجاز في كلمات قليلة؟,
المأساة هنا هي في الانتقال من غاية قصوى الى غاية قصوى أخرى,, لأن مجرد الحب الفاتر
والكراهية الفاترة لا تصلح موضوعا للفن ,
قلت مُديرا دفة الحديث الى طريق كان هو من رواده زمنا طويلا تربى خلاله على يديه جيل من
الأدباء الشبان:
صادفت ولاشك نماذج عديدة لأخطاء وعثرات الأدباء الشبان في خطواتهم الأولى في الفن,, كنت بصبر
الأدب وسعة صدر الأستاذ تقوّمها لهم، وتصحح لهم مسارهم، حتى صار منهم اليوم أدباء لمعوا,
ماذا كانت نصيحتك لهم؟ وبماذا تنصح اليوم أجيال الشباب الذين يدخلون عالم الأدب تملؤهم
الرهبة من معانقة الكلمة؟
قال ببساطته المعروفة:
كان كل ما يهمني أن أقول لهؤلاء الشبان ان أهم ما يحتاجون اليه في كتاباتهم هو التجربة
الذاتية,, بمعنى أنهم يجب ألا يتأثروا بالنقد أولا,, ولكن عليهم ان يضعوا همهم في اجادة
العمل الذي يتولونه، ثم يجدون أنه هو الذي ينتقل بهم خطوة بعد خطوة,, ومع ذلك احتجت أن اقول
لهم بعض الأشياء البسيطة التي ظننت أنها قد تعينهم على هذا,, من ذلك قولي لهم: ان كتابة
القصة لها أسلوبان:
أسلوب: أنا كنت عندهم وجيت,, وعلموا كيت,, وكيت,, وكيت ,
وكنا نلاحظ في هذا الاسلوب كثرة كلمة كان,, وكان,, وكان,, ولعلك أنت نفسك تذكر انني كنت
بقلمي أشطب كلمة كان هذه كلما أطلّت برأسها في القصة لتخفيف ثقلها على الأسلوب,, وما دمنا
بدأنا بكلمة كان فكل الكلام بعد ذلك محمول على الماضي,
وكنت أقول لهم: انتقلوا فورا الى المضارع؛ لأن المضارع هو الذي يعين على اظهار الحركة,
بل ذهبت الى حد النصح لهم ان يبدءوا قصصهم بالفعل المضارع، لأنه يدل على الحركة,
وهناك اسلوب آخر يقول: تعالوا بنا ننظر من ثقب هذا الباب لنرى ماذا يفعلون ,, اقول مقاطعا:
لكن أين وجهة النظر الفردية هنا إذا كنت توافقني ان الفن في النهاية هو وجهة نظر فردية ما
دام الفنان سيتحول الى مجرد عين ترقب ما أمامها لتضعه كما هو على الورق,, هنا يتحول الفنان
الى كاميرا محايدة، وليست مشاركة,
يجيب يحيى حقي متجاوزا عن مقاطعتي، ونبرته الهادئة توضح انه يقول لأفهم:
هذا يجرنا الى تفسير معنى ان المؤلف لا يتدخل، وأنا دائما اقول: إنه لا حياد في الفن,,
المشكلة ان كل فن له شكل,, لكن ما دمنا بصدد القصة بمفهومها الحضاري الحديث,, والمؤلف عندما
يعبر عن اغراضه بحركات ابطاله فيعطون القارىء الانطباع الذي يريده الكاتب دون ان يتدخل هو
ليضع رأيه,, المؤلف في النهاية له غرض، وله فلسفة يسعى الى اثباتها، وله وجهة نظره,, فهو اذن
ليس كاميرا كما تقول، لكنه يستوعب ويهضم ما يراه ليعيد اخراجه لنا من خلال ذاته الخاصة جدا
بعد حذف كل التفاصيل التي لا علاقة لها بغرضه من قصته,, ويقفز من موقف الى موقف حتى يصل الى
ايصال فلسفته الى قارئه,
ما أريد ان اقوله هنا هو ان الأدب هو خلاصة إحساس عام,, وأنا ضد القوالب الحديدية التي تقيّد
الابداع,, وأنا أطالب بالحرية,, وأطالب بالانطلاق من حيث الشكل حتى يتمكن الأديب من
الابداع,, ,
،(*) عن كتاب يحيى حقي عازف الكلمات الصادر مؤخرا عن الدار المصرية اللبنانية
backtop
الاولــــى
محليـــات
مقالات
الثقافية
فروسية
أفاق اسلامية
عزيزتي
المزهرية
الرياضية
شرفات
العالم اليوم
مئوية التأسيس
الاخيــرة

الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved