Friday 26th February, 1999جريدة الجزيرة 1419 ,الجمعة 10 ذو القعدة



من وحي المنبر
من تواضع لله رفعه
الشيخ الدكتور/صالح بن عبد الرحمن الأطرم *

الحمد لله رب العالمين، المتصف بالعظمة والكبرياء، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له
الكبير المتعال، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً عليه أفضل
الصلاة والتسليم، أفضل المتواضعين لرب العالمين، وأعرفهم بحقوق الخلق أجمعين,
أما بعد: اتقوا الله، التواضع أيها المسلمون صفة حميدة شريفة، وصاحبه له الدرجات الرفيعة،
يحظى بكل خير ويسلم من كل شر، يحظى بعلو المنزلة عند خالقه ومربيه، ويعافى من صفة إبليس
الطريد اللعين بأن تكبر عن امتثال أمر ربه بالسجود لأبينا آدم مفتخرا بأصل خلقه بأن خلق من
نار وآدم خلق من صلصال كالفخار,
فالتواضع له فوائد جمة ومزايا حميدة عدة، لو لم يكن فيها إلا أنها تكسب محبة صاحبه وتزرع في
قلوب الناس مودته بأن يكبر في عيونهم عند تواضعه ويصغر ويحقر إذا مشى واختال وتكبر وصعّر خده,
وجاء في الأثر عن أبي هريرة رضي الله عنه ان النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ما نقصت
صدقة من مال، ولا زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، ولا تواضع أحد لله إلا رفعه , كل ذلك فضل من
الله على عبده بأن امتثل أمر الله فعطف على خلق الله بماله، وعفا عمن ظلمه برجاء الثواب من
عند الله، ولم يشارك الله في صفة الكبرياء والعظمة بل عرف قدر نفسه بأنه مخلوق ضعيف وأن من
اتصف به من حسن خلق وزيادة مال ورفعة منزلة وعظم جاه كله من عند الله,
قال بعض العلماء: الواجب على العاقل لزوم التواضع ومجانبة الكبر ولو لم يكن في التواضع خصلة
تحمد إلا أن المرء كلما كثر تواضعه ازداد بذلك رفعة,
أيها المسلمون: إن التواضع يكون من الإنسان على نوعين أحدهما محمود والثاني مذموم وكلاهما
مشعر بالذلة والخضوع، أما المحمود فهو ترك التطاول على الناس وعدم غمط حقوقهم وخدش كرامتهم
وتقديرهم بما يستحقونه تواضعا لله وخوفا من عقابه وشعوره بضعفه وفهما لحكمة الله بتفاوت
خلقه,, وأما المذموم فهو الذل والخضوع لذي الدنيا من أجل دنياه رغبة فيما عنده وطمعا في ماله
غير مبال بما يذهب عليه من ثواب الله الذي هو خير وابقى من الحطام الفاني ولربما ذهب عليه
شيء من أمور دينه الذي فيه صلاح معاشه ومعاده بسبب هذا التواضع المذموم, والتواضع لله عز وجل
على ضربين:
أحدهما: تواضع العبد لربه عندما يأتي من الطاعات غير معجب بفعله ولا رآء له عنده حالة يوجب
بها اسباب الولاية إلا أن يكون المولى عز وجل هو الذي يتفضل عليه بذلك وهذا التواضع هو السبب
الدافع لنفي العجب عن الطاعات,
والتواضع الآخر هو ازدراء المرء نفسه واستحقاره إياها عند ذكره ماقارف من المآثم حتى لا يرى
احدا من العالم الا ويري نفسه دونه في الطاعات وفوقه في الجنايات,
وقد فسرت الخشية التي امتدح الله بها أنبياءه وأولياءه في التواضع بقوله تعالى: فاستجبنا له
ووهبنا له يحيىوأصلحنا له زوجه إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رَغَباً ورَهَباً
وكانوا لنا خاشعين أي متواضعين فيما يأتون من الطاعات لربهم,
أيها المسلمون: لزاما على كل مسلم التزام التواضع لإخوانه المسلمين فلقد أمر الله به رسوله
،- صلى الله عليه وسلم - والأمر للرسول أمر لأمته مالم يرد تخصيص قال تعالى: واخفض جناحك
لمن
اتّبعك من المؤمنين وفي حق الوالدين يقول الرب واخفض لهما جناح الذُّل من الرحمة وقل رب
ارحمهما كما ربياني صغيرا وكما أمر الرسول إمام الأمة بان يتواصع لرعيته أمر الرعية أن
يتواضعوا لولي الأمر في حدوده، قال تعالى: اطيعوا الله واطيعوا الرسول وأُولي الأمر منكم ,
وإذا استقرأنا نصوص القرآن والسنة وجدنا لكل احد من الخلق عليك حق من التواضع فالصغير بالعطف
عليه والشفقة وسبقك له بالذنوب، والتواضع مع الكبير لسبقه لك بالإسلام والتجارب، ففي الحديث:
ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا وإن كنت متوليا أمرا من أمور المسلمين فتواضع
بالبشاشة وانطلاق الوجه وانشراح الصدر لقضاء حوائجهم غير مشمئز ولا عابس بوجهك أمام ذي
الحاجة كثيرا او قليلا ضعيفا او قويا قال تعالى معاتبا نبيه حينما اشتغل مع الكبار وتغافل عن
ابن أم مكتوم الأعمى وقد جاء يسأله عبس وتولى ان جاءه الأعمى فانظر الى هذا العتاب لنبيه مع
ما هو عليه من التواضع وأنه لم يتغافل عن تكبر بل هو ظن للمصلحة في الاشتغال مع صناديد قريش
فكان بعد ذلك يفرش له رداءه ويقول مرحبا بمن عاتبني فيه ربي، قال تعالى آمرا نبيه بأن يتواضع
للضعفاء حين طلب الكبار من الرسول طرد ضعفاء المسلمين واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم
بالغداة والعشيّ يريدون وجهه ولا تَعدُ عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من
اغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان امره فرطا , ويقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - لمن
قال لي عشرة من الولد ولم اقبّل منهم احدا او املك فيك الرحمة,
ايها المسلمون: لنا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - الاسوة الحسنة في التواضع مع الكبير
والصغير ومع ولي الامر ولمن تولى عليه ولوالديك وفي المأكل والمشرب والملبس والممشى، فتواضعك
للمسلم محبة واخاء وتواضعك للعاصي دعوة وإرشاد,, ومن ضمن فوائد التواضع ماورد عن عمر بن
الخطاب رضي الله عنه إن الرجل إذا تواضع لله رفع الله حكمته والحكمة كفاية عن القدر وقال
ثمرة التواضع المحبة كما أن ثمرة القناعة الراحة وأن تواضع الشريف يزيد في شرفه كما أن تكبر
الوضيع يزيد في وضعته وكيف لا يتواضع من خلق من نطفة قذرة وآخره يعود جيفة قذرة وهو بينهما
يحمل العذرة, فكفى بملتمس التواضع رفعة وكفى بملتمس العلو سفالا,
هذا وأسأل الله أن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه وأن
يجعلنا أخوة متحابين متواضعين فيما بيننا ونوقر الكبير ونرحم الصغير, أعوذ بالله من الشيطان
الرجيم ياأيها الذين امنوا إذا قيل لكم تفسّحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله لكم ,الآية,
* عضو هيئة كبار العلماء

backtop
الاولــــى
محليـــات
مقالات
الثقافية
فروسية
أفاق اسلامية
عزيزتي
المزهرية
الرياضية
شرفات
العالم اليوم
مئوية التأسيس
الاخيــرة

الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved