إن الله ليرفع بهذا القرآن أقواماً
|
إن اصدق علامات التقديم، وانفس جوائز التكريم، تلك التي تأتي عقب عمل كبير، وجهاد أكبر،
ويكون التفضيل فيها أعظم وأظهر، فهي دلالة على انجاز متميز في الخير، ومنافسة في عمل مبرور
،(لمثل هذا فليعمل العاملون) (وفي ذلك فليتنافس المتنافسون) ومن المشاهد الوضيئة لهذا مشهد
المسلمين غب معركة احد، وقد اثخنهم الجرح، ومسهم القرح، وعانوا مرارة الهزيمة وحر الفجيعة،
وثقل المصاب، فلم يكونوا في حال تمكنهم من دفن قتلاهم واحداً واحداً، فحفروا لهم قبوراً
جماعية: الثلاثة في قبر، والاثنان في قبر، وعندما هيئ هؤلاء الشهداء الابرار لدفنهم ثار سؤال
كبير: ايهم يقدم في القبر، الذي هو اول منازل الآخرة؟ وما مؤهلات التقديم في هذا المكان؟
ربما قيل: اشرفهم نسباً، او قيل: أكثرهم مالاً، او قيل: أكبرهم سناً، وربما قيل غير ذلك
كثير!!,
ولكن السؤال لم يطل فقد جاء جواب النبي - صلى الله عليه وسلم - حاسماً الموقف مبينا المؤهلات
الحقيقية للتكريم، فقال: صلى الله عليه وسلم - (انظروا اكثرهم أخذاً للقرآن فقدموه),،
انها الرفعة بالقرآن: (ان الله ليرفع بهذا الكتاب اقواماً) وانه التكريم لأهل القرآن في موقف
ليس بعده الا الوقوف بين يدي منزل القرآن,
إن هذا التقديم والتكريم لأهل القرآن، وتمييزهم بما ادركوا من فضل، واصابوا من خير شأن خبره
الصحابة من النبي - صلى الله عليه وسلم - في مواقف كثيرة، فقد بعث - صلى الله عليه وسلم -
بعثاً، وهم ذو عدد، فاستقرأهم، يسأل كل واحد منهم عما معه من القرآن، حتى أتى رجلاً أحدثهم
سناً فقال: (ما معك يا فلان؟) قال: معي كذا وكذا، وسورة البقرة فقال: (امعك سورة البقرة؟) ،
قال: نعم، قال: (فأنت أميرهم)، اخرجه الترمذي وحسنه,
أرأيت كيف تظهر هنا مؤهلات التقديم، واسباب الرفعة؟ انه الصلة بكتاب الله - عز وجل - وحفظه،
مصداقاً لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (إن الله ليرفع بهذا الكتاب اقواماً ويضع به آخرين) ،
أخرجه مسلم,
إنها الرفعة بالقرآن والتكريم لاهل القرآن,
بل إن هذه الرفعة لتبلغ شأواً بعيداً في مشهد من اعظم المشاهد جلالاً وروعة ذلك حين اخذ
النبي - صلى الله عليه وسلم - بيد ابي بن كعب، وهو من اهل القرآن وقرائه فقال - صلى الله
عليه وسلم: (أقرؤكم ابي) فقد اخذ النبي -صلى الله عليه وسلم- بيده وقال له: (إن الله امرني
أن اقرأ عليك القرآن) قال ابي: يا رسول الله وسماني لك؟ قال (نعم) فبكى ابي رضي الله عنه
فرحاً واجلالاً ومهابة لربه تعالى، فقيل له بعد ذلك: أفرحت بذلك يا أبا المنذر؟ قال: ومالي
لا افرح وقد سمعت الله يقول: (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون),،
الله اكبر، أي تعظيم وأي تكريم، وأي تشريف، وأي رفعة هذه التي رفع القرآن بها أبي بن كعب،
انه بشر يمشي على الأرض مع البشر، لقد رفعه الملك العلي الأعلى، فذكره وتكلم باسمه واسم ابيه
في عليائه وملكوته السماوي عند ملائكته الأبرار,
أن اوسمة الدنيا، وشاراتها، ونياشينها ورتبها ومناصبها تكون هباء اذا ذكرت مع هذا التكريم
الالهي، والحفاوة الربانية بأبي بن كعب رضي الله عنه,
،(ان الله ليرفع بهذا الكتاب اقواماً ويضع آخرين) ومن رفعة القرآن لأهله انه يضمن لهم
الخيرية
على غيرهم، فهم افضل من سواهم وخير وقد شهد لهم بهذه الشهادة محمد - صلى الله عليه وسلم:
،(خيركم من تعلم القرآن وعلمه),،
ولكل من هذه الخيرية بحسب تعلمه للقرآن او تعليمه، وانا لنرجو ان تكون دولتنا الخيرة - أدام
الله خيرها وتوفيقها - وقادتنا المباركون - أدام الله صلاحهم وفلاحهم - قد اصابوا من هذه
الخيرية بنصيب وافر، وحظ عظيم، بما بذلوه - ويبذلونه - في خدمة كتاب الله تعالى وتعليمه،
ونشره، من اقامة لمدارس تحفيظ القرآن الكريم الرسمية والخيرية، ورعاية لجمعيات تحفيظ القرآن،
ودعم لها، وانشاء لأضخم مجمع لطباعة المصحف الشريف، وانشاء الكليات والأقسام المتخصصة في
الجامعات للدراسة القرآنية، وتكريم لحامل كتاب الله وحافظه وتقديم له على غيره في صور كثيرة
من انواع خدمة كتاب الله وتعليمه ونشره بما لا ترى قليلاً منه عند معاصريهم ولا تسمع به عند
من قبلهم,
ومن الشواهد القريبة الناصعة في هذا جائزة الأمير سلمان بن عبد العزيز - عظم الله مثوبته -
السخية لحفظ القرآن الكريم، وترتيله وتفسيره والتي خصصت للبنين والبنات من ابناء المملكة
العربية السعودية في كل عام اعتبارا من هذه السنة,
وقد حقق الله تعالى لهذه الدولة وقادتها بهذه الخيرية رفعة القرآن وتكريمه فميز الله هذه
الدولة بمميزات عظيمة ورفعها وقادتها على من سواهم واظهرهم على من عاداهم وتنافس في خدمتهم
واجلالهم من كان يصفهم بالأمس بالبداوة والجهل وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل
العظيم,
،(ان الله ليرفع بهذا الكتاب اقواماً ويضع به آخرين),،
،* المشرف على مكتب معالي وزير الشؤون الاسلامية والأوقاف والدعوة والارشاد للدراسات والبرامج
الدكتور: محمد بن عبد المحسن التركي*
|
|
|