Friday 26th February, 1999جريدة الجزيرة 1419 ,الجمعة 10 ذو القعدة



ايتها الدهشة,, ايتها المرأة

يمشي الهوينى والحذر خوفاً ان يتعثر بجثث احلامه المقتولة يمشي بصمت مشحون بالقلق يحارب شبح
ذكرياته التي تصر ان تربك خطاه مجبرة إياه على السقوط والخضوع لسطوتها تتشكل الافكار سريعا
في رأسه وتتلون بلون موتاه وتتلاشى ليلتهما بشهية الفضاء الاسود الممتد فوقه يرتسم ظله امام
عينيه خطوطاً متشابكة يدور كالمذهول حول نفسه عائداً الى نقطة البداية حيث اعماقه المظلمة
فينقبض الفضاء وينكمش فوقه راسه كشبكة عنكبوت تقتنص اناته قبل صعودها الى السماء ينغمس في
كآبة يختنق بعبراته يبتلع وجعه مطاطاً راسه يحرث الارض بعينيه يقلب تربتها وحجارتها بحثاً عن
شيء ما,, اي شيء,, لابد ان يعثر على اي شيء تمسك به عيناه لتنشغل به عن خوفها الدائم ويصرف
عنها نظرات الفضاء الخبيثة يسمع صوت انين يرتعش ظله,, وجعاً مختبئاً في اعماقه,, ايخرجه؟
يطلقه؟ محال وكيف بامكانه ان يمسك بسحابة ظله الراكض ليلبسه ويخلع المه,, لكن ماذا لو تحول
هذا الوجع الى شبح او مسخ وبدأ يخيفه؟ ايبقيه حبيساً؟ ترى مالذي بمقدوره ان يفعل ان ارتفعت
اسراب اناته فوق جمجمة الاشباح تلك وبدأت تخيفه؟ ترى هل سيكون باستطاعته ان يسقطها بنظراته
المسلولة الواهنة؟ اسئلة كثيرة راحت تنبعث بكثافة من مدخنة راسه المتذمر لم يكن يمتلك لها
اجوبة او حتى فضاء يحتضنها ليصنع منها مطراً ولو كان اسود سوى صدره الذي ضاق بما فيه تلاحقت
سؤالاته وكثرت توقعاته بشكل فاق سرعة خطواته اللاهثة خلف اخر قوافل ظله المرتبك فقد السيطرة
على قدميه ومع لمعان البرق الخاطف في رحم السماء العاقر لمح ظلا يعترض طريقه تمنى ان يمتد له
حبلاً ليتمسك به خشية الوقوع فقد اوشك على السقوط، وقد فات الاوان على امنيته تلك وسقط
متعثراً بظل امرأة يرتجف منكمشاً على نفسه، تسمر في مكانه تعتريه الدهشة والخوف يتصبب عرقاً
وقد شحب وجهه وتهدل جفناه وعلت جبينه اسراب من علامات التعجب والاستفهام وبلحظات طلع على
ضفاف عينيه شجيرات بقاء جديدة حملته على الغوص في تضاريس وجهها المعتم متسلقا قمم صمتها
الوعرة محاولاً ان يقرأ خطوط جبينها المتشابكة بدت له غامضة تستعصي عليه قراءتها كفضاء
طريقه المجهول الاشارات والجهات ارتفعت يده لتلملم عن عينيها خوفها الاسود اومضت في وجهها
جمرتين اضاءت عتمة كوكبها المتعب واشعلت كل,, الاشارات المطفية والواهنة على جوانب الطريق
الذي استعاد اخيراً كبرياء حضوره، دوت صرخة دهشة في اعماقهما اهتز لها الفضاء والطريق وانتفض
سرب من خفافيش التكهنات من راسيهما افترسها الصمت قبل ان تحلق عالياً ورماه شبح في دهشتها مد
لها يديه ليقتلعها من مكانها وما ان لامست حرارة يديها جليد يديه حتى تفسخ ظلها وتلاشى
بريقاً مشتعلاً في عينيه اضاء ليل ظله المتمرد واعاد له نكهة الانسان التي قتلها وضيعها ليل
وحدته الطويل، صحا من لحظات دهشته وقد انفك عنه السحر,, لم يرها فتش عنها ولم يعثر عليها
استعاد صوته المخنوق لمناداتها وتردد مساء لا ترى باي اسم يدعوها وتكسرت الحروف على شفتيه
وهو يحاول ان يلتقط من المجهول اسماً لها فناداها مرتبكاً,, ايتها الظل,, ايتها العثرة,,
ايتها الدهشة,, ايتها المرأة,, ايتها التحول تردد صوته مدوياً في كل الانحاء متوغلاً في
الغرف التي سكنها الظلام طويلاً عائداً من حيث ما انطلق مستقراً في اعماقه التي اضاءتها
بحضورها العجيب، تصاعد من صدره المحتفل حفنة من الأغنيات وانتفخ فوق جمجته كيس من الامنيات
والاحلام الجديدة وبعد مضي ليالي خريف قاسية طويلة اعلن شتاء كونه حضوره ورقصت عيناه بالدموع
رقصة فرح مصحوبة بنشوة التحول وبكى ببهجة غير مصدق ان الحياة قد دبت من جديد في ذاكرة جسده
بعد ان كان قد نسي طعمها ولونها غير مكترث إن لحقت هذه الامنيات الفتية بسابقتها كل ما يهمه
فقط ان يخلص لنفسه ولهذا التحول الذي رضي ان يرمم ويسكن عالمه المنكوب تابع طريقه بخطوات
ثابتة واثقة يحدق بعيداً في الفضاء الراقص على انغام فرحه والذي راقت له ايضاً نشوة التجول
التي تغمر ذلك المجهول الذي يتحرك في احشاء حركة اشبه بالرقص يصحبه صغيراً منبعثاً من فم
وحدته اشارة منه عن بدء زمن التحول واحتفاءً به,
رحاب محمد حسين العلي
backtop
الاولــــى
محليـــات
مقالات
الثقافية
فروسية
أفاق اسلامية
عزيزتي
المزهرية
الرياضية
شرفات
العالم اليوم
مئوية التأسيس
الاخيــرة

الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved