Friday 26th February, 1999جريدة الجزيرة 1419 ,الجمعة 10 ذو القعدة



شخصيات قلقة
روبرت فلاهرتي
رجل تمرد على هوليو

،** منذ ان تخرج فلاهرتي من معهد التعدين بولاية ميتشجان، وهو حائر بين العلم والفن، ايهما
يكون مجالا لطموحاته ,,؟!،
بحكم عمل والده كان عليه ان يواصل مهنته كمستكشف وباحث خلال جبال الثلج في الاسكيمو، وبين
قبائل الماوري البدائية,
وبحكم احساسه الداخلي وعشقه للكاميرا كان عليه ان يختار مهنة الاخراج,
وحتى عام 1931م لم يكن فلاهرتي يعرف كيف يمزج بينهما، وفي احدى رحلاته المقفرة وقف وراء
الكاميرا وسجل لحظات رائعة لصيد كلب البحر دون اي استعداد سابق، سجلها ببساطة الشاعر وادراك
الفنان، ولكن لسوء حظه وهو في رحلة العودة شب حريق كبير اتلف كمية من افلامه المصورة، ورغم
هذا لم يثن هذا الحادث المؤسف من عزيمته بل زاده اصرارا ونشاطا على مواصلة المشوار، ليكون
مخرجا ومستكشفا في نفس الوقت,
وقرر فلاهرتي عام 1919م ان يعود الى خليج هدسون لتصوير فيلم ضخم، وكانت مشكلته الاساسية
تنحسر في وجود منتج يتصف بعنصر المجازفة، وحين توفر له هذا المنتج، ذهب الى هناك وقضى خمسة
عشر شهرا يكتب ويصور ويخرج فيلمه التسجيلي الاول نانوك رجل الشمال ونانوك هذا هو رب عائلة
من الاسكيمو يناضل باصرار ضد قسوة الطبيعة، من اجل البقاء، ومن اجل الحصول على قوت يومه، انه
شخصية لم تفسدها الحضارة، فهو غليظ وطيب، خشن وصارم,,
وايضا بسيط وبريء,
ولم يتوقع فلاهرتي ان ينجح هذا الفيلم، وان تدوي شهرته، لدرجة ان شركة بارامونت العالمية
تعاقدت معه على انتاج فيلم اخر بعنوان موانا- 1926م وبالفعل رحل الى سكان جزر بحار الجنوب
ومكث بينهم ثلاث سنوات يصور طقوسهم الدينية وتقاليدهم الاجتماعية، ونضالهم مع الطبيعة, ويمكن
القول انه ارسى بهذا الفيلم قواعد السينما التسجيلية، التي يعد بحق احد روادها العظام,
فالسينما على وجه العموم بدأت تسجيلية، تلتقط صورا عابرة لمجرى نهر او مدينة او لرجل يسير
بمفرده، او لعمال يخرجون من احد المصانع، ولم تؤسس جماليات الفيلم التسجيلي الا على يد بعض
الرواد العظام امثال المخرج الانجليزي جون جريرسون، والمخرج الامريكي روبرت فلاهرتي، الذي
كان يعتمد على قصص حقيقية، ومادة خام، ويستخدم الانسان الحقيقي من غير الممثلين,
لكنه بعد كل هذا الجهد، وهذه السنوات فوجىء بشركة بارامونت تغير عنوان الفيلم ليصبح تجاريا،
وترفض ايضا تجديد العقد له نظرا لمثاليته وابتعاده عن المعايير التجارية,
وهنا تكمن ازمة هذا المخرج الكبير، فهو انسان متسق مع ذاته، يرغب في تسجيل حياة هؤلاء
البدائيين دون زيف، لانه يتحلى بثقة شديدة بالنفس، ولا يخضع الا لما يمليه هو نفسه على نفسه،
مما كان سببا مباشرا في العديد من الصراعات بينه وبين عاصمة السينما، فأثناء تصوير احد
الافلام اراد المنتج من باب التوفير في النفقات ان يصور بعض المشاهد داخل الاستديو، فما كان
من فلاهرتي الا ان عارضه وترك العمل قبل انتهاء الفيلم، ليس هذا فحسب، بل كثيرا ما كان يدور
شهورا طويلة على الموزعين حتى يعثر على من يتعاطف مع افلامه ويقبل ان يوزعها له، ولولا ان
قلق فلاهرتي من النوع الايجابي، الذي يحفزه على التواصل والاصرار على الانجاز، فلربما سقط في
مهاوي الاحباط واليأس، فلاشك انها الارادة الصلبة هي التي تجعله يرحل مع زوجته واطفاله في
اقصى الشمال بين الاسكيمو، حيث يهدد الصقيع والجوع حياة الانسان ويفنيها في لحظات، وحيث تضرب
الزحافة في الجليد يومين كاملين فلا تجد اي اثر للحياة، ففي هذه المنطقة النائبة الموحشة عاش
فلاهرتي قرابة عشر سنوات يرتاد بقاعها ويصادق ناسها، ويحاول ان يفهم سر الحياة، وما يتحلى به
الانسان من طاقة عجيبة يتخطى بها كافة عقبات الطبيعة, وعن هؤلاء الناس كان فلاهرتي يقول
دائما: انهم اشد من عرفت من الشعوب انسانية ,
لقد خط فلاهرتي بتضحياته قصة من افضل قصص التحرر من قبضة هوليود، ورغم اتهامه بانه يبتعد عن
المشاكل الصناعية الكبرى مفضلا الاماكن النائية، ورغم ما قيل عن كسله وقلة انتاجه، الا انه
سيبقى قيمة نبيلة في مواجهة التجارية والدعائية، فهو لا يهتم بالشهرة والمال قدر اهتمامه
بكرامة الانسان وانحيازه المطلق له، ولهذا نجد الصورة السينمائية لديه قادرة على التقاط
التعابير الرقيقة واللمحات الانسانية الدقيقة، مهما تتطلب من التضحية بكميات هائلة من
الافلام الخام,
وما يقال عن كسله وقلة افلامه، يؤكد معاناته مع صناع السينما الهوليودية، لدرجة انه عند
تصوير فيلم انسان من اران اضطر ان يذهب الى اكبر جزيرة في اران ويقيم هناك لمدة عامين على
نفقته، وتكون فريق العمل معه من خادمته التي قامت بدور الام في الفيلم وصياد من الجزيرة
الاب وصبي الابن وكانت زوجته ومساعدان فتيان معه فقط، وكان فلاهرتي هو كاتب السيناريو
والمصور والمخرج,
وعند وصوله الى الجزيرة اعد في كوخ متواضع على شعب صخرية في البحر معملا لتحميض وطبع
الافلام، زوده بموتور يعمل بالبنزين يكفي لتشغيل مجفف الفيلم وجهاز العرض,
وتكون معمله من معدات واجهزة متواضعة بالنسبة لمعامل هوليود الاتوماتيكية,
وربما يكون فلاهرتي قد خسر كثيرا بتمرده وقفزه فوق الاسوار الحديدية لهوليود، لكنه ظل وفيا
لمبادئه ومثاليته، مؤكدا في جميع افلامه على نضال الانسان، واعتزازه بكرامته وكبريائه،
وصراعه الدائم ضد قسوة الطبيعة طلبا للرزق والحياة, بل حتى متاعبه الشخصية كان يضفي عليها
طابعا دراميا، ولهذا لم يعان منها كثيرا، فقد اصبحت هذه المتاعب سواء شخصية او مهنية جزءا من
قصصه التي صورها واصبح هو نفسه كأنه احد هؤلاء الابطال الذين يصور ملحمتهم وكفاحهم لتحقيق
المستوى اللائق من الحياة الكريمة,
اننا امام رجل شق لنفسه طريقا خاصا به، وخاض في ميدان صعب المراس لكنه استطاع رغم كل شيء ان
يفرض شخصيته ويحقق اسطورته الخاصة، ولا عجب ان يرثيه روجر ما نفل قائلا:
لعلنا لا نستطيع ان نؤبن رجلا في حيوية روبرت فلاهرتي ودعابته وسحره,
فقد كنا نسميه مخرجا سينمائيا وكان هو يسمي نفسه مكتشفا,,
لقد كان شرفا كبيرا للمرء ان يعرف مثل هذا الرجل ,
شريف صالح
backtop
الاولــــى
محليـــات
مقالات
الثقافية
فروسية
أفاق اسلامية
عزيزتي
المزهرية
الرياضية
شرفات
العالم اليوم
مئوية التأسيس
الاخيــرة

الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved