Friday 26th February, 1999جريدة الجزيرة 1419 ,الجمعة 10 ذو القعدة



في مبادرة لالجزيرة
الندوات الأدبية هيكل فارغ أم متنفس للإبداع

،* يحلم كل مبدع جديد ان تتاح له فرصة الظهور للافصاح عن موهبته امام الجمهور والأوساط
الأدبية والثقافية من خلال ندوة أو مؤتمر يقوم المنظمون لتلك الندوة أو المؤتمر بتقديمه
واكتشافه والقاء الضوء على موهبته ومن ثم تصبح الندوات الثقافية احد المداخل الهامة للمبدع
وتقريب صلته بالجمهور وجها لوجه، بالاضافة الى انها -أي الندوات الثقافية- تصبح جزءا أساسيا
من حركة الأدب والثقافة في المجتمع,
وانطلاقا من أهمية الندوات في حياتنا الابداعية كانت مبادرة الجزيرة لالقاء الضوء عليها
ولاسيما الجهات والأماكن التي تقوم بتنظيمها عن جدوى اقامة هذه الندوات وهل ساهمت في اكتشاف
واظهار مبدعين جدد اثروا الساحة الابداعية والثقافية,
أنوع,, وأنواع
على اتساع رقعة القاهرة هناك ندوات متعددة، تقام على مدار الاسبوع مثل ندوة جمعية النقد
الأدبي برعاية د, عزالدين اسماعيل، وندوة محمد جبريل، كل خميس، بنقابة الصحافيين، واتيلية
القاهرة مساء كل ثلاثاء، وفي محاولة لتقييم ادوارها تقول الناقدةوالأديبة اعتدال عثمان ان
هذا التعدد في أماكن الندوات، يمكن النظر اليه من ناحيتين، انه ازدهار للحركة الثقافية، أو
انه تكرار يؤدي للتشتت والملل,, ولهذا تتبنى فكرة ان تكثف هذه الجهات نشاطها في اربع أماكن
معروفة، ومتباينة في القضايا والاهتمامات، بحيث يكون هناك تعامل، وتخطيط ثقافي نافع, فهذا
التعدد- حتى الآن- سلبي ولا يحقق اي تراكم معرفي,
وترصد منار فتح الباب الندوات في ثلاثة انواع، النوع الأول هو امتداد للصالونات الثقافية
ودورها الريادي في العالم العربي، مثل صالون د, شكري عياد، وصالون د, عبدالمنعم تليمة حاليا،
والنوع الثاني تقيمه المؤسسات الرسمية ويمتاز بتضافر الجهود الجماعية واتساع التأثير، اما
النوع الثالث فهم الكتاب المنغلقين الشللية ، وهي ترفض هذا الاطار للعمل الثقافي، وتصف هؤلاء
بأنهم وجوه تتسم بالغرور والعدوانية والادعاء,
حكاية ندوة
لا أحد يختلف على قيمة الندوة وأهميتها، وبخاصة اصحاب الندوات الذين يجلسون وراء الميكرفون
ويديرونها,, وكان لابد ان نلتقي بهم، ونسألهم: ما حكاية هذه الندوة؟ وكيف بدأت؟,
الروائي محمد جبريل يقول انه اعلن عن ندوة أدبية في جريدة المسائية، وانتظر في الموعد
المحدد، ومعه كتاب، وحين لم يأت احد راح يقرأ في الكتاب وكأن شيئا لم يكن,, بعد اسبوعين جاءه
الأديب وليس المخرج نيازي مصطفى يطلب رأيا في قصة له، ومن هنا تطورت الندوة كما وكيفا،
وافرزت جيلا من الكتاب المتمرسين، أمثال: مسعود شومان، وسعد القرش، وسيد الوكيل، وايمان
مرسال، وعشرات غيرهم, واستقرت الندوة بنقابة الصحافيين مساء كل خميس، باعتبارها أهم ملتقى
لابداع الشباب، وبداية تحقيق الذات,
ومن الواضح ان ندوة جبريل تمارس نشاطها تحت مفهوم الورشة الشبابية فأغلب الرواد في ريعان
الشباب، سواء أكانوا كتابا أم نقادا، يتعامل معهم جبريل بحنو الأب وخبرة الروائي المتمرس،
ومن هنا اكتسبت تلك الندوة مكانة خاصة في نفوس جيل كامل من الكتاب,
ونفس مفهوم الورشة نجده في ندوة الورشة الابداعية بالزيتون التي بدأت نشاطها اوائل
الثمانينات، لكنها ازدهرت في بداية 1992م حين اعادت اكتشاف جيل الستينات وما تلاه من ابداعات
جديدة ويؤكد الشاعر شعبان يوسف ان ندوة الزيتون خارج النص الرسمي ,
بمعنى انها اكثر حيوية وسخونة في طرح القضايا مقارنة بالندوات الرسمية، ويكفي ان من يأتي
اليها ينفق من وقته وماله في سبيل البحث عن ثقافة حقيقية، بعكس الندوات الرسمية التي ترتبط
بفكرة المصالح والتلميع، ويدخل فيها عنصر المكافآت المادية,
وتنفرد ندوة الزيتون بأنها تعبر عن صوت المؤلف، وتعطيه مساحات من الوقت - لا تتاح في أي مكان
آخر- كي يتحاور بشكل حميم مع القراء والنقاد,
أما اتيليه القاهرة، المكان الأثير والمفضل لدى غالبية المثقفين، فله حكاية طريفة تعود الى
عام 1982م، حيث لم يكن به سوى نشاط لبعض معارض الفن التشكيلي، حتى تدخل بعض الأدباء وعلى
رأسهم الكاتبة فتحية العسال، وطالبوا من مجلس ادارة الاتيلية ان يعقدوا ندوة اسبوعية، ومن
هنا ولدت ندوة الثلاثاء واستمرت الى الآن، وقدمت للحركة الثقافية العديد من الاسماء مثل مدحت
الجيار، وخيري عبدالجواد، وابراهيم فهمي,
وادى ازدهار الندوة الى زيادة الأدباء في مجلس الادارة، فدخل بهيج اسماعيل وسمير عبدالباقي
الى جوار عزالدين نجيب وراتب صدقي، وبدأت المعركة بين جبهة الأدباء وجبهة التشكيليين الذين
احتجوا على وجود الأدباء بهذا الشكل الكثيف وصاحوا في هلع بأن الأدباء احتلوا الاتيلية,
وبالفعل يمكن القول بأن اتيلية القاهرة تحول -في انقلاب ناعم- من سيادة التشكيليين الى سيادة
دولة الأدباء,
للندوة سبع فوائد
وبينما تعود الاديبة الشابة منار فتح الباب لتؤكد ان الندوة متنفس للمبدع في ظل الاحباطات
وطغيان العلاقات المادية، وفرصة للتواصل مع ابناء جيلها، في ظل رعاية أديب أو ناقد كبير,,
لكنها تتحسر لأن هذا النموذج للمثقف السوي الذي لا تنفصل شخصيته عن ابداعه اصبح نادر الوجود,
ومع هذا تبقى للندوة اهميتها حيث يقاوم المبدع -وهو بين اقرانه- أحاسيس الاختناق واللاجدوى,,
ويؤكد الأديب الحسين عبدالبصير ان الندوات مهمة لاتاحة الفرصة للأدباء الشبان كي يظهروا، وكي
يتواصلوا بحميمية مع جمهور القراء، خاصة وان عملية الكتابة اصبحت سرية لا يلتفت اليها احد,
ويعيب الحسين عبدالبصير على الندوات الأدبية ان تكيل بمكيالين، وذلك حين تروج للكتابات
الغثة، ومن جهة اخرى تقوم بعملية تعييب للأعمال الجيدة، فهذا يؤثر بالسلب على الجمهور وعلى
المبدعين ايضا,
أما الأديبة اعتدال عثمان، فتقول بصراحة انها مقلة في الذهاب الى الندوات، وآخر ندوة حضرتها
كانت لمناقشة بهاء طاهر في عمله الأخير ذهبت الى شلال , وترى ان الصداقة ومجاملة الاصدقاء
كثيرا ما تكون هي الواقع وراء الذهاب إلى ندوة ، خاصة اذا كانوا هؤلاء الاصدقاء يشاركونها
نفس الهموم الفكرية, وتضيف سببين اخرين للذهاب الى الندوات هما: الأهمية الخاصة لندوة ما، أو
الاعجاب بعمل مطروح يحتاج الى الاستماع لآراء النقاد فيه, وتؤكد -في النهاية- أنها لم تذهب
لأي ندوة لا قيمة لها تحت أي ظروف,
انقراض الندوات
برغم تعدد مشاريع الندوات وأماكنها، وبرغم الأهمية الحضارية لها، يبقى السؤال الرئيسي: هل
ستنقرض الندوة كظاهرة ثقافية, الأديب الحسين عبدالبصير يرى انها لن تنقرض ولكن قد تأخذ
اشكالا جديدة، من خلال الفضائيات، فبدلا من تكبد مشقة السفر وراء ندوة ما، يمكن مشاهدتها عبر
التلفاز في الاستديو,, وربما يكون هذا سهلا للجميع، لكنه سيفقد الندوة حميمية التواصل مع
الجمهور,
واذا تحدثنا عن جمهور الندوة كظاهرة فلابد من الرجوع الى المهتمين بعلم الاجتماع الأدبي، د,
علي فهمي يرى ان جمهور الندوة الادبية بطبيعته جمهور متخصص، ويتميز بالقلة عادة, ويضيف بأن
انشغال تلك القلة في السعي وراء لقمة العيش، يعني انه ليس هناك فائض وقت لتلقي الثقافة،
بجانب ان تكلفة الذهاب الى بعض الندوات قد تصل الى ثلاثين جنيها، وهو أمر لا يقدر عليه
الكثيرون,,
انها منظومة من الأسباب أدت الى تدهور الندوة الأدبية، يمكن ان نضيف اليها ضعف الحس الأدبي
والحضاري عامة، فالناس في العشرينات من القرن كانوا أكثر اهتماما بالثقافة، وكانوا ينتظرون
قصيدة شوقي التي تنشر في الصفحة الأولى,,
فأين نحن الآن من هذا المستوى ,,؟!,
ويحمل د, علي فهمي بعض المتحدثين مسؤولية انصراف الناس عنهم لأنهم دون المستوى، ولا يلتزمون
بنص واضح ومكتوب وانما يمسك كل منهم بالميكرفون من أجل ان يبغبغ , فهذا أضر بالجمهور، واضر
بالباحثين الملتزمين الذين عزفوا عن تلك المهازل المتفشية في الوسط الثقافي,
وهناك أسباب أخرى مثل نسبة الأمية وانتشار التلفزيون,,
فكل هذا أدى الى اضمحلال الندوة الأدبية لكنه لا يؤدي بالضرورة الى انقراضها,
شريف صالح
backtop
الاولــــى
محليـــات
مقالات
الثقافية
فروسية
أفاق اسلامية
عزيزتي
المزهرية
الرياضية
شرفات
العالم اليوم
مئوية التأسيس
الاخيــرة

الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved