تراث في أزياء شامية
|
،* إنه عقب الخطيئة الكبرى خرج آدم وحواء من الجنة عاريين، فتهاوى عليهما من أوراق الأشجار
ما
يخفي ويستر عورتهما,, فمنذ ان دبت قدماهما على الارض واللباس رمز ملازم للإنسان,
كما تروي الأسطورة القديمة ان برتا البطلة كانت أول امرأة غزلت بيدها ثم نسجت أول ثوب في
العالم إيمانا منها بأن هذا الكساء سيجلب اليها أنظار المعجبين,
واذا كانت الأمم تسجل عبقرية ابنائها في آثار ومنشآت وتماثيل أو في منظومات ذات موسيقى
وأشعار وملاحم وأساطير، فإننا نجد شعبنا الذي اقام في هذه المنطقة -شبه الجزيرة العربية
وبلاد الشام- من العالم يسجل تراثه في صناعات وخيوط وألوان ذات بهاء ورونق وإتقان استطاعت ان
تغزو البلدان المجاورة ثم تسافر عبر القفار والبحار لتغزو أسواقا خارجية امتدت في طول بلاد
العالم القديم وعرضها، وبذلك برهن السوريون على انهم اساتذة هذا الفن، فن صناعة النسيج
والذوق الرفيع، وتروي بعض الكتابات الهيروغليفية ان السوريين كانوا سادة صناعة اللباس فقد
استطاعوا في الفترة الواقعة بين أواخر الألف الرابعة ومنتصف الألف الثالثة ق,م ان يجوبوا
البحار ويحملوا انتاج صناعاتهم ومنتجاتهم، وأول المصادر التي تتحدث عن الأزياء في سورية لا
يتجاوز تاريخها أواخر الألف الثالثة 2300 ق,م أي حوالي نهاية الملكية المصرية القديمة,
ويقول العالم الأثري هويزي بأن أزياء نساء سورية الشمالية طيلة الألف الثالثة والثانية ق,م
كانت لا تتعدى ثوبا طويلا مقلما حينا بأقلام أو خطوط عمودية أو ذات كسرات ناعمة بالاتجاه
نفسه احيانا اخرى وكان على رؤوس السوريات عمامات ضخمة اسطوانية عالية ملتفة من الخلف بمنديل
كبير تسدله السيدة السورية على رأسها وعنقها وكتفيها وكان هذا شارة المرأة المتزوجة,
أما النقوش الأثرية التي وجدت في رأس شمرا فقد دلت على ان الثوب الواسع الطويل ذا اللون
الساذج المغلق من الأمام وله فتحة عند الصدر والعنق والمطرز من الاسفل وهذا الثوب قد وجد في
سورية منذ ذلك التاريخ ولا يزال موجودا بشكله الراهن عند نساء السهول الزراعية كحوران وحمص
وحماة وحلب وإدلب الى اليوم,
واذا تجولت اليوم في أحياء كل المدن السورية ترامت الى مسامعك من الدور والخانات المحيطة
اصوات تلك الأنوال اليدوية والميكانيكية الرقيقة تشدو أمام أقمشة سحرية وتشهد بما للصانع
السوري من سبق في ضروب هذه الحرفة التي يتميز بها سائر صناع شرقنا العربي,
يرتدي الشعبيون في سورية أزياءهم بألوان قوية حادة كالأحمر القاني والأزرق والاخضر والأسود,
وهي تعطي بقماشها وتفصيلها وزخارفها صورة واضحة عن المجتمع الزراعي القديم ذي العلاقات
الاقتصادية والاجتماعية البسيطة والمحدودة، وقد يختلف لباس المرأة من منطقة الى الأخرى في
سورية وذلك حسب العادات والتقاليد الشعبية في ارتداء اللباس، ولو قمنا بقراءة واستطلاع ملامح
الأزياء الشعبية في المناطق السورية لوجدنا فيها الكثير من الصور الجميلة والرائعة,
فالمرأة في مناطق السهول والهضاب السورية تلبس في حياتها العامة ثوبا رئيسيا من الجوخ أو
المخمل الأسود يسمى بالبدلة كما في جبال القلمون والجبال الساحلية وجبل العرب ويكون مؤلفا من
قطعتين متصلتين عليا وتكون ضيقة لتبعث على الدفء وسفلى تسمى التنورة وتكون عريضة وواسعة لئلا
تعيق بالمسير,, وفي الجبال الساحلية وفي جبل العرب تضيف المرأة فوق بدلتها المخملية هذه سدرة
قصيرة وضيقة لا تكاد تتجاوز بطولها أسفل الصدر وتكون مفتوحة من الأمام ويشد الطرفان بأشرطة
أو بأزرار ملونة كما وتكون اكمامها طويلة أو قصيرة,
وترتدي المرأة في السهول الداخلية الواقعة بين جبال السلسلة الشرقية وبادية الشام كحوران
والجولان والمرج الشرقي غوطة دمشق الى سهول حمص وحماة وحلب وأدلب وبعض مناطق البادية والفرات
ثوبا مستقيما قديما في تاريخ المنطقة يتألف من قطعة قماش مستطيلة الشكل تثني عند تفصيلها
نصفين متساويين بحيث يغطي كل جزء النصف الآخر تماما، ثم تخاط الأطراف الجانبية وتترك فتحات
جانبيتان لتخاط فيهما الأكمام كما يفتح ضلع المستطيل من الأعلى على شكل دائرة ضيقة أو على
شكل حرف سبعة من الامام,
وفي البادية ترتدي المرأة ثوبا واسعا وطويلا مغلقا له فتحة عند العنق كان يؤخذ قديما من
الخام البلدي المصبوغ بالاحمر الخمري بدقيق قشر الرمان ليس عليه مطرزات أو زخارف، أما
المستحدث منه فيشبه الى حد ما ثوب الرجل المسمى جلابية حيث تحزمه المرأة بكمر ضيق من الصوف
ملون ومقلم بخيوط افقية متوازية,
واليوم لقد انتشر اللباس الغزلي عند اكثر المواطنين بدءاً من المدرسة والمعمل والمكتب ولباس
الحفلات الرسمية والخاصة الى غير ذلك من مجاراة الحياة الحديثة الآخذة بالتوسع يوما بعد يوم
فلباس العريس بعد ان كان شرقيا بحتا تحول اليوم الى بدلة من الجوخ الأسود الملمس مع رابطة
عنق, أما فيما يتعلق بألبسة العروس فقد استبدلت البدلة القديمة المخملية المطرزة بخيوط الذهب
والفضة واستعيض عنهما ببدلة من الدانتيل بيضاء منتفخة مع غطاء رأس ابيض من التول لا تختلف
عما تلبسه العروس في أكثر بلدان العالم,
لقد غابت عن وجه السيدة السورية عموما، أشكال الوشم والحنّاء،ومسحوق السليماني لبياض بشرة
الوجه,, والوردي الجوري، وصبغة الدودة لحمرة الخدين، كما غاب الكحل القديم لسواد العينين
والحاجبين,, بالاضافة الى عطور الأزهار الطبيعية، وحلت بدلا عن ذلك كله مساحيق تستعمل عند
عموم النساء,
ورغم ذلك لا يمكن لأحد ان يوقف هذا التيار,, إذ لابد للزي الجديد من الانتشار,, لأن طبيعة
الأمور، تحتم على كل فرد يريد مجاراة العصر الذي يعيش فيه ان يفعل ذلك,,
ولاسيما اذا كان يعيش في منطقة منفتحة كبلاد الشام وسيتخلى جميع الناس بلاشك عن اثوابهم
القديمة كما تخلوا -من قبل- عن الطربوش,
|
|
|