تحليل اخباري هموم واشنطن بعد غياب الحسين وفي ظل الانتخابات الإسرائيلية سمير كتاب من واشنطن
|
علامات فارقة عديدة تومض وتشع بتوتر ملح سريع هذه الأ يام على شاشة واشنطن الشرق أوسطية
وتواجه صانعي السياسة الأميركية بأسئلة محيرة وربما مستحيلة, وباستثناء مسلسل الصراع مع نظام
صدام، تتمحور هذه الأسئلة حول مستقبل الاردن وعملية السلام لأنها نتائج حدثين بارزين: وفاة
الملك حسين والانتخابات الاسرائيلية القادمة,
هناك في الحسابات الأميركية علاقة حميمة بين الحدثين لاعتبارات عديدة, ففي رأي واشنطن غير
المعلن ان غياب الملك حسين أفرز نوعا من الفراغ القيادي والانسياب السياسي القابل للاستغلال
من قبل البعض، وعلى الأخص العراق وسوريا, وهذه النقطة الأخيرة بالذات قصة يروجها أصدقاء
اسرائيل بقوة في محاولة لإقناع الرأي العام الأميركي بأن اسرائيل الغربية هي الضمانة
الاستراتيجية، نيابة عن الغرب والولايات المتحدة، للأردن المهدد عربيا, وتهويلا للقضية، يضيف
هؤلاء الى الأخطار المحيقة بالأردن الوجود الفلسطيني في الضفتين كان هناك مخططا فلسطينيا
لإلتهام الاردن، هكذا وبقدرة قادر, وعلى صعيد آخر، ترى واشنطن أن غياب الملك الراحل أفقد
الرئيس كلنتون سندا في عملية السلام ناهيك عن صديق شخصي وزعيم كان يثق به ويسترشد بمشورته
أحيانا, ثم ان واشنطن تدرك أن وضع الأردن متداخل كثيرا مع المسار الفلسطيني الاسرائيلي، من
ناحية، ومع المسيرة الوطنية الفلسطينية ومستقبل الدولة الفلسطينية القادمة، من ناحية اخرى,
وإذا ما فاز نتنياهو والليكود اليميني في الانتخابات القادمة فإن عملية السلام قد تتعطل كلية
وتترك الاردن مكشوفا كالدولة العربية الوحيدة (إذا استثنينا مصر نظرا لتوتر علاقاتها مع
اسرائيل) ذات علاقات سلام قوية وتعاون حميم على عدة جبهات مع اسرائيل، بالاضافة الى أنها قد
تهدد حالة الاستقرار في الاردن وربما خارجه,
ولايخفى على واشنطن ان الاردن يواجه وضعا معقدا خارجيا وداخليا، فمشاكلة الاقتصادية الخطيرة
تضطره الى التعامل مع العراق الذي لاغنى للأدرن عنه اقتصاديا، كما ان التركيبة السكانية
والسياسية الداخلية الأردنية تظل بؤرة للتوتر والاضطراب, ولذا ترى واشنطن ان الأردن في عهده
الجديد يحتاج الى حكومة قوية للعمل مع الملك الجديد في مواجهة التحديات الهائلة التي
يواجهها, ومسارعة واشنطن الى تأييد الملك الجديد والتعهد بمزيد من المعونات المالية دليل على
حرصها على استمرار العلاقة الوثيقة التي أقامها الملك الراحل حسين مع الولايات المتحدة, وفي
حسابات البعض، ومنهم اسرائيل، أن واشنطن تدعم الأردن لا لأنه نظام صديق ومعتدل ومؤيد للسلام
فحسب بل لأنه في التفكير الاستراتيجي الأميركي متراس في وجه سوريا والعراق بل وربما عامل
محتمل قادر علىتحجيم أية طموحات فلسطينية محتملة في الضفتين, ومع ان تحرك واشنطن السريع يشير
الى تخوف واشنطن من حدوث اي خلل في الوضع الأردني وأي صدع في العلاقة الأميركية الأردنية
الوطيدة ويسعى الى تأكيد دعم أميركا القوي للحكم الهاشمي، إلا ان هناك من يدعو الى التخفيف
من سرعة الاندفاع الامريكي الى معانقة الملك عبدالله بن الحسين خشية أن يستفز ذلك القوى
المناوئة للغرب ويدفعها الى محاولة الضغط على ملك لايمتلك بعد الخبرة او الحنكة السياسية
اللازمة,
يجيء كل هذا في وقت تشعر فيه واشنطن بقلق خفي وانطهاق مكشوف إزاء الانتخابات الاسرائيلية
القادمة, فمن ناحية، أصبحت عملية السلام رهينة في يد نتنياهو لأنه يرفض مواصلتها خوفا من أن
تسبب له أضرارا انتخابية تهدد فرص فوزه، خاصة وأن اليمين المتطرف يعارض انسحاب القوات
الاسرائيلية من الاراضي الفلسطينية, وتقف واشنطن ومعها السلطة الفلسطينية المستجيرة بها،
تقفان عاجزتين عن إقناع أو حمل نتياهو على تنفيذ التعهدات التي قبل بها في محادثات واي، لأنه
من المستبعد ان يقف الكونجرس الخاضع لنفوذ الللوبي اليهودي والإسرائيلي في صف كلنتون إذا
ماهو قرر مواجهة نتنياهو بحزم ايزنهاور او حتى بوش, ولايمكن التكهن بالخطوة الأميركية
القادمة على صعيد عملية السلام وعما اذا كانت واشنطن ستكتفي بالتأتاة والهمهمة الى ان تظهر
نتائج الانتخبات الاسرائيلية في ايار / مايو القادم, وليس سرا أن البيت الأبيض يتمنى ان يهزم
نتنياهو وأنصاره في الانتخابات القادمة وان تجيء الى الحكم حكومة وسط معتدلة، لأن فوز
الليكود مجددا سيضع أميركا في مأزق صعب بالنسبة لعلاقاتها العربية، خاصة إذا لم يتصد كلنتون
بحزم لأية محاولات من نتنياهو للمماطلة في عملية السلام ولتقليص المكاسب الفلسطينية اكثر مما
تعرضت له من تقليص مريع حتى الآن، وفي حين إنه يمكن القول هنا ان كلنتون لن يكون مخيرا
بالسكوت والتراجع إذا تحداه نتنياهو والليكود الاسرائيلي لأن اسمه ارتبط بعلمية السلام وبعض
الطموحات الفلسطينية ولأنه، في ظل فضيحة مونيكا ورائحتها الكريهة، يريد ان يسجل له التاريخ
صفحات عطرة تنقذ تركته الرئاسية، إلا أن السؤال الأزلي هو : هل يسمح له الكونجرس الموالي
لاسرائيل بتحقيق ذلك؟ أم أن المخرج الذي سيرتئيه كلنتون هو الضغط على السلطة الفلسطينية
الضعيفة للخروج من أي مأزق يواجهه؟ وعلى الصعيد العربي، فإن السكوت عن تعنت اسرائيل سيظل
يعرض أميركا لتهمة الأزدواجية (أسد على العراق وإزاء اسرائيل نعامة رعداء تهرب من صفير
الصافر) مما يخدم عدوها اللدود صدام ويزيد من حرج اصدقائها، مقللا من دعمهم المتوقع,
وفي غضون ذلك يبدو أن كلنتون بعد غياب الملك حسين يميل الى اعتبار الرئيس المصري حسني مبارك
ولأسباب واضحة أفضل خلف يلجأ اليه طلبا للنصح والمؤازرة ضد نتنياهو وسعيا الى انجاح عملية
السلام، مع ان تلك العلاقاة الشخصية لن تصل الى المستوى العاطفي والمعنوي الذي بلغته علاقة
كلنتون مع الملك الراحل حسين ومن قبله مع اسحق رابين, وعلى الرغم من ان كلنتون ومساعديه
يتعاملون إجمالا بتعاطف ومودة مع الرئيس الفلسطيني والسلطة الفلسطينية بعد دخولهما الفلك
الأميركي، إلا أن الرئيس كلنتون لايشعر - بل ولايجرؤ على ان يشعر - بصلة حميمة تقربه الى
الرئيس ياسر عرفات, ناهيك عن ان واشنطن ترقب بنوع من القلق لترى من سيخلف السيد عرفات في
المستقبل، آملة ان يكون الخلف قادرا على الامساك بزمام الأمور فلسطينيا في عملية السلام
ومستقبل الشرق الاوسط,
هذه إذن بعض الهواجس والارهاصات التي تؤرق البيت الأبيض في توجهاته الشرق اوسطية بعد غياب
الملك الراحل حسين وبدء الحملة الانتخابية في اسرائيل,
ثم المعضلة التي ماتزال تعذب واشنطن وتفضح عجزها إزاءها كيفية التخلص من صدام ونظامه, لكن
للحديث عن ذلك مناسبات اخرى,
|
|
|