Saturday 27th February, 1999جريدة الجزيرة 1419 ,السبت 11 ذو القعدة



يارا
صوت الشيخ
عبدالله بن بخيت

يمكن ان يكون هذا هو السبيل الذي يأخذ بعض الناس الى الجنون او الى اختلاق تصورات خارقة في
حياتهم مما يجعلهم يذهبون بعيدا في تصديق الاوهام التي تخلقها لهم الاحداث, بل ربما كانت
اوهام المجتمع والخرافات التي تجتاحه هي في اصلها من هذا النوع من التجربة الفردية التي مرت
بي في شهر رمضان المبارك الماضي,
كنت كالعادة انتظر (طاش ما طاش) بعد ان تناولت طعام الافطار, رن جرس التليفون فذهبت للرد
عليه وبعد ان انهيت المكالمة ومع الاسترخاء على الكنبة شعرت بنعاس خفيف خصوصا بعد وجبة دسمة,
فأنا مثل سعد التنكة أتناول فطوري مرة واحدة (التمر والقهوة والعصير والشوربة والرز واللحم
واللقيمات والسنبوسة) وكل ما تطاله يماني على السفرة فأتصارع مع النوم كما يتصارع الكائن من
انثاه, مرة أغلبه ومرات اتغيلب له, فاسمح لنفسي بالاستسلام الخادر, ومن عادتي ان اهوجس قليلا
قبل النوم كمن يقرأ في كتاب خفيف، ومن هذه الهواجس نسمات الايام القديمة فقد كان الشخص الذي
حادثته على التليفون قبل قليل من اصدقاء الطفولة الذي لا اراهم ولا اسمع عنهم الا مرة كل سنة
وقد تمر اكثر من سنة لا أراه فيها او ان اسمع عنه,
وفي كل مرة ارى فيها واحداً من هؤلاء الاصدقاء تنفتح نافذة على الماضي فتنساب الذكريات في
عقلي ووجداني حسب المحرض القائم فاذا كان الحديث عن البيع والشراء طافت بي اسواق الرياض
القديمة: القياصر المختلفة وشارع الوزير وشارع الثميري واذا كان الحديث عن الناس تذكرت عيال
الرياض الاولين الذين مازلت اراهم والذين ذهبت بهم الايام بعيدا عن ايامي, واذا هنأني برمضان
كما فعل هذه المرة فما ان وضعت سماعة التليفون في مكانها حتى ذهبت في الذكريات القديمة وايام
رمضان منذ ان وعت ذاكرتي شيئا عظيما اسمه رمضان فأتذكر ام حديجان ومدافع رمضان والركض في
الشوارع بعد تربيط الشياطين, ثم أتذكر الطنطاوي ومجالس الايمان وابعد منهما صوت الشيخ ابن
ماجد وهو يرفع آذان المغرب, وكيف كان يموج ذلك الصوت الرخيم في سماوات الرياض العتيقة,
وفي الوقت الذي بدأت ادخل فيه في النوم فجأة طاف بي صوت الشيخ ابن ماجد وكأنه حقيقة يرفع
آذان المغرب بنفس النقاء والوضوح الذي كنت اسمعه في ايام الطفولة فانتصبت مرعوبا وتركت
الكنبة والتفت الى ما يحيط بي لأتأكد بأنني فعلا مازلت في الحلم ولكني وجدت نفسي في صميم
الحاضروامام حقيقة اللحظة التي اعيشها,
فهذا هو الكنب الذي اجلس عليه دائما وهذا هو التليفون الذي استخدمته قبل قليل ولكن صوت الشيخ
ابن ماجد مازال يصدح بكل الدفء الذي عرفته فيه, فلمست جهاز التليفون حتى أتأكد من انني كنت
احلم, فأستأنف الشيخ رحمه الله أذانه الرخيم, فكدت اصعق فتركت الصالة لاهرب من هذا الجنون
الذي يقتحمني وجريت الى الصالة الاخرى ووجدت اطفالي يتفرجون على التلفزيون بفرحهم اليومي
المعتاد,
ولم استطع ان اسألهم اي شيء عن ابن ماجد,,, لا يمكن ان يعرفوه كماان السؤال في حد ذاته هو
اعتراف شخصي بالجنون, كيف تسأل عن شيء حدث قبل قبل اكثر من ثلاثين سنة وانقضى الى الابد،
فآثرت الصمت لكيلا يفتضح ما جرى في دماغي قبل قليل وبعدها حاولت ان انسى ذلك الوهم ولكن ما
تحاول ان تنساه يصبح استحواذا يستولي على تفكيرك, اريد ان اعرف كيف تسرب صوت الشيخ الى عقلي
الواعي وقد اختفى من الوجود منذ سنين لم افاتح احداً بالموضوع فالامر ينطوي على نفحة جنون
اصابت عقلي ولا يمكن ان اسمح لاحد الاطلاع عليها, ولكن ثقل التجربة يتزايد واصبحت اترقب
مزيدا من التسربات الجنونية من مخزون الذاكرة القديمة ولانني كثير الاحتجاج (سيكولوجيا فقط) ،
على ما فعلته التراكتورات بالرياض القديمة وكيف قوضت ثقافة كاملة دونما سبب حقيقي او حرب
تبرر ذلك, فقد وجدت ان مسألة الحنين ربما تفاقمت في عقلي ووجداني, فبدأ الماضي يقتحم حاضري
دون ان يقدر عقلي على مقاومة هذا الجنون الاحتجاجي, ولن تكون تلك الحادثة معزولة فللحنين
سلطة تعلو على سلطة العقل فيضطر العقل ان يسمح للوجدان بفتح ملفات الاحداث دون احترام
التسلسل الزماني لها فمع صوت ابن ماجد تداعت ملفات كثيرة من ادراجها المنسية وبدأت ارى
الاشياء تلقي بنفسها على طاولة الاحزان المبعثرة في قلبي,
فتركت تفسير عودة صوت الشيخ ابن ماجد الى هذا التزاحم العاطفي, وكان ان اجتمعت قبل ايام مع
بعض الاصدقاء ومن بينهم من يعرف ولعي بالايام القديمة، ويشاركني هذا الولع فقال: عبدالله ألم
تسمع صوت الشيخ ابن ماجد في احدى حلقات (طاش ما طاش) في رمضان الماضي,
اصابني الذهول فأحسست في لحظة خاطفة بانني لم أكن أشعر بثقل الجنون ولم اكن اتعذب من تهديده
بل شعرت بأني كنت استمرئه فهو الوسيلة الوحيدة بعد عبث التراكتورات التي ستقلني الى الرياض
القديمة لماذا اخرج صديقي هذا الجنون اللذيذ من عقلي؟ لم يكن قلقي ذاك الا محاولات مستميتة
لاستعادة تلك اللحظات التي اندفع فيها صوت الشيخ الى أعصابي فلعلي بجنوني او بقدرات خيالي
اصطاد شيئا من الرياض المتلاشية استطيع أن ألمسه بأي واحدة من حواسي,
backtop
الاولــــى
محليـــات
مقالات
المجتمع
الفنيـــة
الثقافية
الاقتصـــادية
منوعــات
عزيزتي
الرياضية
وطن ومواطن
العالم اليوم
مئوية التأسيس
الاخيــرة

الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved