Saturday 27th February, 1999جريدة الجزيرة 1419 ,السبت 11 ذو القعدة



التوازن مطلوب بين العجلة والأناة

عزيزتي الجزيرة الغراء,
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
تحية طيبة وبعد
الناس في تصديها للامور اثنان: مندفع ومتئد ، فمن شيمة المندفع ان يطيع اول هاتف في غير
تقدير للعواقب، فقد اقتنع برأي في لحظة، وانكفأ في اللحظة التالية، على تنفيذه، وحسم الامر
كله بلا تردد، وعز عليه ان يتدارك العواقب، ان كانت لعمله عواقب,
واما المتئد: فهو على ثقته بنفسه، يقلب الرأي على اوجهه المتباينة، ويوازن بين طيبه وخبيثه،
وينظر الى غده ويومه، فاذا اقتنع به اجراه مجرى التنفيذ، والا فلا معدى عن اطراحه في سلة
للمهملات عميقة القرار,
وقد يكون المندفع حازما، حاسما، قاطعا برأي فاصل، باتا في كل امر وهذه مزية تحسب له في ميزان
التقدير، ولكن مثل هذا الرجل لا يسلم من خطأ ناجم من سوء في التقدير، فانه يندفع في اتجاه
غير مرسوم، الى ادنى تفصيلاته، وليست له من عدة الا فكرة طرأت وعزيمة انعقدت، وهمة انطلقت
بغير ضابط، وبات عليه ان يترقب نتيجة عمله، فقد يصيب وقد يخيب,
وقد يكون المتئد بطيئا طويل البال ، بيد ان مثله يتوخى من اسباب الحذر ما ينجيه من كثير من
المزالق,, فهو حريص على مراجعة النفس، وتداول الموضوع من جميع نواحيه، واستفتاء ذوي الخبرة
في الامر، ومراجعة المظان اذا اعوزه التثبت من شيء,, فاذا اتخذ بعد ذلك قرارا كان قراره وليد
رأي خمير، وخبرة واسعة، وثقة دانت له بفضل الاستقصاء والتحري,
على ان للاندفاع والاتئاد ظروفا تقضي بايثار هذا على ذاك، او ذاك على هذا، دونما قاعدة مقررة
سارية، فان فجاءات الدهر التي تأخذ الناس بغفلة كثيرا ما تلجئهم الى ضرب من ضروب رد الفعل,,
فيتصرفون باندفاع لملاقاة المفاجأة بمثل اسلحتها,, مهما تكن العاقبة,
فاذا اجتاز امرؤ مسالم غاية، لا ينوي شرا ولا يضمر سوءا، ثم انبرى له في غفلة عين اسد ضار
يروم الفتك به، فلن يكون له من سلاح امام هاته المفاجأة المباغتة الا سلاح الاندفاع، يقاوم
بوازع من البديهة الحاضرة، والقوة البدنية الميسورة، لأن المجال لا ينفسح لتقليب رأي ولا
لاستهداء عقل,
وقد تكون المعركة خاسرة، لانتفاء عنصر التكافؤ بين الجانبين، ولكنها لن تخلو من ضروب البسالة
في لحظات تطول او تقصر,
واذا تكاثرت المشكلات وتكاثفت، فلن يفيد اندفاع في حلها، ولابد للمرء من اتئاد تمليه وطأة
الظروف ليتأتى له خروج من غمة المشكلات بأدنى كلفة,
ولقد حاول رجال الصناعة الجمع بين الاندفاع والاتئاد في دنياهم رغبة منهم في الانتفاع بما في
الاندفاع من سرعة، وما في الاتئاد من روية وامعان نظر، وبذلك يكسبون الوقت، ويحذرون المخاطر,
ولعل الطائرة الحديثة اروع مثل على هذه المحالفة الرائعة بين مذهبي الاندفاع والاتئاد، ذلك
انها اذ تنطلق في مسيرها ناهبة الفضاء نهبا مندفعة الى اقصى ما تسمح به طاقاتها، ترعى
اعتبارات الاتئاد لمجانبة الحوادث، فلا بد لرجال الطائرة من ان يدرسوا احوال الجو والريح،
قبل طيرانهم، ولابد لهم ، وهم في مسابح الأجرام، من متابعة كل صغيرة وكبيرة، في الجو المحيط
بهم، وتدبر الامر في اوانه تحقيقا للامان الكامل عند الصعود,, وفي اثناء التحليق، وعند
الهبوط,
فاندفاع الطائرة ليس اندفاعا اعمى او قفزة في الظلام، بل هو اندفاع عاقل مدبر مدروس مأمون،
تسلم عاقبته في الكثرة الغالبة من الاحوال وبفضله تختزل المسافات، بل تلغي، بين امصار العالم
كلها,والذين قالوا ان السلامة في الأناة والندامة في العجلة، لم يصيبوا الصواب كله، في كل
حال، لأن السلامة والعجلة تتلاقيان، والأناة والندامة لا تتنافران,
وانما القيم تتغير من آن الى آن ، فتصدق في زمن وتتنكب الصدق في زمن غيره, والامثال التي
تضرب في وقت تعدو على بعضها عوادي الايام في وقت غيره فتبدل من عناصرها تبديلا جذريا، وتبقى
لها خصائص الحكمة في زمان اطلاقها,
وفي الامثال كثير مما قيل في الاندفاع والاتئاد، وفي المفاضلة بينهما,
فبينما يقول زيد من الناس ان في التأني السلامة وفي العجلة الندامة، وان خير الامور الوسط،
وان غدا لناظره قريب,, ورب عجلة تهب ريثاً ,, يقول غيره: ان خير البر عاجله، ولكن في الامثال
ما يأخذ من السرعة خير ما فيها وهو الاولوية، ويأخذ من الأناة خير ما فيها وهو الروية,,
ويمازج بينهما، مثل: يمشي رويدا ويكون اولا,,
وكثير ما يكون الاتئاد والاندفاع من طبائع النفوس، التي يتعذر تغييرها بنصيحة تزجي او رأي
يساق,
ولكن يصح لكل امرىء، سواء كان أميل الى الاندفاع او الى الاتئاد، ان يأخذ نفسه بمنهاج يجنبه
العثار، فيراجع نفسه في كل حال، ويعيد النظر في عمله وتصرفه، ويفيد من نقد الغير، ومن كل خطأ
قد يتورط فيه,
وقد استوقف نظر الناس كتاب اصدره المؤرخ الكبير ارنولد توينبي بعنوان (اعادة نظر) راجع فيه
نفسه وآراءه التي اثبتها في كتبه السابقة، مستعينا على ذلك بما وجه اليه من نقد او ملاحظة،
من جمهرة المؤرخين والنقاد,
فبفضل مراجعة النفس في الجليل من الامور، والدقيق ، يستطيع المرء ان يسلك سبيلا غير محفوفة
بالمخاطر، تغلب عليه الحكمة، وتنيله كل مأمول من الاغراض,
ومراجعة النفس ان تعذر عليها ان تسبق العمل نفسه، فلا معدى عن ان تجيء لاحقة للعمل، فينقد
المرء ذاته، ويراجع تصرفاته، في ضوء ما بان له من حقائق، وبتدارك ما فاته في العجلة او في
الأناة، ويستزيد خبرة تنفعه في يومه وغده,
مالك ناصر درار
backtop
الاولــــى
محليـــات
مقالات
المجتمع
الفنيـــة
الثقافية
الاقتصـــادية
منوعــات
عزيزتي
الرياضية
وطن ومواطن
العالم اليوم
مئوية التأسيس
الاخيــرة

الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved