ذكرياتي مع عاهل الجزيرة العربية العقاد يرصد جوانب من شخصية المؤسس
|
  |
،* عنوان هذا المقال هو اسم لكتاب صغير الحجم عظيم الاهمية اصدرته دار الرفاعي للنشر منذ
حوالي تسع سنوات ، واما ياء النسب في كلمة ذكرياتي فلاتخص كاتب هذا المقال، بل تخص استاذنا
الكبير عباس محمود العقاد، وقد كان عجيباً ان يكتب العقاد كتابا عن الملك عبدالعزيز، ولانعلم
عنه شيئاً، إلى ان قرأت الكتاب فعلمت انه سلسلة من المقالات التي كتبها العقاد بعد زيارة
الملك الى مصر عام 1365ه/1946م، وقد كان العقاد احد اعضاء بعثة الشرف التي صاحبت جلالة الملك
منذ سفره من جدة حتى انتهاء زيارته لمصر، كتب العقاد بعد ذلك ثماني مقالات حول هذه الزيارة
تضمنتها اشياء كثيرة سنعرض لها بعد قليل، وقد جمع ابن اخيه الاستاذ عامر العقاد هذه المقالات
وقامت دار الرفاعي بنشرها, ويكتسب الكتاب اهميته من شخصية العقاد والانطباعات التي ترسبت في
اذهاننا من خلال ما قرأنا له وقرأنا عنه، فالعقاد كما نعرفه لايجامل ولاينافق ولايخشى ان
يقول رأيا يراه صوابا في إنسان، وحسبه انه سجن تسعة اشهر لانه وقف في البرلمان يقول ان الامة
على استعداد ان تحطم اكبر رأس لايحترم الدستور، وقد كان يعني الملك فؤاد، اضافة الى ذلك ان
العقاد صاحب نظر ثاقب ورؤية عميقة وتقدير لدور العظماء في التاريخ، ومن هذه الزاوية كان من
اكثر الكتاب الذين عنوا بالكتابة عن العظماء، وحسبك في ذلك ما كتبه عن العبقريات إذن حين
يكتب العقاد عن جلالة الملك عبدالعزيز، فلابد ان نضع ما يكتبه في اطار رؤيته عن دور العظماء
في صناعة التاريخ، وبخاصة ان العقاد -على الرغم من ان عدد مقالاته في عبدالعزيز قليل نسبيا-
فإنه استطاع ان ينفذ فيها الى اعماق هذه الشخصية الفذة، واستطاع ايضا ان يقدم صورة وافية
لكثير من جوانبها, يكتب الاستاذ عامر العقاد مقدمة يتحدث فيها عن ظروف رحلة الملك عبدالعزيز
إلى مصر، وظروف عضوية العقاد في بعثة الشرف المصاحبة له، كما يختصر تاريخ حياة الملك ، ويروي
بعض المواقف المتصلة به، من ذلك انه عندما نشبت الحرب، وقلت واردات البلاد من الازواد
والارزاق، خاف على الرعية جشع التجار، فرتب لكل فرد-ماعدا الموظف والغني- طعامه، وذلك من
حسابه الخاص، كما افتتح مراكز تموين حكومية ملأها بمطالب الناس من طعام وشراب، ولم يمنع
التجار الجشعين من زيادة الاثمان، بل تركهم احرارا، يعملون مايشاءون، فمن باع بالثمن الذي
يبيع به مركز التموين باع، وإلا وقفت حركة البيع والشراء عنده، لان الناس لن يتركوا الرخيص
الى الغالي، فالتجار مضطرون الى البيع او اغلاق متاجرهم ان ارادوا، ويباح لكل امرىء ان يشتري
ما يريد بدون تحديد للكمية حتى اصبح الخزن عبئا لا فائدة منه,
ويورد عامر العقاد ايضا قصيدة انشدها العقاد بين يدي جلالة الملك في عرض البحر على يخت
المحروسة في اثناء زيارته الى مصر، وقد تصادف ان كان يوم ذكرى جلوس جلالته في احد ايام
السفر، يقول العقاد في بعض اجزائها
إن الذي غمر المليك بفضله ساق البحار اليه في البشراء لم يقترن بالبحر يوم جلوسه إلا لعمر زاخر ورخاء وإذا به عبدالعزيز بطلعة كالبدر بين كواكب الامراء وارى السماء تاملت مرآتها في الماء فانطبعت على الخضراء ارض النبوة حين تم فخارها خلعت عوارفها على الدأماء ملك اناف على العقول بعزمة واتم ذاك بما يراه الرائي جمع المهابة في العيون وفي النهى وسما بمجد ابوة واباء يرعاه بارئه ويحرس ركبه في كل ارض تحت كل سماء | |
يتحدث العقاد في المقالة الاولى التي اسماها في الحرم عن وصوله مع بعثة الشرف الى جدة ثم
انتقالهم بالسيارات الى مكة حيث ادى العمرة، يصف العقاد الطريق الى مكة، ويصف غار حراء، اما
اكثر مالفت نظره فهو مشهد الحمام في الحرم، يقول: منظر ثالث اخذني بجماله في جوار البيت
الحرام، وهو منظر الحمام الآمن الوادع في ذلك المقام، لايخشى ولايفزع، بل يظل طوال نهاره في
طواف على الارض، وطواف في الهواء,
وفي المقالة الثانية مع الملك عبدالعزيز في البحر يتحدث عن انطباعاته الشخصية حين التقى
بالملك، يقول: اذا عرفت الملك عبدالعزيز ثلاثة ايام، فكانك قد عرفته ثلاث سنوات، او لازمته
في اطول الاوقات، لان هذا الرجل العظيم مطبوع على الصراحة ووضوح المزاج، لم تشتمل نفسه
القوية على جانب من جوانب الغموض التي يحدث منها اختلاف الحالات وتناقض العادات، فهو في
اخلاقه واعماله ومألوفاته يمضي على وتيرة واحدة، ولايواجه عارفيه في حالتي رضاه او غضبه
بخليقة لم تكن لهم في الحسبان، واول ما يدهشك من منظره قوة النفس والعقل والحس على
السواء,فجلالته منذ الصبا لايميل الى الإكثار من ألوان الطعام، ولايحب الدسم ولا الحلوى،
ويقصر غذاءه في معظم الوجبات على الارز واللحم غير ناضج كل النضج، ويحب من الخضر البامية على
الخصوص، ولكنه يكتفي منها بمرقها، وقلما يصيب من حباتها، وقد يشرب قليلا من الماء على الطعام
يحمله خادمه الامين مرجان في كوب طويل، ويقف به وراء جلالته مادام على المائدة، ويتفضل
جلالته فيناول الكوب من يختصهم من ضيوفه بالحفاوة والإكرام، اخبرنا جلالته انه منذ عشر سنين
لم يشرب ماء من غير عين الجعرانة في الحجاز، وعين البديعة في نجد، وقد شربنا من مائهما فإذا
هو ماء صاف سائغ المذاق، ونرجح انه يحتوي بعض الخصائص المعدنية التي تساعد على هضم الطعام,
ويستمر العقاد في وصف خصال الملك عبدالعزيز، كما يروي بعض احاديثه عن صحراء نجد وعن هواية
الصيد التي اولع بها جلالة الملك ، وحين يأتي الحديث عن علاقته بأسرته، يقول جلالة الملك عن
علاقته بوالده: رحمة الله على والدي فقد كان يعاملني كأنني انا الوالد وهو الولد، وما رأيت
قط معاملة كهذه بين الآباء والابناء، او بين الاخوة والاقربين، يقول العقاد: وعلى قدر توقيره
وحنانه لذكرى والده رحمه الله رأينا آيات العطف والمحبة على ملامح وجهه كلما نظر الى اصحاب
السمو ابنائه النجباء، وهو يسميهم ربعه ، ويحب ان يراهم امامه على مائدة الطعام، فهو ابن بار
كريم، واب عطوف كريم,كما يتحدث العقاد عن الامراء السعوديين في نهاية هذه المقالة، ويفرد لهم
كذلك مقالة اخرى، يقول هنا: والشيء المستغرب حقا هو مبلغ اطلاع الامراء على احوال مصر واخبار
عظمائها وعلمائها وذوي النباهة والشأن من اهلها، ولو كان هذا الاطلاع مقصورا على كبارهم
الذين بلغوا العشرين مثلا او جاوزوها لقلت الغرابة، ولكنه يعم الكبار والصغار، وترى دلائله
فيمن لم يجاوز منهم الخامسة عشرة، او جاوزها بقليل، ولو سردنا طرائفهم في ذلك لضاقت بها
الفصول بعد الفصول, اما المقالة التي عنونها باسم السادة الامراء السعوديون ، فقد تحدث فيها
عن ذكرياته بعضهم في اثناء الزيارة الى مصر، واشار الى طريقة تربية جلالة الملك لهم، يقول:
وقد جرىجلالة الملك عبدالعزيز على عادة ملكية رشيدة في تدريب الامراء على مهام الدولة واعمال
الحكومة ، فمن بلغ منهم سن العمل والاشتغال بالمسائل العامة وكل اليه عملا يناسبه، وترقى به
من مهمة الى مهمة في مراتب الكفاءة والاختيار، وعلى حب جلالته لابنائه ذلك الحب الجم الذي
يبدو على اسارير وجهه، يأخذهم جلالته بالتربية العسكرية في المواقف الرسمية، ويطلب منهم ان
يظلوا على استعداد لتلقي اوامره في كل لحظة وبغير تمهيد، فكان اصحاب السمو الامراء جميعا
لايعلمون من منهم يسافر مع جلالة والده، ومن منهم يبقى في نجد او الحجاز ، وجعل بعضهم يسألون
كبار رجال الحاشية - لتشوقهم الى زيارة مصر- قائلين: انتم تعلمون، انتم تعلمون، ولكنهم كانوا
ايضا لايعلمون، وانما علموا بأسماء الامراء الذين يصحبون جلالة والدهم في اليوم الأخير, تحدث
العقاد ايضا عن الالعاب الرياضية التي يفضلها جلالة الملك في مقالة بعنوان الملك الرياضي ،
وتحدث ايضا عن نظام الشورى في المملكة الذي انشأه جلالة الملك، وينقل فقرات من خطبته في اول
اجتماع عام للهيئة الاستشارية، منها: انني اريد من الهيئة التي ستجتمع لانتخاب الاشخاص
المطلوبين ان يتحروا المصلحة العامة، ويقدموها على كل شيء، فينتخبوا اهل الجدارة واللياقة
الذين يغارون على المصالح العامة، ولايقدمون عليها مصالحهم الخاصة، ويكونون من اهل الغيرة
والحمية والتقوى,ويختار العقاد عدة مواقف يبين من خلالها الطريقة التي كان يقنع بها جلالة
الملك رعاياه، من ذلك ان كثيرين عرفوا ان بعض المتشددين انكروا التليفون والبرق واللاسلكي،
كما انكروا السيارات وما شاكلها من وسائل المواصلات، فقال جلالته لهؤلاء المتشددين: ايها
الاخوان ان اهل العلم في مكان الرعاية منا، وهم على رؤوسنا، ولكن حذار ان يهزونا بالغضب
فيسقطوا من مكانهم هذا على الارض، ومن سقط الى الارض فلن يعود الى مكانه فوق الرؤوس، والتفت
جلالته الى مقاعد العلماء في مؤتمر الرياض قائلاً: هل تجدون في كلام النبي عليه السلام ما
يمنعنا أن ننتفع بالمخترعات الحديثة في تيسير المواصلات والسير على سنن التقدم والحضارة؟
فاجاب جلهم من اهل الرأي: كلا، ولاحرج في ذلك، على ان جلالته قد اقنع المعارضين بما يبطل
مخاوفهم، ويزيل الشكوك من اذهانهم، وعلم ان بعضهم كانوا يذهبون الى محطة اللاسلكي ليسألوا
الموظفين عن المكان الذي يمسكون فيه الشياطين، ويقدمون اليها القرابين لتحمل لهم الاخبار الى
الاماكن القصية، فقطع جلالته الشك ببرهانه المشهور، واسمعهم القرآن الكريم من المذياع
والتليفون ليوقنوا ان الذي ينقل القرآن الكريم لايكون من عمل الشيطان,
هذه بعض فقرات قليلة من كتاب عباس محمود العقاد الذي جمع بعد وفاته، وهي فقرات تعطينا صورة
قريبة عن جلالة الملك عبدالعزيز، وعن بعض آرائه ومواقفه بقلم كاتب كبير نحترم رأيه ومواقفه،
رحم الله جلالة الملك عبدالعزيز وطيب ثراه على اعماله الجليلة وما قدمه للعروبة والاسلام من
خدمات، ورحم الله استاذنا العقاد لما اسداه للثقافة العربية من ابداع وفكر,
د, أحمد صبرة
كلية التربية للبنات- عنيزة
|
|
|