Monday 8th March, 1999جريدة الجزيرة 1419 ,الأثنين 20 ذو القعدة


ثغرات الاختراق (1-2)
تاريخ الأقليات الدينية بين الواقع والمثال
دكتور محمد عمارة

لقد بلغت الحضارة الاسلامية - انطلاقاً من القرآن الكريم- في تقديس حرية التعددية في الشرائع والملل الدينية، الى الحد الذي جعلها سنة من سنن الله التي لاتبديل لها ولا تحويل,, ففي اطار وحدة الدين لكل شرعة ومنهاج.
لكن,, هل يعني هذا ان تطبيقات وممارسات حضارتنا الاسلامية للتعددية قد خلت من السلبيات؟ وانها قد برئت من التمييز بين الاغلبية وبين الاقليات ؟,, وانه لم تحدث فيها اضطهادات وتوترات مع ابناء الملل,, وبين المذاهب؟؟
اننا يجب ان نميز، في هذا الموضوع، بين المثال وبين الواقع ,, فالمبادىء الدينية، والصيغ الفكرية، والنظريات الفلسفية هي مُثُل ,, والمثل، عادة، تستعصي على كامل التحقق والتطبيق، والا فرغت حياة الانسان من المثال ، واصبحت جحيماً لا يطاق، او مواتاً لا امل فيها ولا رجاء,, فوجود المثال ، الذي لم يطبق بعد، هو الذي يبعث الحيوية والامل والرجاء في حياة الانسان، بوجود مهام في جدول اعمال هذه الحياة، تتطلب السعي لتحقيقها، والاستباق على طريق الخيرات فيها,, فالتطبيق والواقع لا يمكن ان يرقى الى درجة المثال ، ولا ان يستنفد كل المثال !,, تلك قاعدة عامة في كل الديانات والفلسفات، والحضارات، على مر التاريخ.
لكن,, بقدر ما يكون المثال سامياً، وبقدر ما يكون ديناً، تتجاوز مقاصد تطبيقاته واقامته المنفعة الدنيوية، الى حيث تصبح هذه الاقامة للمثال الديني قربة الى الله، وشرطاً لسعادة الدار الآخرة، التي هي خير وابقى، بقدر ما يعين ذلك على ان يكون التطبيق و الواقع اقرب الى السمو، واكثر تعلقاً بالمثال ,, ولقد كان هذا هو حال التعددية وتطبيقاتها في حضارة الاسلام.
فلقد خلت مسيرة حضارتنا، تقريباً من الاضطهادات الراجعة الى اختلاف اللغات والاقوام والاعراق، لان الاسلام قد جعل عصبية الدم والعرق والنسب جاهلية، دعا رسوله صلى الله عليه وسلم، الى تجاوزها، فقال: دعوها فانها منتنة 1 !.
وكانت الاضطهادات بسبب اختلاف الملل والشرائع الدينية، مقصورة على اسباب اخرى، ليس من بينها على الاطلاق قصور المثال او المبادىء عن تحقيق اوسع الحريات امام ابناء الملل والشرائع الدينية المختلفة.
فما عرف عن اضطهاد بعض اليهود والنصارى، لفترات محدودة، وفي بعض الدول، في تاريخنا الحضاري، كان في احيان كثيرة ردود افعال لتدخلات خارجية واستعمارية - صليبية,, وتترية,, وامبريالية- استخدمت نفراً من ابناء هذه الملل ضد امن الوطن والدولة والامة والحضارة، ابان الصراعات المسلحة والاجتياحات الشرسة، التي شنها اعداء هذه الامة ضد الاسلام، والتي هددت وجود امته وحضارته.
وعلى سبيل المثال,,فابان الحملات الصليبية على بلادنا سعت النصرانية الغربية الى التحالف مع التتر الوثنيين ضد العرب والمسلمين، وارسل البابا اينوسنت الرابع 1243-1270م عام 1245م بعثة الى عاصمة الدولة التترية الشرقية- قراقورم - لهذا الغرض- رأسها مندوب البابا جون ده بياني كابريريني -,, وجاءت بعثة تترية من خاقان التتر جغطاي الى الملك لويس التاسع 1214-1270م اثناء اقامته بقبرص، وهو في طريقه لغزو الشام ومصر، شتاء 1248-1249م جاءت لمواصلة مفاوضات التحالف ضد العرب والمسلمين,, ولما عادت البعثة التترية الى بلادها، من قبرص، صحبتها بعثة فرنسية صليبية لاستكمال المفاوضات,, واستمرت مساعي التحالف حتى بعد هزيمة لويس التاسع، فسافرت الى قراقورم من حصن عكا الصليبي بعثة فرنسية، رأسها رجل الدين جليوم ردبروك ، ،واستمرت تفاوض في بلاط الخان التتري منكوقا آن ستة اشهر! واخيراًنجح الصليبيون في اقامة هذا التحالف، فحول التتار حملتهم الى بلاد الاسلام، بعد ان كان التخطيط ان تتجه الى اوربا!,.
ولقد استعان الصليبيون، على عقد هذا التحالف، بطائفة النصارى النساطرة، الذين كان لهم وجود ونفوذ في بلاد التتار، واستغلوا، في ذلك، احدى زوجات هولاكو - دوقوزخاتون وكانت نصرانية الدين، نسطورية المذهب!,, بل ان قائد جيش هولاكو - الذي دمر بغداد 656ه1258م والشام وزحف نحو مصر- والذي هزم في عين جالوت 658ه 1260م كان نصرانياً نسطورياً، هو كتبغا 2 !,.
ولقد كان لهذا البعد النصراني في هذه الحملات، التي هددت وجود الامة والحضارة، انعكاساته لدى الطوائف النصرانية في المدن التي اجتاحها التتار، فحدثت خيانات - وخاصة من الطوائف ذات المذاهب الغربية- بل وكشفت هذه الطوائف عن خيانتها، فاعلنت تحديها للوطن والدولة والامة في ساعة العسرة ولحظات الشدة.
ففي دمشق - بعد ان اجتاحها التتار- وكما يقول المقريزي 766-845ه 1365-1441م - عمدة مؤرخي العصر:-
واستطال النصارى بدمشق على المسلمين، واحضروا فرماناً من هولاكو بالاعتناء بأمرهم واقامة دينهم: فتظاهروا بالخمر في نهار رمضان، ورشوه على ثياب المسلمين في الطرقات، وصبوه على ابواب المساجد,, وألزموا ارباب الحوانيت بالقيام اذا مروا بالصليب عليهم، واهانوا من امتنع عن القيام للصليب، وصاروا يمرون به في الشوارع الى كنيسة مريم، ويقفون به ويخطبون في الثناء على دينهم، وقالوا جهراً: ظهر الدين الصحيح دين المسيح وخربوا مساجد ومآذن كانت بجوار كنائسهم، فقلق المسلمون من ذلك، وشكوا امرهم لنائب هولاكو- وهو كتبغا- فأهانهم وضرب بعضهم، وعظم قدر قسوس النصارى، ونزل الى كنائسهم واقام شعارهم,, 3 !
وكان طبيعياً ان تكون لهذه الخيانات، التي جاءت للوطن والدولة والامة والحضارة، في ساعات العسرة ولحظات الحرج والشدة- والتي اعلنتها الطوائف النصرانية ذات المذاهب الغربية في الاساس- كان طبيعياً ان تكون لها ردود افعال- بعد تحرير هذه المدن من الاجتياح التتري-,, فبعد هزيمة التتر- بقيادة كتبغا - في عين جالوت ، وانحسار موجة اجتياحهم للشام، وعندما وصل الى اهل دمشق كتاب السلطان المظفر قطز 658ه 1260م يبشر الناس بفتح الله له، وخذلانه التتر سر الناس سروراً كثيراً، وبادروا الى دور النصارى فنهبوها، وخربوا ما قدروا على تخريبه 4
فكان الاجتياح الخارجي، وكان الاختراق لأمن الوطن والامة والحضارة - من ثغرات الملل والطوائف- هو الفعل الذي ولد ردود افعال من التوتر والاضطهاد على جبهة العلاقات بين المسلمين وقطاعات من ابناء الملل والطوائف غير المسلمة، في السنوات التي شهدت واعقبت هذا الاجتياح وذلك الاختراق!
اما على جبهة الحكام، الذين كان ظلمهم لبعض ابناء الملل والطوائف غير المسلمة، جزءاً من الظلم الذي عم الرعية كلها، مسلمين وغير مسلمين، فان المتوكل العباسي 233-247ه 847-861م مثال نموذجي لهذا النوع من الحكام, ,فاضطهاده للنصارى كان جزءاً من الاضطهاد الذي اصاب الشيعة والمعتزلة، واغلب تيارات الفكر في ذلك التاريخ,, لقد اسقط شهادة المعتزلة امام القضاء، ونفاهم الى جزيرة دهلك جنوبي البحر الاحمر- وحرمهم الكثير من الحقوق الاقتصادية ومنع عنهم العطاء, وكما هدم بعض مقابر النصارى، فلقد صنع نفس الشيء بمقبرة الامام الحسين، فلقد سواها بالارض، ثم حرثت ارضها وزرعت!,, والذين يقارنون مراسيم اضطهاده للمعتزلة يجدون شبهاً كبيراً بينها وبين مراسيم اضطهاده للنصارى 5 !,.
وكانت مظالم بعض الخلفاء والسلاطين، تسلك الى رقاب الرعية، احياناً كثيرة طريقاً خبيثاً!,, وذلك عندما تلجأ الدولة في الجبايات والاتاوات والمغارم الى وزراء وجباة وصيارف من غير المسلمين، يملؤون خزائن الدولة بإفقار الرعية، وتزيد ثرواتهم ايضاً، فيتطاولون على الناس، فتأتي ردود الافعال ضد المظالم لتنال من الطوائف والملل التي اليها ينتسبون!,, بل وكثيراً ما كانت الدولة تسترضي الجماهير الغاضبة بمصادرة هؤلاء الجباة الظلمة، واحيانا بقتلهم، فتهدىء من ثورة الثائرين، وتكسب الاموال والثروات في جميع الاحوال.
الهوامش
1 رواه البخاري والترمذي.
2 د, محمد عمارة معارك العرب ضد الغزاة ص 116-118 طبعة دمشق 1988م.
3 كتاب السلوك لمعرفة دول الملوك الجزء الاول- القسم الثاني- ص 425، 432, تحقيق: د, محمد مصطفى زيادة.
طبعة القاهرة 1956م.
4 القاضي عبدالجبار بن احمد فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة ص 302، 303 تحقيق: فؤاد سيد, طبعة تونس 1972م والمقريزي الخطط ج3 ص 271، طبعة دار التحرير بالقاهرة.
5 اتعاظ الحنفا باخبار الائمة الفاطميين الخلفا ص 297, تحقيق: د, جمال الدين الشال,طبعة القاهرة 1967م, وابن الاثير البداية والنهاية ج11 ص 320.
backtop
الاولــــى
محليـــات
مقالات
المجتمع
الفنيـــة
الاقتصـــادية
المتابعة
منوعــات
شعر
عزيزتي
الرياضية
الطبية
وطن ومواطن
العالم اليوم
مئوية التأسيس
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved