Monday 8th March, 1999جريدة الجزيرة 1419 ,الأثنين 20 ذو القعدة


شركة الاتصالات بين التوسع السريع في تقديم الخدمات والإمكانات المتاحة

* يتعرض الاقتصاد السعودي كغيره من اقتصاديات الدول النامية الى فترة تحول فكرية ومنهجية مبعثها الرغبة العالمية التي تقود العالم نحو التجمع حول قاعدة معلومات واحدة على الرغم من التباعد في المواقع الجغرافية, ولعل اهم محاور هذا التحول يدور حول تغيير نمط الملكية السائد لصالح الملكية الخاصة كوسيلة لرفع مستوى الفاعلية في الأداء والكفاءة في الإنتاج وبالشكل الذي يحقق الاستغلال الأمثل للموارد البشرية والمادية المتاحة خاصة بعد أن أثبتت التجارب عجز القطاع العام عن أداء هذا الدور كما تشير بذلك معظم تجارب الدول الاشتراكية او شبه الاشتراكية.
وتمشياً مع متطلبات الواقع الاقتصادي السعودي ورغبة في تخفيف الضغط على الإنفاق الحكومي، لجأت الجهات المعنية الى تفعيل دور القطاع الخاص ليساهم بما يمتلكه من فاعلية اقتصادية وكفاءة إنتاجية متوقعة في إكمال عجلة التنمية التي ربما أصبح من المستحيل على القطاع العام أداؤها في ظل المستجدات الاقتصادية الحديثة, ولعل أبرز حدث في هذا الاتجاه كان مولد شركة الاتصالات السعودية الذي أقره مجلس الوزارء الموقر في جلسته المنعقدة يوم الاثنين الموافق 24/12/1418ه ولقد تلقى المواطن السعودي هذا الخبر برضا تام وقناعة مطلقة خاصة في ظل عدم ارتياحه للخدمات التي كانت تقدمها الوزارة في السابق ولمعرفته بأن الظروف الاقتصادية ربما لاتساعد تحسنها في المستقبل, ومما لاشك فيه فإن الواقع المتردي للخدمات الاتصالية قد أملى على الشركة الحديثة واقعاً صعباً تحتاج معه إلى جهد مضاعف حتى تستطيع تبديل قناعة المستهلك وحتى تستطيع تحقيق الربح الاقتصادي المتوقع وبأقل تكلفة ممكنة, وبالتالي فقد سارعت الشركة الى اتخاذ العديد من الإجراءات العملية التي استهدفت تحسين الصورة في ذهنية المواطن السعودي, ومن أهم هذه الإجراءات:
1- التوسع الكبير في تقديم الخدمات الأساسية والمساندة وبشكل ساهم في القضاء على او الحد من طوابير الانتظار التي كانت في السابق مفروضة على مستهلك الخدمة, ومما لاشك فيه فإن مثل هذا الإجراء كان ضرورياً لزيادة الإيراد الكلي للشركة حتى تستطيع مواجهة التكاليف المرتفعة التي يتطلبها الوصول بالخدمة الى المستوى المقنع للمواطن السعودي.
2- زيادة الوقت المتاح لتقديم الخدمة عن طريق زيادة ساعات العمل مما ساهم في حل مشكلة إدارية عويصة كان المستهلك في السابق يعاني منها وذلك لتداخل فترة الدوام الرسمي مع فترة الدوام الرسمي في بقية الأجهزة الحكومية, ولقد ساهم هذا الإجراء في إقناع المستهلك بأن شيئا ماقد حدث وان الخدمة اصبحت تقدم له بعد أن كان يتقدم لها بل ويقاتل من أجلها, كما أن زيادة ساعات العمل تعني زيادة فترة عرض وتسويق الخدمة مما سيكون له مردود إيجابي على إيراد الشركة الكلي الذي هو مطلب أساسي لتقديم خدمة متميزة في المستقبل.
3- التأكيد على التميز في تقديم الخدمة للمستهلك عن طريق تنمية مهارات التعامل مع الجمهور لمقدمي الخدمة وموظفي الاستقبال حيث قامت الشركة بعقد دورات تدريبية مكثفة لموظفيها لإكسابهم المهارة اللازمة للعمل في القطاع الخاص الذي يحرص على التميز في عرض وتسويق الخدمة او السلعة, ونظراً لكون غالبية موظفي الشركة من موظفي الوزارة سابقاً فإنهم بالضرورة يحتاجون الى إعادة تأهيل حتى يستطيعوا التفرقة بين العمل في القطاع الخاص والعمل في القطاع العام وبين المستهلك والمراجع وحتى يتعودوا على البشاشة في وجه المستهلك بعد ان كان طموح المراجع ان يحفظ كرامته أثناء التعامل معهم, ومما لاشك فيه فإن مثل هذه الدورات ستكسب الموظف مهارة تسويقية وقوة إقناع جديدة هي بالفعل من ضروريات تقديم الخدمة في القطاع الخاص خاصة بالنسبة للخدمات الخاصة التي تقدم بجانب الخدمة الأساسية.
4- التوسع في عقد دورات تدريبية متخصصة بهدف رفع كفاءة موظفي الشركة وزيادة فاعليتهم الإنتاجية والذي بدوره سينعكس إيجاباً على الإيراد الكلي والتكلفة الكلية للشركة, وهنا أشير الى ان الشركة قد سارعت الى عقد مثل هذه الدورات التدريبية لقناعتها بأن العمل في القطاع الخاص يحتاج الى موظف فاعل يستطيع تحقيق الهدف الرئيس للشركة المتمثل في تعظيم الفارق بين الإيراد الكلي والتكلفة الكلية.
5- العمل على رفع الروح المعنوية لموظفي الشركة عن طريق إقرار العديد من الحوافز المادية والمعنوية كنظام التأمين ونظام الرواتب ونحوها, وهنا نجد ان الشركة كغيرها من شركات وفروع القطاع الخاص تحرص على تحقيق الاستغلال الامثل لمواردها البشرية وبالتالي تحرص على خلق الجو المناسب للعطاء عن طريق تقديم الحوافز المشجعة التي تجعل الموظف حريصاً على العمل الجاد من أجل المحافظة علىالمزايا التي يتمتع بها خاصة وأن القطاع الخاص يحرص على تفعيل مبدأ الثواب والعقاب ويحرص على ألا يعطي اكثر مما يأخذ .
وعلى الرغم مما تقدم فإن المتابع لأخبار الشركة وبعد مرور عام تقريباً يلاحظ أنها تتعرض في هذه الأيام الى موجة محمومة من الانتقادات المنطقية في أحيان وغير المنطقة في أحيان كثيرة وذلك نتيجة لبعض التعثرات والاختناقات التي تواجه الاتصالات اليومية عبر شبكة الاتصالات السعودية, ولعل السبب الرئيس الذي يقف وراء هذه الحملة ينطلق من الأهمية النسبية التي تحظى بها الاتصالات في تعامل الأفراد والمؤسسات اليومية ومن التطلع الكبير الذي سبق أو صاحب نشأة الشركة كجهاز يمكن ان يطلق القيود ويحل المشكلات الكبيرة التي كانت تعتري نظام الاتصالات السعودية, كما أن التحول في الملكية من القطاع العام الى القطاع الخاص قد أعطى المستهلكين حرية أوسع لإبراز الانتقادات التي ربما تكون في السابق من المسلمات التي لاتثير غضاضة المستهلك ولاتندرج في خانة الانتقادات, ومع ذلك فإن شركة الاتصالات السعودية ومن منطلق الحرص على حل المشكلات السابقة قد فتحت الباب على مصراعيه وأتاحت الفرصة لكل من يرغب في الانتقاد خاصة وأن الشركة تعيش حالة من الغياب الإعلامي المطلوب في بعض الأحيان لتفسير بعض المشاكل التي تصاحب تقديم الخدمة مما سمح بالاجتهادات الشخصية التي غالباً ماتكون ردة فعل سريعة وغير مدروسة.
لقد جانبت شركة الاتصالات السعودية الصواب كثيراً عندما اقتنعت بان التوسع في تقديم الخدمة سيكون سلاحاً فاعلاً لمسح الصورة الداكنة الكامنة في ذهنية المواطن السعودي.
لقد توسعت الشركة في تقديم الخدمة وبشكل سريع فاق في اعتقادي إمكانات شبكة الاتصالات المتاحة مما خلق مشكلة اخرى هي في نظر المستهلك اخطر من الأولى, كان من مصلحة الشركة التأني في تقديم الخدمة حتى تستطيع اكتساب المهارة والإمكانية اللازمة لتقديمها بشكل متميز, لقد كان بإمكان الشركة ان تعترف بان الشبكة الحالية غير مؤهلة لتقديم الخدمة المتميزة وبالتالي فإنها تحتاج الى وقت يمكن جدولته مسبقاً لحل كافة المشاكل التي تعترض التميز في تقديم الخدمة.
أعتقد ان شركة الاتصالات السعودية قد فوتت الفرصة لكونها تمتلك كل المبررات التي تعفيها من التسرع في تقديم الخدمة خاصة وان المواطن السعودي يعلم ان البناء أسهل بكثير من الترميم لتركة ربما تكون صالحة لكل شيء إلا لنظام اتصالات حديث ومتقدم يتوافق مع متطلبات الوقت الراهن ويتوافق مع التطورات العالمية المتلاحقة التي تتجه نحو عولمة الأنشطة الدولية وزيادة الشفافية المعلوماتية عبر الحدود الدولية.
سيكون المستهلك اكثر سعادة عندما يعلم بان الشركة قد تعرفت على مواطن الخلل ووضعت برنامجاً عملياً وزمناً لحلها الحل الناجع بدلاً من الحل المؤقت الذي لجأت اليه الشركة وبدلا من معاناته اليومية, لم يكن المواطن السعودي ينتظر من الشركة ان تمتلك الفانوس السحري ولكن كان ينتظر ان تقوم الشركة بمهامها بمنطق علمي وعملي مدروس ينسيه ماضي الوزارة ويقنعه بمستقبل لاواقع مميز لكونه يعلم خفايا الواقع وبشكل ربما يفوق ماتعلمه الشركة,, ولكن وعلى الرغم من ذلك أخطأت الشركة عندما تسابق المسؤولون فيها الى بث ردود الفعل العاطفية التي انطلقت سريعا كردة فعل لعملية تحول الملكية وكأن المشكلة الحقيقية كانت تكمن في نمط الملكية لا في التركيبة الإدارية والفنية للوزارة, لقد تحولت الملكية وبقيت المشكلة بل تضاعفت مع التوسع الكبير في تقديم الخدمة حتى أمسى المستهلك يتحين الفرصة لإجراء اتصال دون تعثر.
ومع ذلك وعلى الرغم من كل ماتقدم يجب الاعتراف بأن ماتقوم به الشركة من جهود في سبيل التميز في تقديم الخدمة يعطي انطباعا قويا بأن الشركة قادرة على تصحيح الخطأ إن صح التعبير وقادرة على التغلب على الصعاب الإدارية والفنية التي خلفها الماضي حتى تصبح خدمة المستهلك في طليعة اهتمامها لكونه المصدر الرئيس والطريق السريع لتحقيق الربح الذي هو غاية الشركة الأساسية على الرغم من تعدد الغايات وبالتالي فإننا كمستهلكين مطالبون بأن نكون أكثر صبراً وأكثر استعداداً لتحمل تبعات الإصلاح خاصة وأن هذه الشركة تمثل النبراس والقدوة الحسنة إن شاء الله لبقية الشركات ولبقية التحولات القادمة في طريق التصحيح الوطني.
تحذير:
قد يقول قائل بأن الشركة تتمتع بسيطرة كاملة على سوق الاتصالات السعودي وبالتالي فإنها لاتكترث كثيراً بردود أفعال المستهلكين لأنها لن تفقد مستهلكا نتيجة لسوء معاملة او رداءة خدمة وهذا من الناحية العملية صحيح ولكن الشركة لا محالة تعي التطور الكبير في عالم الاتصالات كما تعي المحاولات الجادة التي تقوم بها المملكة من أجل الانضمام الى منظمة التجارة العالمية والتي ربما تفرض على الشركة بيئة تنافسية جديدة قد تخسرها إن لم تكن مؤهلة لها فنياً وإدارياً كما ان قاعدة تعظيم الربح التي يسعى القطاع الخاص لتحقيقها تحتم على الشركة العمل الدؤوب من أجل زيادة المستهلكين وزيادة الخدمات الاستهلاكية المقدمة لهم وهذا يتطلب التميز الدائم والمستمر في تقديم الخدمة.
* استاد الاقتصاد المشارك بكلية الملك فهد الأمنية ,
الدكتور/ مفرج بن سعدالحقباني *
backtop
الاولــــى
محليـــات
مقالات
المجتمع
الفنيـــة
الاقتصـــادية
المتابعة
منوعــات
شعر
عزيزتي
الرياضية
الطبية
وطن ومواطن
العالم اليوم
مئوية التأسيس
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved