Monday 8th March, 1999جريدة الجزيرة 1419 ,الأثنين 20 ذو القعدة


المغالاة,,, لماذا؟
الزواج ليس صفقة تجارية!

عزيزتي الجزيرة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته,, وبعد
فلقد تحدثت في مقالي السابق المنشور في عدد الجزيرة 9636 والذي كان بعنوان (العزوف عن الزواج لماذا) عن ظاهرة العزوف عن الزواج وآثارها السلبية على الفرد والمجتمع.
ولقد اسعدني تفاعل الاخ سليم المرهق مع هذا المقال والذي عبر عنه في مقاله المنشور في العدد 9651 والذي كان تحت عنوان (كيف نسيت غلاء المهور؟) والحقيقة انني لم انس غلاء المهور كسبب من اسباب هذه الظاهرة الخطيرة ولكنني خصصت ذلك المقال للتعريف بهذه الظاهرة وآثارها السلبية على الفرد والمجتمع.
اما فيما يخص اسباب ظاهرة العزوف وطرق علاجها فقد كانت موضوع لمقال قد تبلور في فكري منذ فترة ولكنني رأيت ارجاءه حتى يسبق بمقال يعرف بهذه الظاهرة وآثارها وهذا هو موضوع المقال المشار إليه سابقا.
ولظاهرة العزوف عن الزواج العديد من الاسباب التي نستطيع ان نطلق عليها عقبات الزواج ومن الصعوبة بمكان التعرض لها جميعا في ثنايا هذا المقال ولذلك سأقتصر على اول هذه الاسباب وأهمها وهو:
1- غلاء المهور : حيث اصبحت مسألة المغالاة في المهور اهم عائق في طريق الزواج، وكم هو مؤسف ان يرى الانسان اليوم غالبية اولياء الامور وهم ينظرون الى الزواج على انه صفقة تجارية متناسين القيم الاخلاقية والاعتبارات الدينية المجنية من تيسير امور الزواج.
وأمام هذه الظاهرة السلبية يجد الخاطب نفسه امام خيارين احلاهما مر وهما:
أ - التنازل عن شخصيته والرضوخ لهذه التكاليف الباهظة وتحميل نفسه فوق طاقتها.
ب - العزوف عن الزواج.
ولو قدّر اولياء الامور المغالون في مهور بناتهم النتائج الخلقية والمفاسد الاجتماعية الناجمة عن ظاهرة العزوف عن الزواج لما ساهموا في تفشي هذه الظاهرة بل على العكس تماما لحاولوا الحد منها.
وبلاشك أن اولياء الامور المغالين في المهور قد ابتعدوا عن روح الشريعة الاسلامية، حيث استهواهم بريق المادة الخداع فحالوا دون تقدم الامة في اخلاقها، ورقي المجتمع في سمو روحه ومكارم آدابه.
فأين هم من منهج الاسلام المتمثل في قول المصطفى صلى الله عليه وسلم إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه ,وأين هم من الاقتداء بمعلم هذه الامة صلى الله عليه وسلم الذي أمرنا ربنا عز وجل بالاقتداء به، حيث يقول جل من قائل لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ، حيث ضرب لنا اروع الامثلة في التساهل بالمهور وعدم مطالبة الخاطب بما يثقل كاهله, فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما ان رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم ان يزوجه امرأة فسأله المصطفى صلى الله عليه وسلم هل عندك شيء؟ قال: لا والله يا رسول الله, فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم اذهب إلى اهلك هل تجد شيئا؟ فذهب ثم رجع فقال لا والله ما وجدت شيئا, فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم انظر ولو خاتما من حديد, فذهب ثم رجع وقال لا والله يا رسول الله ولا خاتماً من حديد، ولكن هذا إزاري فلها نصفه، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم وما تصنع بازارك إذا لبسته لم يكن عليها منه شيء وإذا لبسته لم يكن عليك منه شيء فجلس الرجل حتى إذا طال مجلسه قام فرآه الرسول صلى الله عليه وسلم موليا فأمر به فدعي له فلما جاء قال المصطفى صلى الله عليه وسلم وماذا معك من القرآن؟ قال معي سورة كذا وكذا حيث عددها قال صلى الله عليه وسلم: تقرؤهن عن ظهر قلبك, قال الرجل: نعم قال صلى الله عليه وسلم: اذهب فقد زوجتكها بما معك من القرآن أي أن شرط النكاح المهر ان يعلمها ما يحفظ من القرآن , كما روى ابن حبان في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن من خير النساء أيسرهن صداقا - أي مهرا , وكعادة السلف رضوان الله عليهم في الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم هذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه ينادي بعدم المغالاة في المهور، حيث يقول: لا تغالوا في صداق النساء - أي مهرهن فإنها لو كان مكرمة في الدنيا او تقوى عند الله كان اولاكم بها النبي صلى الله عليه وسلم ما أصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من نسائه ولا أصدقت امرأة من بناته اكثر من اثنتي عشرة أوقية (1) .
ويقصد اوقية من فضة وهذا هو الحد الاعلى في مهور نساء النبي صلى الله عليه وسلم وبناته وقد يكون المهر أقل من ذلك,ومن الامثلة الرائعة التي ضربها السلف الصالح رضوان الله عليهم في مسألة التساهل بالمهور والبحث عن الزوج الكفء إليك اخي القارئ قصة زواج ابنة كبير علماء مصر (سعيد بن المسيب) الذي نزل عند أمر ربه واقتدى بالمصطفى صلى الله عليه وسلم في اختيار الزوج الكفء دون النظر الى الجاه والمال حيث اختار سعيد بن المسيب لابنته طالب العلم الفقير (عبدالله بن ابي وداعة) أقول اليك اخي القارئ هذه القصة الرائعة كما يرويها عبدالله بن ابي وداعة نفسه.
حيث يقول: كنت أجالس سعيد بن المسيب فتفقدني اياما فلما اتيته قال: اين كنت؟ قلت: توفيت زوجتي فاشتغلت بها.
قال: هلا أخبرتنا فشهدناها؟ ثم أردت ان اقوم، فقال هلا استحدثت امرأة؟ فقلت يرحمك الله ومن يزوجني وما أملك سوى درهمين او ثلاثة؟ فقال: أنا, فقلت: وتفعل؟ قال: نعم فحمد الله تعالى وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم وزوجني على درهمين, ثم قمت وما أدري ما أصنع من الفرح؟ فسرت إلى منزلي وجعلت افكر ممن استدين؟ فصليت المغرب وانصرفت إلى منزلي فأسرجت (2) فقدمت عشائي وكان خبزا وزيتا وإذا ببابي يقرع فقلت من هذا؟ قال: سعيد ففكرت في كل انسان اسمه سعيد الا سعيد بن المسيب ظننت انه قد بدا له شيء, فقلت: يا أبا محمد لو أرسلت إلي لأتيتك, فقال: لا أنت أحق ان يؤتى, قلت وما تأمر؟ قال: انك كنت رجلا عزبا فتزوجت فكرهت ان ابيتك الليلة وحدك وهذه امرأتك وإذا هي قائمة خلفه في طوله ثم أخذها بيدها فدفعها في الباب ثم انصرف فاستوثقت من الباب ثم تقدمت إلى القصعة التي فيها الخبز والزيت فوضعتها في ظل السراج لكيلا تراه ثم صعدت السطح فرميت الجيران فجاؤوني وقالوا ما شأنك؟ قلت: ويحكم زوجتي سعيد بن المسيب ابنته اليوم وقد جاء بها الليلة على غفلة! فقالوا: أوَ سعيد زوجك؟ قلت: نعم, فنزلوا إليها وبلغ ذلك أمي فجاءت وقالت وجهي من وجهك حرام إن مسستها قبل ان أصلحها لك إلى ثلاثة ايام فأقمت ثلاثا ثم دخلت بها فإذا هي اجمل النساء وأحفظ الناس لكتاب الله، واعلمهم بسنة رسوله صلى الله عليه وسلم واعرفهم بحق الزوج, ثم مكثت شهرا لا يأتيني سعيد ولا آتيه فلما كان بعد الشهر اتيته وهو في حلقته فسلمت عليه فرد علي السلام ولم يكلمني حتى تفرق الناس, فقال: ما حال ذلك الانسان؟ فقلت بخير يا أبا محمد ثم انصرفت إلى منزلي فوجه إلي بعشرين ألف درهم.
فهل تعلم أخي القارئ من الذي سبق له خطبة ابنة سعيد هذه قبل زواجها من عبدالله بن ابي وداعة؟ انه الخليفة عبدالملك بن مروان لابنه الوليد حين ولاه العهد فأبى سعيد ان يزوجها اياه مع وفرة الغنى والجاه.
والامثلة الرائعة التي ضربها السلف في هذا الخصوص كثيرة جدا ولكن سأكتفي بما تم ذكره.
أخي القارئ مما سبق نخلص إلى أن الحل العملي لمشكلة المغالاة في المهور يتمثل في ضرورة الاخذ بتعاليم الاسلام والمعايير التي وضعها لاختيار الزوج الكفء وهي الدين والخلق لا المال والجاه حيث يقول صلى الله عليه وسلم: إذا جاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه الا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض .
كما يتمثل كذلك في ضرورة ان يقدّر اولياء الامور المغالون في مهور نسائهم الآثار السلبية المترتبة على غلاء المهور من فساد للشباب وانحلال لهم وسقوطهم في مهاوي الرذيلة مما يؤدي بدوره إلى انحلال المجتمع بأسره, وان يستشعروا عظم الامانة الملقاة على عواتقهم حيث يقول صلى الله عليه وسلم: كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته .
وبذلك نقضي على اهم اسباب ظاهرة العزوف عن الزواج مما يقلل من نسبة العنوسة ونكون قد ارضينا ربنا واقتدينا بسنة رسولنا وساهمنا في انقاذ مجتمعنا من الانحلال وتفشي الرذيلة وساعدنا على تكوين اسر صالحة تكون بإذن الله نواة لمجتمع اسلامي صالح يضطلع بدوره في هذه الحياة.
فهد العتيبي
معيد بقسم التاريخ - جامعة الامام - القصيم
(1) أوقية الفضة تساوي 28 غراما تقريبا.
(2) أسرجت : اي اشعلت السراج.

backtop
الاولــــى
محليـــات
مقالات
المجتمع
الفنيـــة
الاقتصـــادية
المتابعة
منوعــات
شعر
عزيزتي
الرياضية
الطبية
وطن ومواطن
العالم اليوم
مئوية التأسيس
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved