Monday 14th June, 1999جريدة الجزيرة 1420 ,الأثنين 1 ربيع الاول


تنفرد الجزيرة الثقافية بنشر تفاصيله
علي الدميني في حوار العمر مع عبدالعزيز مشري

كنا على الموعد في الخامسة مساء في شتاء دافئ يغمر مدينة جدة، وحين دخلت من الباب الرئيسي جاء على كرسيه - الذي يجيد اخوه احمد دفعه وسواقته عبر الدرج والممرات ولم يطل عناقنا فقلت له: اتبخل علينا يا عبدالعزيز ام انك تحتفظ بالعناق لغيرنا,؟ ضحك وكان الشنب الكث المزدان بأولى الشعيرات البيضاء يهتز بأناقته.
جلسنا في فناء البيت الصغير حيث تقاسمنا شجيرة الكادي وحوض الريحان شطر المكان.
- ماذا تشرب؟
- شايا ثقيلا ورأس معسل بحريني.
لم يطل الوقت حتى اكتملت عدة المجالسة، وبدأ نقيق الارجيلة يشاركنا حفاوة اللقاء,.
قلت له : يا عبدالعزيز انت من عائلة كريمة تحظى بمحبة واحترام غالبية اهل القرية (وليس 99,9%) وقد توارث اجدادك ثم والدك هذا التقدير الذي اهلهم للحصول على لقب شيخ القرية، فهل تعد نفسك لهذا اللقب بعد عمر طويل ان شاء الله.
- قال يكفي ما احتمله جدي وابي من تبعاته.
- قلت له وهو يعب من ليّ الارجيلة: سأكون اول الرافضين لتعيينك في هذا المنصب لأنه لا يليق بقرية مثل محضرة ان يصبح شيخها روائيا يكشف المستور والمسكوت عنه او كاتبا مشاغبا وعنيدا مثلك لا يثنيه عن رأيه سبعة سيوف,.
غرق في الضحك وقال:
,, هذا رأيك باعتبارك احد المناوئين لزعامتي، ولكنني اعرف انك قد عايشت تلك القرية التي كانت تملك برلمانا تلقائيا شديد الانصاف، في ساحة مسجدها - يوم الجمعة - حيث كان الجماعة بعد اداء صلاة الجمعة,, يخرجون جميعهم من باب المسجد يسبق كل الى مقعد او متكأ على (الحجيرة) المحيطة بتلك الساحة، يستمع للجديد والمطروح,, واحد يشتكي من التعديات البهائمية، وآخر يشكو من مظلمة زاهق في مزرعته، وثالث يدعو الجماعة لعزيمة زواج ابنه او ابنته,, او دعوة لطينة سقف البيت الحجري الذي بني ونما بين عيون الكل,, هل رأيت كيف كانت تأتي المرأة ملفوفة بالبياض ملثمة وفي يدها بنتها او ولدها الذي مات ابوه وتركهم في امانة الجماعة دون وصية كالعادة,,
سيقف الكل مع حقها في البيت والوادي وسبيل الطريق ومجرى ماء المطر الى مزرعتها,, فمن مد يده او زهقت رجله او لسانه,, فإنما يجري عليهم جميعا,,!
ة سلطوية او امتلاكية,, سوى انه معروف بحب الخير والعدالة والرأي المسموع الذي لا يخالف رأي الاغلبية الصادقة والمحقة (صغيرا او كبيرا,, امرأة او رجلا), لم يكن فقيه الجماعة ولا قاضيهم او امامهم,, لكل وظيفته واختصاصه الملائم له حسب قدراته الامكانية والتقديرية المعروفة, مع احترام الكبير من قبل الاصغر سنا - حسب العرف القروي.
لم يعد اليوم هناك وحدة انتاجية تجمعهم ولم يعودوا يلتقون في حوش المسجد بعد الصلاة ليناقشوا امورا مشتركة، ولم يعد يجمعهم شاعر او رقصة او مشرب ماء، او مواش، بقي افراد من جيل آبائنا يرددون ما قاله شاعرهم القديم عن شباب يهزؤون بالماضي
يتهزا بلون الشيب
والشيب يتهزا بنا
** عبدالعزيز
حين اتصل بك هاتفيا يجيبني صوتك الاجش معلنا عن قسوته وكأنه صوت الجعري بينما حين يقابلك الآخرون يجدون اللطف والوداعة فهل تحتمي خلف صوتك الهاتفي؟ وهل تخشى ان يلتهمك شيء ما؟ إنسان مثلا او حيوان ما من خلال التلفون,؟
,, كلا لم تأت ببالي هذه التفصيلة التي أوردتها,, ولا تخفيت خلف صوتي خوفا او طمعا,, ربما يشبه صوت الضبع (الجعري) كما وصفه الصديق المازح دوما د, سعيد بن فالح والذي ينوي به إخافة الحمير من الضباع - سامحه الله - متناسيا ان الحمير هي التي كانت تقدم عملا عظيما في نقل (التوار) التي تصنعها قريتهم من الفخار المحروق الى الاسواق.
(2) في نصوصك الغنية التي اشتغلت فيها على عالم القرية استثمرت الكثير من الشخصيات (كأنماط ودلالات) وجسدت جوانب عديدة من منظومة العادات والتقاليد والقيم والمكونات الثقافية لمناخ العالم القروي وقد ابرزت من خلاله المعنى الرمزي والاسطوري لعديد من هذه الكائنات مثل الديك، والكلب، والحمار، والثور ابوقرون والبقرة,, الخ.
**وسؤالي هنا يتفرع الى شقين الاول:
بحكم معايشتك لعالم القرية الجنوبية ومكوناتها الثقافية فيما يخص مفهوم الجد الاسطوري لكل قرية، لماذا لم تلتفت الى هذا التكوين او لماذا اغفلته في اعمالك,؟ وهل تنوي استثماره مستقبلا؟
اما السؤال الثاني فهو: ما تفسيرك لتلك الفكرة للجد التي ما زالت تستخدم بشيء من السخرية حتى اليوم في لحظات المرح والتندر والغضب ما بين سكان قرية واخرى فيما يخص ذلك الجد ,؟
حين اكتب الرواية عن عالم القرية في الجنوب,, فهذا لا يعني انني انثربولوجي ، ولا دارس اساطير ولا محقق او كاتب خطاب اجتماعي بالتقارير,, مع انني اعتقد احيانا ان الكاتب المبدع هو كل هذا وغيره,, لكنه يصوغ الواقع، وربما اعاد تراكيبه حسب رؤيته الفكرية والفنية,
النقطة التي ذكرتها,, هامة وجميلة، وتؤكد ان اهل القرى لا يزالون الوحيدين الذين يمضون في سياق الشعوب القديمة,, فمسألة الجد الاسطوري المرمز، موجودة لدى الشعوب القديمة في كل العالم الشعبي تقريبا,, غير ان البعض - للأسف - لديهم مفهوم السخرية,, بل راحوا ينظرون الى مسألة تطبيع الوحدة الاجتماعية القروية او القبلية بطباع الجد الرمز.
انها لم تغب عني,, غير ان المناسبة فقط لم تتهيأ فيما سبق وكتبت، ربما كان ذلك فيما يأتي,, فالتفاصيل المهمة كثيرة في حياة العالم القروي والكاتب لا يستطيع ان يطرق كل الشئون ولا ان يمر ببعضها مرور التلويحة باليد فقط,.
** إذن ما هو الجد الذي ستختاره لقريتك محضرة بعد ان استنبت العالم القروي الذي كتبته في ملحمة القرى من جذور حياة تلك القرية,؟
- كتبت لكي احافظ على الذاكرة لا لتغييرها، لذلك ارى انه ليس من حقي تغيير ما استقر في اعماقها بالنسبة لذلك الجد الدي تعرفه فهو لنا معا.
** في بداياتك في كتابة القصة القصيرة، كنت مهموما بكتابة الرواية، وكنت تشير لي في معرض احاديثنا آنذاك الى رغبتك في كتابة الرواية بالاستفادة من تجربة الغربة في الدمام وحياة الصعلكة البسيطة التي كان يعيشها بعض الاصدقاء حولك,, ثم كتبت جزءا من عمل روائي اسررت لي بخطة سرديته عن رحلة يقوم بها شاب من اعلى الجزيرة حتى جنوبها عبر جبال السروات وبعد ذلك فاجأتنا بعد عودتك من القاهرة بانجاز عملك الاول الوسمية عن عالم القرية,؟
ترى هل هي الغربة احيت الحنين في قلبك,؟ هل هو عالم القاهرة: ام الوعي الذي وقف على قدميه في تلك المرحلة دفعك للعودة للذاكرة وتجسيد عوالم القرى؟
- نعم، حدث هذا في فترة صدور مجموعة موت على الماء وهذه القصص هي تمثل الفترة المعيشية الثقافية التي تكونت بعد سفري من القرية الى المدينة (الدمام) ولعلك قد لمست البنية القروية البريئة، والتي صدمت بصخب المدينة وايقاعها، مع انها - بعد عقدين من اعادة قراءتها - وجدت ان القرية وعالمها متجذر في ذهنية القلم الذي سرد قصصها,, لكنها كانت ذهنية شاب متحمس لم يتلمس طريق خطواته الفكرية تجاه العالم والكون والانسانية,, بحيث طغت الشكلية اللغوية والمفردة المنحوتة وزخرفة الصورة - حسبما جاء فعلا في مقدمة الاستاذ علي الدميني وكان يسبقني بخطوات واسعة ثقافيا وكتابيا طبعا، المقدمة كتبها في اول المجموعة، والحقيقة انني قد كتبت ما سميته آنذاك بالكتابة الروائية الناقصة شكلا ووعيا، واذكر ان صديقا كان يعمل معنا في جريدة (اليوم) كان متشجعا لها نبيه الشعار من سوريا وكان يقرأ مقاطعها ويسجلها بصوته (روى لي انه كان مذيعا في الاذاعة السورية)، وهو شاعر حسن,, ولكن هذا لا يبرر ان اكتب الرواية وقتها لعدة اسباب، اقولها فيما بعد زمانها,, منها: العمر,, التجربة الواعية بمسئولية كتابة الرواية، خاصة وانها شهادة اجتماعية مرتبطة بموروث عالم له خصوصيته وممارساته داخل محيط مؤسسي معلوم.
الحماس المناقض للتقليدية الكتابية الصورية الشكلية للحياة الاجتماعية لا يكتب الرواية، الوعي والادراك بوظائف الكتابة هو الذي يكتب كتابة ذات قيمة، الذاكرة، المعايشة، الطفولة، المسئولية، الموهبة,, وعدة مقومات,, هي التي تجعلك كاتبا على مستوى الرواية,, قد ترغب في ان تكون كاتبا روائيا,, لكنك لا تملك المقومات،, فهل يعني انك اصبحت كاتبا روائيا,, لا اعتقد ابدا ما لم تعلم جيدا انك تحمل في صدرك قولا كبيرا وطويلا ويستحق ان يوضع على كل الورق,.
القاهرة او غيرها من العواصم العربية، ذات مساحة تستوعب الكاتب والكتابة والقارئ والمستقصي,, لكنها جميعا لا تمنحك الهم الخاص الذي تكون مع هويتك وانتمائك الخاص,,, هي تمنحك عالما غير منقسم في انسانيته,, فالانسان الكامل برجولته وانوثته موجود، وهذا ما افتقدته لذلك ربما فتحت القاهرة عيني على هذا الوجود الطبيعي للمرأة في الحياة والذي يشبه زمن الطفولة القروي لدى كل انسان وربما حفزني ذلك على العودة الى العالم الطبيعي,, حيث يقف الرجل والمرأة على قدم الانتاج المشترك والمساواة الانسانية في كل مناحي الحياة.
** هل يمكن لنا ان نقف عند أهم الروايات التي قرأتها وما هي العناصر المميزة فيها التي بقيت في الذاكرة والمخزون الفني لديك، وكيف استفدت من بعضها,؟
- كأني افهم من سؤالك، ان ثمة تأثيرات قرائية للرواية,, بل لأعمال روائية معينة,, استطاعت ان تقدم لك نحتا نمطيا على صعيدي الفن والموضوع.
اعتقد ان هذا لا يمكن ان يحدث بهذه الصورة,, اذ ان كتابة الرواية، وفي عالم خاص بتاريخ صراعاته الطويلة عبر اداة انتاجية محددة وضمن مكانية معروفة ومن خلال معايشة منذ الطفولة، عجنت وخبزت الكاتب وشرب من مواردها الثقافية الحياتية على هيئة فتافيت تربوية ومعيشية يومية مرورا بالتفاصيل والمناسبات والفصول,, اقول: ان هذا لا يمكن ان يحدث لمجرد قراءة اعمال روائية تتماثل مع مثل خصوصية العالم القروي الذي كتبت عنه.
القراءات الروائية باختلاف صورها وعوالمها، والقصصية والشعرية، والتراثية، وكل ما يمكن ان يقال عنه المحصلة التي لا تنتهي عند نقطة محدودة في الحياة، وآنذاك - وقت اذ بدأت بكتابة الرواية الاولى الوسمية في القاهرة عام 1982م (وكنت اعتبرها تجربة روائية) كنت قد اعجبت بكثير من الاعمال وقتها وكانت جديدة عليّ منها اعمال (هنري ميللر)، و(شينمو انشيبي) وتراثية ك(احمد بن إياس) وأبي حيان التوحيدي، واشياء اخرى,, جميعها وسابقاتها، وبعد توقف طويل - بعد إصدار مجموعتي القصصية الاول (موت على الماء) عام 1979م,, توقفا منلوجيا تأمليا,, رأيت ان الكتابة وقتها,, لا تحتاج الى التغريب والبحث عن مادتها وعالمها من خارج ما يقع في الذهن من حكايا واحاديث طويلة تكمن عند اصبع القدم، ولست في جزر (الهونولولو) او وديان (واق الواق) يضاف الى هذا الشعور بالغربة القاسية والمرهونة بظرفها الذي لم اجد معه امكانية لكسرها، او النفاذ منها بمجرد خاطر العودة,, وما سببته من حميمية انسانية قوية تجاه عالمي القروي الاول.
لقد رأيت ان الكتابة لا يمكن ان تصيب وجدان وذهنية كاتبها - الروائية تحديدا - إلا اذا كانت تغمس سن قلمها في دم كاتبها خزينة معيشته او تجاربه وطريق رؤيته واستراتيجية,, قل محصلته الثقافية.
لقد وجدت عالما خاصا قريبا وجديرا جدا بالكتابة,, فكتبت وكنت كلما انجزت مشروعا,, اكتشفت ان ثمة تفتحات جديدة وعالما وجزئيات لا يمكن ان تنضب، او حتى يشوب مشوبها النقصان,, وهكذا,.
** الذين يعرفونك عن قرب يلمسون اهتمامك الدقيق بهندامك والمكان الذي تعيش فيه وانشغالك الجميل بنوع الساعة والقلم والولاعة والعقال والغترة ونوعية العطر حتى وانت في ساعاتك العصيبة مع المرض، وسيدهش الداخل الى منزلك يا عبدالعزيز بشجيرة (الكادي) وهي تحييه خضراء مبتسمة مشيرة الى نبتاتها المتوالدة وبياض زهرة الكادي على تاجها، رغم انها تعيش في بيئة لم تكن معدة لها، وسيدهش زائرك حين يجول ببصره على محتويات مكتبتك وستشده دقة تنسيقها وترتيب كتبها، ورغم انك تنام في نفس المكتبة إلا ان كل شيء يبدو دائما كما في قمة الانسجام,!
فما هذه القدرة على تنظيم ما يبدو عصيا على الانتظام واستنبات ما يبدو مخالفا لمناخه؟ وماذا افادك به هذا الذوق المميز في حياتك وكتابتك، ولماذا تسلل (ريح الكادي) كعنوان لتلك الرواية,؟ وما دلالة تحوله الى (جاردينينا) كعنوان لمجموعتك القصصية الجديدة؟ وهل يعني ذلك تحولا للذائقة الموروثة من القرية الى الذائقة المعاصرة في المدينة؟
- تعلم ان نبتة الكادي المميزة الرائحة والخضرة لا تزرع في قرانا الجبلية - مع اننا نحبها وتتزين بها رؤوس الصبايا - فهي نبتة تهامية النشأة هي والحناء والقطران الخاص برائحته في قرب الماء وطلاء الابواب، واشياء كثيرة ومميزة تتميز بها المنطقة التهامية الجميلة بأهلها وخصائصها ومناخها الدافئ,, لذا فربما كانت منطقة (جدة) المدينة الساحلية الحارة,, قريبة من مناخ تلك النباتات الواردة، نحن لا نستطيع ان نستزرع نبتة الورد المشهور بزكاء لونه ورائحته وبتواجده الموسمي الربيعي في الجبال القروية بالجنوب,, وهكذا، وللمختصين في شأن الزراعة علم دقيق في هذا الامر، ليس ثم سر ولا كشف، وإنما هو الرجوع الحميمي لتفاصيل المكان الطفولي وجماليات معيشته وذكرياته وبرغم بعد المكان على الانسان يبقى يحن للاشياء التي ارتبطت باندهاشيته ومعيشته الاولى,, اذكر عندما كنت في إحدى الولايات في امريكا وفي ظرف صحي صعب وصفه، تمنيت - وقت اذ امتنعت عن تناول اي نوع من الطعام والشراب - تمنيت كسرة خبز ناشفة من حب (البلسن) - العدس البني الصافي مع قهوة قشر البن، او مع اللبن الحامض بالريحان، وبالمناسبة فإن اسمه في قاموس اللغة بالحقين والحقينة كما يسميه اهل القرى بالسراة والمهم أقول:
وعندما خرجت بعد زمن من المستشفى للفسحة، دخلت حديقة منبسطة بالخضرة العشبية النجمة - ايضا هذا اسمها القاموسي في العربية - فشممت رائحة الطين الواقع بين الجبال في تلك الولاية، لقد عدت آلاف الاميال في فينة زمن لا تقدر بجزء من الثانية الى رائحة طين القرى والاودية, لا اظن ان المسألة مرتبطة بي او بفلان من البشر,, بل بكل الناس في كل المناطق، ليس في امر كهذا فقط,, بل في اللغة ولهجاتها وانواع الملابس والروائح والالوان وكل ما يخاطب الحواس,, يقول العلماء ان الانسان في لحظة خطرة مباغتة,, يصرخ منفعلا بلغته التي تعلمها في بيئته وطفولته، ولحادثة تحدث في عمر كبير وفي منطقة بعيدة جدا وغريبة اللغة والحياة عن بلده.
في الحياة الاستهلاكية المدينة التي نعيشها في هذه المرحلة ببلدنا,؟, اصبحت الخصوصيات في طريقها المختصر السريع نحو الالغاء والاستبدال المدني الشكلي المستعين في تفاصيل استهلاكاته على عالمية الاستيراد الورقي الخفيف - قبل العولمة - التي اخذناها في عالمنا النامي من بابها الضيق - قبل وصولها -.
من ملايين الاشياء الشكلية ومن الزهور - اللازهور - المؤطرة خلف زجاج محلات بيع الزهور، حيث تردنا من كل بلدان العالم، وبصور وهيئات لا تمت الى بلدنا بصلة، ومنها نبتة خضراء يانعة وغضة لها زهور بيضاء نقية، اسمها (جاردينيا) في احد الظروف العلاجية التنويمية بمدينة (جدة),, صحوت على هذه النبتة المزهرة من صديقة ما,, لكنها مع الايام القليلة وبعدم عناية,, تحولت الى ضمور قليل يشبه التثاؤب,, فكان منه عنوان لمجموعة القصص الاخيرة التي تدور اجواؤها في المستشفى وليس في القرية,, فكان عنوانها جاردينيا تتثاءب في النافذة .
في شأن الذائقة القروية والمدنية فالذائقة هي واحدة,, ولا يمكن تجزئتها، او تقطيعها الى مناسبات واحوال، انها لا تأتي حسب ذائقيات يرغبها الآخرون مثلا، لأن لكل بيئته ومجتمعه وخصوصية منشنه وذائقته التربوية التي عاشها في حضن ثقافة الموقع الاول.
كنت في الطفولة مفتونا بالنجوم وبعدها، وكنت احلم بنجم اخضر مضيء,, لم تكن الكهرباء قد وردت القرية,, فكنا نراها آنذاك عبر مسافة بعيدة في الليل - بعد صلاة المغرب - نراها في قرية مركزية اخرى وكان من بين الانوار نور اخضر جميل يقتحم العين والقلب,, بالطبع لا اعرف مصدره الحقيقي ولا سببه,, لكنني اعلم ان الضوء الهامس البعيد لا يظهر الا بعد انفصال النهار عن بداية الليل,, لو سألتني لماذا احببت اللون الاخضر؟ لما استطعت الجواب,, لاسباب اقلها انني كبرت وكبر معي وربما الى النهاية,,!
الذائقة الفنية ايضا - ومع علاقتها بالثقافة - لا يمكن فصلها عن زمن الطفولة والنشأة,.
(6) بديهي أن الكتابة الواعية التي تقصد موضوعها المكتمل كالمناخ الاجتماعي في المجتمعات القروية مثلا لا يمكن ان تحيط بكل عناصره وتفاصيله المهمة، وانها في احسن حالاتها ستتشكل من عناصر انتقائية يتم اعادة بنائها من منظور رؤية الكاتب.
وفي رواياتك وقصصك عن القرية لم تتطرق للعلاقات العاطفية او حالات الحب والعشق الحارق الذي يتأجج في احشاء كل تجمع بشري ولا سيما في القرى التي تتداخل حياتها بالطبيعة وبالاحلام العاشقة فما تفسيرك لذلك؟
ومن جهة اخرى فكما عشنا في المجتمع القروي رأينا ان ثقافته تعبر عن مدخور الثقافة الشفاهية والتي لم تكن تتحرج في الحديث اليومي عن استخدام المثل المسكوك والقصة العابرة التي تتعامل مع مفردات الجسد الانثوي والرجولي وبطريقة عادية وصريحة عن كل مستوياته، فهل تعمدت إغفال تلك الخاصية الاسلوبية ام انك تدخرها للمستقبل؟
- سأبدي لك ما كنت تجهله، فأنا لا اصنع هيكلة تفصيلية للرواية قبل كتابتها وانما احدد اطارا اكتب في حدوده ولا اقول افقه ينسج البناء الروائي، وعادة ما اكون قد اعتمدت الى رموز ايحائية كالمثل، او الحكمة الشيخية، او المسمى او الذكرى المرتبطة دون تأثر مباشر بالذات وانما بالمخزون الاجتماعي وما الم به من ثقافات حكائية مروية ممن سبقوا زمن المعايشة,, هذا ليس نفيا للذات وانما لاستراتيجية مرجعية اجتماعية كتابية بمنظوري العصري.
ان كثيرا جدا من الحقائق التي تحتاج الى تفاصيل وتوظيفات لم انظر لها في كتاباتي - قصة أو رواية -، وذلك لأن هذا غير ممكن على الصعيد الابداعي الكتابي الذي اعوم فيه، وإلا لكنت كاتبا منوعا كالجاحظ مثلا، ولوضعت كل شأن في كتاب وهكذا,.
الكتابة في خصوصيات المجتمعات (ابداعا) هي من اصعب الكتابات - في نظري - لأنك تحتاج الى الموازنة بين انتقائيتك لزاوية الالتقاط وبين الحرص على حقيقة الانتمائية الخاصة، وكان بداخلي رغبة كبرى في اعتبار الزمن المرحلي هو خط سفري في الكتابة عن هذه المكاتبة الاجتماعية تحديدا,, لكنني اكتشفت انني لست كاتبا تاريخيا لذلك وجبت علي الانتقائية فانا محدود بزمن يتحدد فيه العمر والقدرات الذاتية والموانع المؤسساتية والاجتماعية والتقليدية وامور اخرى, انت تعلم ان العمل الروائي يحمل كشفا وتفصيلا,, لكنك لا تستطيع ان تفصل عنه - بأي حال رؤيتك الخاصة وادارتك لبناء عملك الروائي في امكانية الواقع الذي لا يمكن تزويره، ولا صبغه بما ترغب.
نعم,.
لقد سألني احد القراء هذا السؤال تحديدا:
* أين عاطفة الحب والعشق في رواياتك؟
- لا اجد جوابا شافيا، روبما كان هذا عيبا في اعمالي القصصية والروائية عن القرية الجنوبية,, رأيت ان المزارع الذي يخبط في طرف الخبزة ليزيح رماد (الملّة) عنها,, ويسرح بعد صلاة الفجر الى الوادي ولا يعود الا بقدمين مبلولتين بالطين، ثم يتعشى ما قسم له لينام منهكا,, لا وقت عنده للحب والمغازلة,, بالطبع حبه وهبه لزوجته وعائلته وارضه,, او ربما هكذا كان نفسيا.
* كأنك بهذا تجرد القروي من عاطفة الحب رغم ما نعرفه من قصص العشق وما نحفظه من قصائد الغزل، ولعل الذي يذكر او يطلع على ما دون من شعر شعبي لأحمد بن جبران وابي سحاب مثلا سيرى مرموز الحب وصريح عبارته في كل ما قالوه,!
- استطرد عبدالعزيز: ربما كان ذلك صحيحا ولكنني اتحدث عن الغالبية من الناس غير الشعراء ، ويمكنني القول ايضا بأن هذا لا يعفيني من اعتبار هذه المسألة موجودة في كل .
انقر هنا لتكملة الموضوع

رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولــــى
محليـــات
مقالات
الفنيـــة
الثقافية
ملحق الافراح والمناسبات
الادارة والمجتمع
الاقتصـــادية
المتابعة
منوعــات
عزيزتي
الرياضية
الطبية
مدارات شعبية
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved