Monday 14th June, 1999جريدة الجزيرة 1420 ,الأثنين 1 ربيع الاول


في مجموعة أسفار السروي بقيت زمناً أعاني فيه الإحباط من أحد القراء,,!
جاردينيا زهرة حصلت عليها من صديقة ما,!!

معيشته وذكرياته وبرغم بعد المكان على الانسان يبقى يحن للاشياء التي ارتبطت باندهاشيته ومعيشته الاولى,, اذكر عندما كنت في إحدى الولايات في امريكا وفي ظرف صحي صعب وصفه، تمنيت - وقت اذ امتنعت عن تناول اي نوع من الطعام والشراب - تمنيت كسرة خبز ناشفة من حب (البلسن) - العدس البني الصافي مع قهوة قشر البن، او مع اللبن الحامض بالريحان، وبالمناسبة فإن اسمه في قاموس اللغة بالحقين والحقينة كما يسميه اهل القرى بالسراة والمهم أقول:
وعندما خرجت بعد زمن من المستشفى للفسحة، دخلت حديقة منبسطة بالخضرة العشبية النجمة - ايضا هذا اسمها القاموسي في العربية - فشممت رائحة الطين الواقع بين الجبال في تلك الولاية، لقد عدت آلاف الاميال في فينة زمن لا تقدر بجزء من الثانية الى رائحة طين القرى والاودية, لا اظن ان المسألة مرتبطة بي او بفلان من البشر,, بل بكل الناس في كل المناطق، ليس في امر كهذا فقط,, بل في اللغة ولهجاتها وانواع الملابس والروائح والالوان وكل ما يخاطب الحواس,, يقول العلماء ان الانسان في لحظة خطرة مباغتة,, يصرخ منفعلا بلغته التي تعلمها في بيئته وطفولته، ولحادثة تحدث في عمر كبير وفي منطقة بعيدة جدا وغريبة اللغة والحياة عن بلده.
في الحياة الاستهلاكية المدينة التي نعيشها في هذه المرحلة ببلدنا,؟, اصبحت الخصوصيات في طريقها المختصر السريع نحو الالغاء والاستبدال المدني الشكلي المستعين في تفاصيل استهلاكاته على عالمية الاستيراد الورقي الخفيف - قبل العولمة - التي اخذناها في عالمنا النامي من بابها الضيق - قبل وصولها -.
من ملايين الاشياء الشكلية ومن الزهور - اللازهور - المؤطرة خلف زجاج محلات بيع الزهور، حيث تردنا من كل بلدان العالم، وبصور وهيئات لا تمت الى بلدنا بصلة، ومنها نبتة خضراء يانعة وغضة لها زهور بيضاء نقية، اسمها (جاردينيا) في احد الظروف العلاجية التنويمية بمدينة (جدة),, صحوت على هذه النبتة المزهرة من صديقة ما,, لكنها مع الايام القليلة وبعدم عناية,, تحولت الى ضمور قليل يشبه التثاؤب,, فكان منه عنوان لمجموعة القصص الاخيرة التي تدور اجواؤها في المستشفى وليس في القرية,, فكان عنوانها جاردينيا تتثاءب في النافذة .
في شأن الذائقة القروية والمدنية فالذائقة هي واحدة,, ولا يمكن تجزئتها، او تقطيعها الى مناسبات واحوال، انها لا تأتي حسب ذائقيات يرغبها الآخرون مثلا، لأن لكل بيئته ومجتمعه وخصوصية منشئه وذائقته التربوية التي عاشها في حضن ثقافة الموقع الاول.
كنت في الطفولة مفتونا بالنجوم وبعدها، وكنت احلم بنجم اخضر مضيء,, لم تكن الكهرباء قد وردت القرية,, فكنا نراها آنذاك عبر مسافة بعيدة في الليل - بعد صلاة المغرب - نراها في قرية مركزية اخرى وكان من بين الانوار نور اخضر جميل يقتحم العين والقلب,, بالطبع لا اعرف مصدره الحقيقي ولا سببه,, لكنني اعلم ان الضوء الهامس البعيد لا يظهر الا بعد انفصال النهار عن بداية الليل,, لو سألتني لماذا احببت اللون الاخضر؟ لما استطعت الجواب,, لاسباب اقلها انني كبرت وكبر معي وربما الى النهاية,,!
الذائقة الفنية ايضا - ومع علاقتها بالثقافة - لا يمكن فصلها عن زمن الطفولة والنشأة,.
**بديهي أن الكتابة الواعية التي تقصد موضوعها المكتمل كالمناخ الاجتماعي في المجتمعات القروية مثلا لا يمكن ان تحيط بكل عناصره وتفاصيله المهمة، وانها في احسن حالاتها ستتشكل من عناصر انتقائية يتم اعادة بنائها من منظور رؤية الكاتب.
وفي رواياتك وقصصك عن القرية لم تتطرق للعلاقات العاطفية او حالات الحب والعشق الحارق الذي يتأجج في احشاء كل تجمع بشري ولا سيما في القرى التي تتداخل حياتها بالطبيعة وبالاحلام العاشقة فما تفسيرك لذلك؟
ومن جهة اخرى فكما عشنا في المجتمع القروي رأينا ان ثقافته تعبر عن مدخور الثقافة الشفاهية والتي لم تكن تتحرج في الحديث اليومي عن استخدام المثل المسكوك والقصة العابرة التي تتعامل مع مفردات الجسد الانثوي والرجولي وبطريقة عادية وصريحة عن كل مستوياته، فهل تعمدت إغفال تلك الخاصية الاسلوبية ام انك تدخرها للمستقبل؟
- سأبدي لك ما كنت تجهله، فأنا لا اصنع هيكلة تفصيلية للرواية قبل كتابتها وانما احدد اطارا اكتب في حدوده ولا اقول افقه ينسج البناء الروائي، وعادة ما اكون قد اعتمدت الى رموز ايحائية كالمثل، او الحكمة الشيخية، او المسمى او الذكرى المرتبطة دون تأثر مباشر بالذات وانما بالمخزون الاجتماعي وما الم به من ثقافات حكائية مروية ممن سبقوا زمن المعايشة,, هذا ليس نفيا للذات وانما لاستراتيجية مرجعية اجتماعية كتابية بمنظوري العصري.
ان كثيرا جدا من الحقائق التي تحتاج الى تفاصيل وتوظيفات لم انظر لها في كتاباتي - قصة أو رواية -، وذلك لأن هذا غير ممكن على الصعيد الابداعي الكتابي الذي اعوم فيه، وإلا لكنت كاتبا منوعا كالجاحظ مثلا، ولوضعت كل شأن في كتاب وهكذا,.
الكتابة في خصوصيات المجتمعات (ابداعا) هي من اصعب الكتابات - في نظري - لأنك تحتاج الى الموازنة بين انتقائيتك لزاوية الالتقاط وبين الحرص على حقيقة الانتمائية الخاصة، وكان بداخلي رغبة كبرى في اعتبار الزمن المرحلي هو خط سفري في الكتابة عن هذه المكاتبة الاجتماعية تحديدا,, لكنني اكتشفت انني لست كاتبا تاريخيا لذلك وجبت علي الانتقائية فانا محدود بزمن يتحدد فيه العمر والقدرات الذاتية والموانع المؤسساتية والاجتماعية والتقليدية وامور اخرى, انت تعلم ان العمل الروائي يحمل كشفا وتفصيلا,, لكنك لا تستطيع ان تفصل عنه - بأي حال رؤيتك الخاصة وادارتك لبناء عملك الروائي في امكانية الواقع الذي لا يمكن تزويره، ولا صبغه بما ترغب.
نعم,.
لقد سألني احد القراء هذا السؤال تحديدا:
* أين عاطفة الحب والعشق في رواياتك؟
- لا اجد جوابا شافيا، روبما كان هذا عيبا في اعمالي القصصية والروائية عن القرية الجنوبية,, رأيت ان المزارع الذي يخبط في طرف الخبزة ليزيح رماد (الملّة) عنها,, ويسرح بعد صلاة الفجر الى الوادي ولا يعود الا بقدمين مبلولتين بالطين، ثم يتعشى ما قسم له لينام منهكا,, لا وقت عنده للحب والمغازلة,, بالطبع حبه وهبه لزوجته وعائلته وارضه,, او ربما هكذا كان نفسيا.
** كأنك بهذا تجرد القروي من عاطفة الحب رغم ما نعرفه من قصص العشق وما نحفظه من قصائد الغزل، ولعل الذي يذكر او يطلع على ما دون من شعر شعبي لأحمد بن جبران وابي سحاب مثلا سيرى مرموز الحب وصريح عبارته في كل ما قالوه,!
- استطرد عبدالعزيز: ربما كان ذلك صحيحا ولكنني اتحدث عن الغالبية من الناس غير الشعراء ، ويمكنني القول ايضا بأن هذا لا يعفيني من اعتبار هذه المسألة موجودة في كل إنسان وكل المجتمعات,, فلو نظرنا لفصل في البئر رواية الوسمية لوجدت ان سبب رميها لنفسها في البئر,, كان بسبب علاقة - عاطفية - غير مشروعة في وقتها,,,.
وانت تعلم ان مجتمعنا محافظ ونحن نحترم هذه المحافظة,,!
ان هذا سيسبب إشكالية في مفهوم القارئ القروي والشعبي عموما, مثلما جاء لي رد الفعل القاسي تجاه فصل في رواية السومية بعنوان احمد يتعلم اشياء جديدة باعتباره فصلا غير ملائم او شبه ذلك,.
,,,,,
,,,, ,,,,,,,,, ,,,,,,,,,,.
في مجموعة قصص (اسفار السروي) بقيت ولم يعلم احد زمنا اعاني فيه الاحباط من احد القراء,, اسمه (ابن السروي) ظانا انني قد تعمدت إسباغ كل اهل جبال (السراة) في شخصه والتشهير به,.
الاسماء الموجودة في اعمالي هي اسماء تقريبية لا لشخوص الاعمال: بالطبع,, احرص على ان تكون من واقع البيئة، لكنها بعيدة عن الحدث بذاته او شخصية بعينها,, تصوّر كم من صالحة بنت احمد ستسأل عن رواية صالحة وكم من (أبو جمعان) وكم من (مليحة) و(عزيزة) و(عطرة) وغيرهم,, نحن في واقع اجتماعي شديد المحافظة الى درجة كبيرة وانا احمل على عاتقي قلما وليس بندقية.
** ما سر ولعك بالمرأة وغنى وتعدد علاقاتك بها في حاضرك حتى لتعد من ذوي الثروة في هذه العلاقات (ثقافية/ صداقية/ عاطفية) مع المرأة سواء من داخل المملكة او خارجها؟ أيعود ذلك الى فقر العلاقات العاطفية او انعدامها في صباك في القرية ام يعود الى حالات العشق والتوله التي تصيب الرجل بعد الاربعين؟
- يا سيدي ,, مع ان صيغة سؤالك قد تكون مستفزة وخاصة، ربما لا تفيد او تضر، او تهم احدا، لكن دعني اسأل: متى تراني قد نظرت الى المرأة (النساء) كقناص يوجه سهام قوسه العربي القديم اليهن ليحظى بأكبر عدد ممكن من الغزلان والظباء,, لا يلبث ان يهبهن للسكين والنار والافتراس,!
هل المرأة صيدة، او مسلاة، او مركز لذة اقتناصية؟,, دعنا,, نقول (عاطفية)، ليكن، وفي مجتمع قام على مفاهيم معينة تجاه المرأة,, حيث ينشأ المجتمع بكليته راكضا خلفها في تستر ومن خلف خباء شديد الكثافة,,, إنه يعتقد ان سبب شوقه العاطفي الجسدي يكمن فيها، وهذا خطأ بالطبع,, فالسبب موجود في مفهوم التربية غير المتوازن ,, فقدان التوازن العاطفي هو السبب في دواخل الناس,.
عندما نشأنا في عالم قروي واضح الملامح لم نكن نعرف معنى الحرمان العاطفي، ولا نظرنا للمرأة بعين الافتراس الجسدي,, لم نعرف الواقع غير المنصف إلا بعد ان كبرنا وغادرنا قرانا,,, بعد ان اندثرت معالم الخصائص القروية,, لقد كنا بالبديهة نحيا حياة حضارية القيم,, الناس وقتها كلهم يعملون ويشتركون في جهد الحياة وألمها وفرحتها,, المرأة لم تكن كائنا غريبا وبعيدا عن التعامل والمكاشفة المعيشية اليومية,, لم يأكل الرجل المرأة ولا حدث العكس,, كان الانسان القروي كاملا لا تجزئة ولا انفصام ولا تربص او مفارقة,.
جاءت (المدنية) البعيدة عما يسمونه خطأ بالحضارة فالقيم الانسانية التي تشكل دواخل الناس وبالتالي سلوكهم بعيدة عن المفهوم الحضاري,,, نعيش ونتحرك والغربة تسكن دواخلنا كنفق العتمة المعبأ بالظلام والخوف والتردد,.
ان الأمر لا يقتصر على الرجل فقط، فالمرأة ايضا تعاني وبشدة من الغربة والغربة العاطفية ثم,, تصبح زوجة دون معرفة او اختيار ثم أما ثم محتضنة فمربية، هذا ان تم لها التواؤم الزواجي.
لم اكن اعاني في صباي عاطفيا (من يقرأ المكاشفات يجد الجواب) ولا ادري ان كان للصدفة التي لم اجد خلفها دورا في المسألة بعد الاربعين، ولو افترضناه,, فهو التعقل والمفهوم العميق لانسانيتها ودورها الحياتي - الضروري الطبيعي - العظيم.
كثيرا ما نتخفى خلف العورات، ليس امام الآخرين فقط، وانما لعدم مواجهة انفسنا, لكي لا نتواجه مع قيمنا التي املتها علينا ثقافاتنا، وذلك في نظرتنا وعلاقتنا بالمرأة,, فالترسبات المتراكمة في داخل الانسان تبقى لتنزعه من انضباطاته وتوازنه بصورة حادة,, لكنها لا تكون فالتة بحيث تصبح على نفقة الآخرين في سبيل غنيمة الذات,, ذلك يعود للدوافع الاجتماعية التي نشأت عليها تلك الترسبات والحقيقة (التي أراها) انه لا خيانة للذات فيها ولا خوف من نتائجها,, اذ تقع هذه النزعات في برزخ من مناخ الوعي المرتبط بالمفهوم الثقافي الانساني وبالذات في مسائل العواطف التي تتحول بصورة او اخرى الى الغراميات، او العشق, وهذا لا يحدث الا نادرا,, لكنك حين تدخل في هدأة الحوار الذاتي الخفي,, لا تجد الامر اختياريا بحتا,, العشق لا يصلح لأن تزنه دوما بالعقل والحساب الرياضي، وإذا ما فعلت فقد تساهم في قتل اجمل مساحة في حياة وساحة قلبك,.
دعني,.
فأنا لا احب ان يوصف وجه الحبيب بالقمر او الشمس او حتى الشمعة، ولا ان يكون الحبيب مصدرا للسهر والهيام والعذاب فهذا لا يختلف كثيرا عن طريقة حفر القلب او رسمه بالطبشور كنصف تفاحة مفرغة يخترقها سهم,,!
** هناك تجربة حب رائعة ومعقدة تجلت في روايتك في عشق حتى التي تعد واحدة من الروايات المتميزة محليا وعربيا، وسؤالنا يتجاوز الرواية الى بطلة الرواية حول: ما الذي يميز هذه البطلة لتأخذ موقعها الحارق في الرواية (هل هو الجمال/ الثقافة/ الحنان/ الشخصية,,, الخ) ولماذا لم تستحضر جزءا او بعضا من تجاربك الوجدانية هنا لتكتب نصها المحلي,؟
- رواية (في عشق حتى ) هي حكاية مختصرة لامرأة عشت ولا ازال - بعيدا - هائما في عشقها، مع تعدد التجارب واشكالها,, لقد تعذبت لها ولم تتعذب بي، لكنني على ما يبدو وقعت فيما قال عنه الكاتب الفيلسوف (شو) عندما تجد نفسك في مسار ضد مصلحتك تجاه امرأة ما,, فاعلم انك تحبها) انا شخصيا لا استطيع ان احيا بلا امرأة - حبيبة - تحديدا، ولم اسأل ذاتي ان كان هذا مطلبا خاطئا او مصيبا,, لا اتخذها كملهمة,,, ولا اوظفها كتابيا بالضرورة,, لكنها حاجة ضرورية انسانية ودافع حي جميل للإبداع والحياة,, قد تظنون انني رجل بشوارب وعقلانية,, لكنني لا أنبذ عني صفة الجنون,, وأقل ما فيها العاطفية المحرقة والبساطة والالفة تجاه كل الناس,, انني أحزن لقتل بعوضة أو ذباب,, بالرغم من اذيتهما,, وفي ذات الحال انا شديد الصعوبة تجاه الحق الذي أؤمن فيه وبه، انني مع الحياة والفرح والامل، و(حتى) قد لا تكون رواية محددة، بكل عواطفها عن حتى ذاتها والتي احيا ما حييت احبها،، لقد كانت رواية ودون قصد مبيّت,, تدخل بصورة او بأخرى في عالم القرية وما يحكمها من,, استشهاداتها,, الخ، كانت قروية لأنني استقيت ذلك من حب صبياني قروي,, اينما اذهب يظل مرجعيتي في الذاكرة: غير ان الوعي الرجولي في سن ما اعتمد انواعا اخرى وصياغات اخرى,.
حتى كما تعلم كلمة عذبت الاصمعي والنحويين، لدرجة ان دارسا قضى وقتا لنيل درجة الدكتوراه في حتى ,,!
أنا لا احب المواقف الانهزامية على الا تكون على حساب الغير.
** تميزت شخصيتك في سنوات الطفولة والصبا وحتى السنوات الأولى التي قضيتها معنا في الدمام بالتأمل والاناقة مع ميل للانطواء ولم تكن ترتاح او تشارك في الأحاديث التي تخوضها مجموعة كبيرة من الاصدقاء فاتخذت شخصيتك ملامحها الجادة المبكرة والزاهدة في الآخرين، وفجأة وجدناك تحيل كل شيء الى سخرية مرة او هازلة ثم ما لبث هذا التحول ان تغلغل داخل تكوينك الكتابي واليومي فافدت منه الكثير في حياتك واعمالك الكتابية حتى اصبح الحديث معك متعة خاصة يتعشقها الكثيرون والكثيرات.
هل يمكن ان تضع ايدينا على جذور ذلك التحول الهائل في تكوينك من الانطواء الى الهزل والى السخرية وحب الدعابة؟
- جزاك الله خيرا,, ربما نشأت على ان استمع اكثر مما اعتدت,, على يد جدي المرحوم,, لكنني ارى انني ثرثار احيانا وطويل الحكاية والتفاصيل المملة,, لقد لاحظت هذا في أحايين كثيرة ولم يقل احد لي - ربما نوع من المجاملة او الاحترام,, لا ادري,!
ثم لماذا لا يكون صمتي نوعا من الخجل، او عدم القدرة على المشاركة في امور لا ارغب الخوض فيها.
اما السخرية، فأنا لا اسخر من الآخرين بل احملهم في عمق قلبي,,, و,,.
عبدالعزيز,,, الله يوفقك ويزوجك واحدة ما تسمع,,!!,, لذلك ارجو ان تجيبني على هذه التفريعات بشأن السخرية، والسخرية المقصودة هنا هي روح النكتة والمفارقة والدعابة وليس المقصود بها السخرية من الآخرين، فأنا اعرف انك تمقتها، ولكنني اسألك عن السخرية التي تحول المأساة الى ملهاة لتستطيع التغلب على قسوتها.
هل كانت النكتة تستهويك وانت طفل؟
- انت تعلم ان الثقافة القروية العامة مشبعة بروح التهكم والمفارقة لكنني كنت استمتع بها كمستمع ولم اكن اشارك آنذاك في إنتاجها,.
هل كنت ترويها للآخرين في طفولتك,؟
- نعم ولكنها لم تكن احد مشاغلي الرئيسية.
إذن كيف حدث هذا التحول الكبير في تكوين التعبير عن شخصيتك وعن آرائك عبر استخدام آلية السخرية؟
- ربما اسميه تطورا وليس تحولا، فالبذور الاولى التي تستمتع بالنكتة والمفارقة موجودة,, ولكنني بعد ان تزودت ببعض المعرفة ومارست الكتابة اصبحت لدي اسئلتي المقلقة حيال العالم الخاص والعام وجدتني مدفوعا لهذه الطريقة، التي رأيتها تساعد الإنسان على التخفيف من المرارة في كافة ظروف الحياة.
ثم اضف الى ذلك القراءات الهامة التي عشقتها للجاحظ، وابن حيان التوحيدي الذي كان يهتم بالمُلح وكذلك قراءاتي لابن إياس, هذه القراءات جعلتني اتلمس فعالية الكتابة الساخرة او المفارقة وقدرتها على التأثير الهائل في القارئ ولذا يمكن القول بانني حاولت استخدام هذا الاسلوب - احيانا - لايصال الرسالة الفنية لكتاباتي عبر الدعابة التي اتوقع ان يستقبلها القارئ بنفس روح الدعابة والمرح فتقيم بيننا جسورا من التواصل وقبول بعضنا البعض.
كرست في كل اعمالك العديد من القيم الانسانية النبيلة التي تتجلى في جوانب من حياة المجتمعات القروية (التعاون، البساطة، الارتباط بالارض، الوقوف في وجه الظلم) وكان من ضمنها وأهمها انتصارك للمرأة في كل هذه الاعمال، ولكن القرية الآن قد تحولت الى شبه مدينة في مرتكزاتها الاقتصادية وفي انماط حياتها الاجتماعية وقد قال والدك الشيخ صالح بن مشري في حوار نشر بجريدة البلاد,, لم يعد في كل القرية ديك واحد كدلالة على عمق التغير الذي طال حياة القرى, لقد اسدلت الستائر الرمادية الآن على فعل ووجود المرأة الاقتصادي والاجتماعي في القرى كما اسدل على اختها في المدينة فمتى نجد امرأة القرية وزميلتها المدينية في إبداعاتك القادمة؟
- نعم هذا صحيح، فالتحول الاقتصادي الطفراوي في كافة مناطق الوطن السعودية قد خلق انماطا مغايرة لطبيعتها الانتاجية - السلوكية - التراثية الجذورية - وكذلك في العلاقات والروابط, وفي شكل الحياة وضد بنيتها المعيشية، لقد اصبحت البلاد وهي البقع الزراعية المحدودة، والتي عرفت لدى الفلاح باحلى الاسماء، فتلك عيون الحمام والأخرى خيرة والثالثة سعادة وغيرها مما اختير كأجمل الاسماء والكنيات، باعتبارها - وبصورة متوارثة منذ القدم - مزارع يبذر فيها (الذرو) ويبقى لينمو ويشد ساقه ثم يثري تحت عين وقلب مالكها الفلاح,, الى موسم الحصاد,,, لقد اصبحت بعد انفراط الايقاع الانتاجي - الفلاحة - اليوم - مكانا مناسبا دون ادنى تردد، الى مكان ممهد لبناء بيت من الاسمنت,!
سأذكرك ,, هناك وعلى حافة المكان الذي يزرع (العثري) - وهو مصطلح عربي جيد لبقعة الارض التي تعتمد في مائها على امطار الموسم سواء كان قمحا او ذرة او غيره,,, هذه القطع المعروفة عند الفلاح بمحدودية محصولها,, تقع في العادة الى جانب سفح صغير غير مزروع لعدم صلاحيته، وربما كان الى جانب صفح كبير (المساحة المنحدرة نسبيا يسمى بالوسيفة او السفح بتحويل السين الى صاد)، وقد تكون بلا حدود,, فتكون اكبر مساحة الى وسط او قمة الجبل,, باعتبار ان المنطقة جبلية وعلى جنباتها مدرجات متعاقبة للزراعة، فأصبحت اليوم في مكانتها المعنوية والواقعية الايقاعية الكاسحة,, اغلى قيمة من الاراضي الزراعية المسقوي - الذي يسقى بالماء من البئر بالسواني ويكون اكثر حصادا واينع رواء.
القروي اليوم في هذه المرحلة الاقتصادية المعيشية,, لم يعد بقروي، والحياة المصلحية العامة اصبحت فردية انتهازية,, لا مكان للأب او الابن، ولا للأخ والعم، وبالتالي لا للجار والجماعة والقرية او العشيرة والقبيلة وعليه فإن الوسيلة الانتاجية التي كانت تصيغ للقرويين نمطا محترما ونافعا بحكم الضرورة المتبادلة، وفي مناخ اجتماعي واحد,, قد تغيرت! ألا تتغير معها المرأة,؟
بالطبع ودون ارادة او تكلف او عدم تكلف، وهذا دليل على عدم صحة النظرة التي تفرق بين المرأة والرجل كإنسانين متكاملين,, لا يمكن ان يحيا احدهما دون الحاجة الى الآخر (سنة الله في خلقه).
الوثبات الرهيبة والذهول (الفانتازي) الذي صبغ انماط الحياة وشخصياتها وانتماءها بألوان مغايرة، لم يكن على الرجل دون المرأة، ولا على الطفل دون العجوز، ولا على القروي دون البدوي او اهل الساحل او الحارة في المدينة القديمة,, لقد اصبح وبصورة ترفع وسامات التقدم الانساني وتعود الى التخلف الاجتماعي مئات الخطوات بل آلافها الى الخلف دون وعي بالحياة,, تحولت الانسانية في المجتمع - بشتى صنوف معيشتها - الى تخلف خطير وتاريخي بحيث اصبح الانسان بلا فاعلية ولا مرجعية ولا مستقبلية,, فقط انما هو استهلاكي زمني ومعيشي جاهز عديم النشاط يعد أيام عمره الباقية ويصارعه في المعايشة النفسية والجسدية و,, الله يحسن الخاتمة ,!
انقر هنا لتكملة الموضوع

رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولــــى
محليـــات
مقالات
الفنيـــة
الثقافية
ملحق الافراح والمناسبات
الادارة والمجتمع
الاقتصـــادية
المتابعة
منوعــات
عزيزتي
الرياضية
الطبية
مدارات شعبية
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved