الحياة لا تقف عند نمط معيشي معين,, لكن,, هل علم اهل القرى لماذا؟ لماذا انتقلنا فجأة بقفزة غير استيعابية من الثور، والحمارة الى الطائرة والسيارة الاوتوماتيك، ولم نعد اجتماعيا لهذا الاستيعاب بصورة مرحلية؟!
هذا ما يشغلني ويعذب قلمي,, ليس في القرية فقط,, انما في المدينة التي تكونت من حارات ونزل معروفة ومحددة,, الى مدينة ثلاثة ارباع سكانها من القرى والهجر والبوادي، ولا يجمعهم شيء,, الجامع فقط هو ما تملك.
لكن هل هذا المستضاف الاستهلاكي المدني - وليس الحضاري - استطاع ان يقتلع الآدميين من جذورهم؟
لا,, إن في المدن الكثير ممن سكنوها بعاداتهم وشعبيات مجتمعاتهم، وربما حتى شكليتهم او شكلياتهم في الملابس واللهجات,.
اتسألني عن المرأة الأم والزوجة، الاخت والحبيبة، وكيف ان الستائر الرمادية اسدلت عليها، وعلى اختها في المدينة,؟!
ان الستائر الآن اصبحت بنية داكنة,, لم يظلمها المولى الكريم، ولا الرسالة الاسلامية الحنيفة - وانما ظلمناها نحن بمفاهيمنا الجديدة والمتخلفة,, بحيث نظرنا الى الطير,, انه يطير بجناح واحد في الفضاء,, لقد فرضت علينا المفاهيم دون حوار ونظرنا الى المرأة نظرة اخرى.
لقد ولدت - قبل ان اكون كاتبا - مسلما، وتربيت في بيت ومجتمع قروي مسلم، واموت مسلما، انكح مسلما واذري مسلما,,, اعيش أحب السلام وأبتذ الاستسلام وقد اوصانا رسولنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم باحترام ومعايشة الام والاخت وذات القربى والحميلة والجارة وكل المؤمنات,, بالخير والايمان والرعاية والوصاية الحميدة، وكامل التعامل الانساني,.
لقد سئلت عن العنصر الانساني المغيب في واقعنا، وكيف ان هذا يقف كحد واضح المعالم في عدم كتابة الرواية المحلية؟,, غير ان هذا السبب الحيوي الهام لم يكن مغيبا في رواياتي المكتوبة عن عالم القرية,, المرأة موجودة في حياة الفلاح جنبا الى جنب، في البيت والمزرعة,, ترى من كان يحصد ويدرس المحصول ويحضر الماء من البئر,, ويصنع الخبز، ويشارك في طينة سقف البيت، ويطبخ للمناسبات، ويحلب البقرة ويجني الثمار,, و,, و,,, الخ,, أليست المرأة بل وتحمل وتنجب - بحكم طبيعتها - وتربي الطفل، وتحمله في الميزب المهد، وتأخذه معها الى المزرعة ثم تلقمه نهدها لينام حتى تتفرغ للعمل,.
اعتقد ان غياب المرأة لا يؤثر على الكتابة الروائية تحديدا وانما هو الغياب الانساني في الحياة والنهوض بها الم يقل رسول الامة عليه الصلاة والسلام لابنته (فاطمة) وهو يخاطبها نعم يا ام ابيك ,, اية انسانية عظيمة هذه,, خذوا نصف دينكم من هذه الحميراء يعني عائشة رضي الله عنها,,, يجب ألا نخلط في حقائق الاشياء، المرأة هي عين الانسان الاولى، ويده وكليته وأذنه وكل شيء في حياته، وليس فقط معاونه الاساسي في الحياة,.
كلنا لم نأت من الفراغ ولا من بطون الرجال, لذلك أنا لم اخترع المرأة في الرواية التي أكتبها,, لقد كتبت من الواقع.
لا تظن يا مسائلي,, بأنني متعصب بجهالة,, للمرأة في كتاباتي حقيقة وجودها ومعايشتها، وقبل كل هذا انسانيتها، لكنني ابتليت بالكتابة القصصية الروائية الكاشفة لحقيقة الواقع الانساني كما هو .
انني اكتب بدمي ومشاعري وكياني,, ولم اقل كل ما في الحياة القروية، والمدينية بإنصاف، المستقبل آتٍ والنااس معلقة في رقبة قلبي، ولن اكتب إلا بمفهومي ونظرتي وقناعتي، ولست كل الكتّاب وكل الاقلام,, لكنني شاهد بقدر الامانة الانسانية في هذا الشأن وغيره.
** نعرف ان طبيعة التكوين الثقافي لأي مجتمع مرتبطة بطبيعة النشاط الاقتصادي الذي يزاوله افراده ولذا فإن للبيئة القروية ثقافتها المرتبطة بنشاطها الحياتي، وكما نعلم فإن تلك الثقافة تكرست لمئات السنين وحين دخلت المدينة في عجلة التطور المادي والتقني كان لا بد ان يطال التطور/ التغير حياة البشر في المدينة والقرية ويؤثر على منظومة الافكار والقيم لينتقل المجتمع من تشكيلة اجتماعية/ اقتصادية الى اخرى او هكذا لا بد ان تمضي الامور.
سؤالنا هو: لماذا يبدي الكثيرون من أبطال أعمالك موقفا مضادا للأخذ بأسباب التطور (الموقف من ماطور الماء الذي قتل صاحبه، صالحة ترفض هدم منزلها رغم التعويض من اجل إيصال الاسفلت للقرية، السخرية من سلام راكب السيارة الونيت على الجالسين امام منازلهم بزمار السيارة ,, الخ، هل كل ما قامت عليه القرية من عادات وقيم يمثل الخير كله بحيث تقف المدينة كمرموز شقي ضده؟
وهل يفسر هذا إغفالك او عدم اشتغالك الى الآن على عالم المدينة في سردياتك؟
- ,, نعم، التكوين الثقافي الاجتماعي المرتبط بوسيلة الانتاج (نستثني الحرفة) لأنها لا تشكل صيغة اجتماعية ذات ملامح ملتحمة بأداة الانتاج في القرى, كأن نرى (الجزار) (الصانع) وغيرهم، وهم في العادة يكونون تحت ادارة أب العائلة,, ولا يملكون في العادة اراضي زراعية بحيث يستطيعون العيش منها، لذلك فهم مرتبطون بثقافة القرية من نافذة الالتئام الجماعي , اقول هذا باعتبار ان اهل القرى مثلهم مثل كل المجتمعات الانسانية في المعمورة,, ليسوا ملائكة ولا يجوز الاخذ بخيرهم دون اخطائهم,, لكنهم في مفهومي من افضل القلائد الاجتماعية التي تحافظ على منظومة كبيرة وحضارية في قوانينها وعاداتها وتماسكها,, مما نحتاج اليه اليوم في عدد من فروع العدل والتعامل، فعندما نرى كيفية توزيع مياه العيون ومسايل المياه في مواسمها، او مقاطعة من شذ عن الاحتكام للجماعة - وهذا صعب جدا -، او طريقة توزيع لحم الماشية - سواء كانت للبيع او لما يسمونه ب(الصدقة),, حيث ينال الكل حسب البيوت والعائلات قطعة من كل عنصر ولحمة من الذبيحة بما فيها اطراف البهيمة وكرشها,, وعندما يكون هناك حاجة لمساعدة الجماعة في اي شأن لطينة البيت ، او وقوع امر مشين على احد منهم، او وقوع احد المواشي في البئر، او تجميع مقدار من كل فرد في وقت الحصاد وبذله للفقير، وعادة ما يكون لمن لا ارض زراعية كافية لمعيشته,, او لا يملكها البتة كالحرفي، وعندما بدأت معطيات الحضارة الآلية كالسيارة وموتور الماء وغيره,, لم يكونوا ضدها,, فهم بيد واحدة يشقون طريقا للسيارة لكي ترد القرية (الوسمية) ويتناقلون مضخة الماء ايجارا او مساهمة صالحة .
المسألة لا تعني انهم ضد المعطيات الجديدة,, انما هم فقط يجهلون التعامل معها، وفي الغالب عدم القدرة على امتلاكها، فأنت ترى في رواية الوسمية كيف ان احمد بن صالح كان يهون عليه اي امر صعب,, سوى ان يمر طريق السيارة الذي يمهده كل الجماعة للوصول الى عمق القرية من ارضه الزراعية,, لكنه في آخر الامر وافق بعد ان رأى ان الخير للجميع وان رأيه شاذ، ولو ان موافقته على المرور من ارضه الزراعية سيعتمد عليها موافقة آخرين قادمين في امتداد الخط,.
انهم صعبون في التنازل عما ثقفوه في بيئتهم، خاصة ما يتعلق بمواطن معيشتهم,, مضخة الماء التي تنزع الماء من عمق البئر، تعمل بالبانزين وتنفث غيوما مكتومة في داخل البئر العميقة من الكربون، وعادة ما تكون هذه الماكينة قريبة من موقع الماء,, حافته في القاع، فكان النازل بالسلالم الحبالية إليها لإسكانها بعد عملها كثيراً ما يتعرض لكمية الدخان وبالتالي الاختناق فالموت، كانوا يخافونها,, بالتالي توالد الكره لها,, القروي والإنسان الذي لم يتعرض لأي تلوث,, يصاب بالدوار والغثيان أثناء اضطراره للتعامل معه,, لعلك تتذكر كيف كنا نتاثر لمجرد ركوبنا السيارات وهي قليلة جداً في ورودها للقرية.
قبلاً، وفي المعنى السابق لحرص الفلاح على بقرته ومزرعته,, فليس غريباً أن تكون صالحة في آخر الرواية صالحة ,, شديدة التمسك والإصرار على عدم هدم بيتها الحجر طيني لقضية طريق الأسفلت برغم التعويض المالي الذي ستناله!
موقف هذه المرأة -مع معرفة شخصها قبل نهاية الرواية-,, هو موقف إنساني تلقائي حميمي معيشي تاريخي أولاً؟ وليس موقفا ضديا من حداثة التطورات، وإلا لقالت: يبقى ولدي بقربي ولا يذهب إلى المدرسة ليعمل وهي أشد حاجة له : وهي لا تؤاخذه في هذه الحالة لأنها محصلة ظروف اجتماعية اقتصادية وثقافية معيشية يومية ضمن حياة القرية,, وهي لا يمكن أن تنظر إلى التعويض المالي مقابل ثقافتها الاجتماعية القروية المعيشية، والحميمية في البيت الذي آواها واطفالها، وأوى زوجها معها قبل وفاته,, لم ننظر إلى البيت كمجموعة مترابطة من الحجر والطين,, بل كملجأ ومسكن إنساني له جدران وباب تستطيع ان تأمن إليه وتقفله على نفسها وفرخها,, سيكولوجياً وتاريخياً وتربية متوارثة طويلة,, قامت على نظم العلاقة التلقائية بين الإنسان وأنسنة الأشياء التي يمنحها جمالية الفته وحميميته، ولا نستطيع أن نعتبر الحجر والطين وصخور الجبال واختلاف الشجر بأنواع شوكه و,, و,, إلخ، لا نستطيع أن نعتبرها خارج ضلوعه وحنياه الدافئة.
أنا لا اعتقد أن المسألة مادية كما تفضلت في سؤالك -اقتصادية- بحتة، بقدر ماهي ارتباط حميمي نفسي متراكم، لعلك تعلم أنهم يعيبون جداً على من يفكر في بيع أراضيه الزراعية,, أعني شيئاً منها.
أذكر وأنا طفل -بحكم الواقع المعيش- أن المرحوم جدي عبرني بكلام جارح - لا انساه- حين طلبت بالحاح وبكاء حبتين من التمر، -بالطبع ليس هناك شيء حلو لإرضاء الأطفال سواه -قال رادعاً- لعدم وفرتها:
أخاف: بكرة,, إذا كبرت، تبيع البلاد من أجل تمرة ,, لاحظ أمر الطفل وقتها لم يستوعب القول,, لكنني أذكرها اليوم للمرة الأولى، وبكامل الوعي.
الدم، والرقبة، تمنح صفة مسافة شبر واحد بين جارين في الأرض الزراعية وهذه الاستعدادية متأهبة جماعياً ضد أي طارىء على القرية ككل.
عن جوابي الاستراتيجي الكتابي، في مسألة وقوفي فيما سبق وكتبت عند منطقة الرفض للجديد عندهم، أو كما يبدو في سؤالكم,, فإن قلمي وقف -تقريباً- في نقطة مهمة وخطيرة تجاه هذا العالم، الذي احتاج لسفر طويل من السنين حتى أعطيه بعض حقه الكتابي مما أحمل وافهم عنه,, تلك مرحلة أو نقطة القبض على القرص في التمثال الأغريقي القديم، فبعد ان التقطته في يدي، ودخلت في مرحلة التهيئة لقذفه، فعليّ أن أرصد هذه المرحلة تحديداً، وهي مرحلة الوقوع القروي في منطقة التحول -اللااستيعابي- الذي جعلهم يثبون دون تدرج مرحلي من الزراعة كنمط انتاجي معرفي متراكم,, إلى منطقة المفاجآت الاقتصادية المغرية والتي لاخيار دونها، ولا معنى فيها لأي أمر له ارتباط بالواقع المتوارث البتة لأنها أتت فمحت خصوصية السحنة الاجتماعية دون استيعاب أو حتى ذكرى، أو تقدير لما مضى.
ليس أمام ذلك الإنسان وربما ليس أمامي -ككاتب- استقراء لوجه معلوم ويمكن السعي نحوه مستقبلاً بحيث نحس بالانتمائية الاجتماعية، إنه منزلق خطير وذو هم كتابي استراتيجي كبير في هذا الشأن.
** تقوم التقنية الكتابية لمعظم أعمالك السردية على دور الكاتب العليم بكل شيء فتحاول إخفاء شخصيتك ككاتب لتعطي الانطباع بالحيادية، لكننا كقراء نستطيع أن نبصر دهاءك الفني ونراك في هذه الشخصية أو تلك, لماذا اخترت هذا الأسلوب ولم تجعل بطل النص رواياً إلا في بعض أجزاء الفيوم ومنابت الشجر ؟
وفي ريح الكادي التي تعد من أعمالك المتميزة يبرز الصراع الدرامي في القرية بين ثلاثة أجيال تتعرض حياتهم لعملية التغيير، ترى لماذا نراك تختفي خلف الشايب عطية وأي دلالة عميقة تود أن تطرحها بهدوء من خلال ذلك الموقف؟
- لا أعرف كيف يقرأ القارىء أعمالي، لكنني أواجه بمثل هذا السؤال، وغالباً ما يكون عن شخصية الكاتب وأين هو طفلاً وصبياً ورجلاً؟!
إن مسألة البطل الفرد لا تحظى باهتمامي ولا عنايتي في كتاباتي عموماً، ثم إن الكاتب هنا هو جزء من كيانات متألفة وتحمل صفات المجتمعات البشرية في خيرها وشرها، والكاتب يتفاعل مع شخصية أولى وشخصية ثانية وثالثة وهكذا,, غير أن شخصية الكاتب لا تدير النسيج السردي حسبما تريد مما لا يتعامل مع الواقع، أو يجعل الشخوص أبواقاً مدجنة تنفح ما يملؤها به الكاتب، لقد حاذرت دائماً على ألا تأتي هذه الشخصية -الكتابية- كأنها مثقفة تدير من أعلى الجبل الناس والبهائم والأشياء المؤنسنة: حسب رغبتها أو ميلوها الشخصية المزاجية، لاشك أبداً ودون أدنى التبريرات ان الكاتب لا يكتب خارج وعيه، وبالتالي فإنه قد يكون في مناطق الصد والالتقاط، وليس بالضرورة أن يكون مجمعاً في شخص بعينه في النص,أما عن عطية أو عاطي ,, فقد كان يحتل الرمز القروي في كتاباتي القصصية الأولى، وما لبث الكاتب أن اكتشف أن هذا الرمز يمكن أن يتوفر في أغلب الشخصيات المعانية الوفية الكاملة بكل صدقها العفوي مع عالمها ومعايشتها له، ودون أن يكون ثمة ميزة محددة، وهذا هو الغالب وإلا فكيف تأتي برواية تحشد فيها كل أهل القرية,, أنت في حالة شبه انتقائية لعدد من الشخصيات المتوافقة مع دراية العمل ومتناغمة حسب الضرورة مع بانورما ذلك العالم الذي تكتب عنه، في إطار خصوصيته الاجتماعية المكانية.
كان الوقت يجلدنا والكلام يأخذ منا مآخذ المجابهة منتصف الليل وقلت ياعبدالعزيز سأذكرك بطرفة من طرائف الحوادث التي تحدث في القرى: روى آباؤنا ان مجموعة منهم ذهبت إلى قرية أخرى لتطلب منهم المساعدة في جمع دية شخص غريب قتل خطأ في نواحيها، وحين التقوا بشيخ تلك القرية وبعض وجهائها لاحظوا عدم حماسهم للمساهمة فقام أحد افراد المجموعة وحلف على أهل القرية الأخرى بأن يخرجوا إلى ساحة الدار للتشاور في أمرهم لأن التشاور سينبثق عن شيء وإن كان قليلاً كمساهمة مالية من قيمة الدية المطلوبة، وقد نجحت الفكرة!
الوقت الآن منتصف الليل ياعبدالعزيز ألا تأكل؟
قال: لم آكل ولن,, فهذه اعتبرها فترات مائية,, أنا آكل الماء فقط! قلت له وقد بلغ العناء مني ومن بعض الأصدقاء المرافقين مبلغه: حلفت عليك أن نتشاور مع أخيك أحمد في أمرنا تشاوراً همسياً,, وخرج أحمد من صالة اللقاء وأخذتنا الأحاديث الجانبية، ثم عاد أحمد بأبريق الشاي وبعدد من السندويتشات.
قلت لأحمد: كنت اختلس السمع لثغاء الشاة أو التيس تحت حد السكين؟ فضحك أحمد.
وقال: الله يرحم ايامها.
قال زميلي: نحن نعذركم فإذا لم يتوفر الخروف فليس اقل من ديك الشعيبة الذي تحدث عنه الصاحب في رواية الحصون.
اجابه أحمد: أنت في جدة ياصاحبي ولست في قرى الجبال.
تشاوروا فينا ياعبدالعزيز.
ضحك وقال لقد بلغت المشورة سندويتش الجبنة,, فهنيئاً مريئاً ما تأكلون!
** للأمكنة كمين كما تقول فوزية أبو خالد، وهذه الأمكنة تتغلغل فينا حباً وكرهاً شجناً وأسى، وأنت قد تنقلت بين الأمكنة من قريتك في منطقة الباحة إلى الدمام واقمت بها لسنوات طويلة، وأقمت في القاهرة، وقضيت اوقاتاً متباعدة في الرياض ثم استقر بك ريح الجاردينيا في جدة.
حدثنا عن رائحة المدن، وعن المناخ الذي اندمجت به اختياراً أو قسراً، وماهو انطباعك الثقافي والاجتماعي عن هذه الأمكنة؟
-,, المكان كما تقول الشاعرة فوزية أبو خالد كمين,, لكنه ليس كمين يبث في الداخل رائحته، وإنما يترك ايضاً نوعاً من الحوار يخاطب فيه جميع جوارح الإنسان.
لو افترضنا تجريد المكان من هذه الخاصية الإنسانية الكبيرة والمنظومة من عدة تراكيب دقيقة وجزئيات,, فإنه لن يختلف عن أي موقع للحياة أو المصادفة,, بحراً أو صحراء، أو صندوقاً من الخشب لا لمكان له,, ستصبح الحالة أشبه بزمن مكتسب ففيه عمر يقضى بأية صورة بلا حس حتى تنتهي.
قد لا أتحدث هنا عن إيجابية المكان -كمحور ارتكازي- في العمل الابداعي بقدر ما أعني منطقية ضرورية في حياة الإنسان، برغم الرضا والمصالحة معه من عدمها.
عندما كنت أعيش في القرية إلى سن أول العشرين,, لم أكن لأعرف العالم بمحيطاته وأناسه واختلاطات ايقاعاته وسهوله وجباله,, سوى بحدود طلوع الشمس من مشرقها خلف الجبل الكبير المقابل للبيت من بعيد، وللحصن القديم الذي تلتف حوله برتقالة الشمس النحاسية في الغروب,, هذه حدودي التي التقطت في تفصيلها عالمي الأليف والحبيب والشقي أيضاً بآلامه وحرمانه، لكنه كان حميمياً ومتغلغلاً في انسجتي وخلايا ذاكرتي وجوارحي,, للحجر -مثلاً- معنى واحد ملتصق بقساوته وصخريته الصلبة وهندسته ووزنه الذي يعني لك تفصيلة شبه مدركة في الثقل والنوع واللون, لكنه يبقى صخراً مترسخاً في ثنايا ذاكرته أينما ذهب مالم تضف إلى معرفتك معارف إضافية جديدة,, تختلف باختلاف درجات استيعابها ومكانها وزمانها.
دخلت المدينة فرأيت الصخر غير الصخر، والحجر يأخذ خاماً آخر تعرف مكوناته ولا تعرف حميميته المجهولة التي ارتبطت بها في ثقافتك القروية الأولى,, رأيت حجراً يستخدم للبناء من الأسمنت والرمل المقولب، ومساكن تقام في عز الصحارى والبحار,, دفعة واحدة انتقلت من آخر حدود الجنوب الغربي، إلى آخر حدود الشمال الشرقي,, من الجبل إلى البحر, ومن الوديان إلى الصحارى، بالطبع كان عليك أن تتعايش مع بيئات جديدة,, كذلك مهما جاهدت في تلوين وتغيير الحجارة,, لن تستطيع أن تغير منها في داخلي لقد أخذت الصخر الذي تقطع منه الحجارة في النشأة الأولى معنى محدداً تلمسه وتحسه بكامل قنواتك المعرفية، ولكنك تكتشف أن الحجارة ليست سواء,, هذا صحيح تجاه كل الجوانب الحياتية الأخرى التي تقابل الشخص باختلاف المكان، وفي مدينة الدمام على بحر الخليج العربي بشمال شرق المملكة,, كنا نبحث عن شكل الصخر أو الجبل، أو الحجر,, يقولون ثمة جبل في المنطقة الشرقية اسمه جبل الظهران وسمعنا عنه من آبائنا الذين التحقوا عمالاً أميين بشركة الزيت,, منذ قبل مجيئنا للحياة لكننا رأينا حيزاً صخرياً تشقه عدة طرقات للسيارات ثم ما لبث بعد ان التصقنا به,, أن انطمس,, فتك به حتى سوي به الأرض, فكنا في مواسم الصيوف نقطع آلاف الأميال بالسيارة إلى الجنوب، وأول ما يبهجنا نحو الجنوب منظر الجبال، وأشجار الطلح والقرض والسدر ورائحة الفضاء الواسع النقي.
بالطبع، أنا لا اعني أن الأمكنة يجب أن تساير مطالبي,, لكنني وجدت قلمي يسعى لإعادة تراكيب الأشياء بحكم مرجعية ذائقية، ودون الوعي بهندسة الأمكنة الجديدة وملابسات ضرورياتها وبيئات إنسانها، في القاهرة البعد الشديد اجتماعياً وبيئة ومعيشة، وفي عمق الليالي الموغلة في الغربة ولاسباب غير اختيارية,, كتبت رواية الوسمية بحميمية ومرجعية معيشية دقيقة، لكنه يبقى المكان القاهرة كمين آخر له مواصفاته ونماء ثقافته وأناسه و,, إلخ.
في لندن الضبابية,, عرفت طعماً آخر للضباب في الجبال
رواية في عشق حتى حكاية مختصرة لامرأة عشت هائماً في عشقها,,!
لن أتوقف عن المسيرة وفي سحابة الصدر أقوال لم تمطر بعد,,!
انقر هنا لتكملة الموضوع