** نشرت عدداً كبيراً من قصائدك تحت عنوان ترنيمة في جريدة اليوم في العامين 77/87م، ياعبدالعزيز: أين الشاعر الذي كان يمكن له أن يصبح من أبرز فرسان كتاب قصيدة النثر الجديدة لدينا؟
وكيف اقصيت تلك الطاقة الشعرية والوجدانية العاشقة للمرأة جسداً وروحاً؟
- كثيراً ما يقع المبدع في الكتابة لعدد من الأسفار حسبما تجرفه رياح التعدد التعبيري، فتارة يرى في قدراته إمكانية الشاعر، ومرة القصة، وأخرى المسرح وهكذا,, ثم يجد أنه كان غائباً عن مرفأ ما يستطيع أن يضع فيه عناء رحاله ويتزود بمعرفة حرفية -إذا جاز التعبير- للسفر من جديد,, تلوح له منارات مغايرة على الشاطىء كالمنار يعني محطة إبداعية لجنس إبداعي, لكنه لا يرى أنها محطته التي يرتاح فيها وينطلق منها في اسفاره,, انني استنفذت وقتاً, وقبل إصدار مجموعتي القصصية الأولى, داخل فناء ملون من الشعر المنثور، والذي يتخذ أحياناً نوعاً من الاتفاق مع التفعيلة أو القافية كما يجري به السرد، لكنها -تلك المرحلة- كانت قادرة على التعبير عن حالات معينة من الوجدان أو الاحتجاج، أو عدم المصالحة مع الذات حيث لا يصلح في فلاشاتها غير الشعر، العبارة الأدبية ونحت المفردة كانتا حليفتيّ، وانقدت معهما، فكتبت عدداً من الترنيمات -كما اسميتها- نشرت بعضها في جريدة اليوم آنذاك وكنت مشرفاً بملحقها الثقافي,, ثم بدافع الوله الشعري المزعوم، تجمعت في ديوان من الترنيمات بعنوان توسلات في زمن الجفاف ضاعت حماسة الشعر أو حولت إلى متابعات القراءة، وعادت الحمى إلى الافتتان بالقصة إلى أن أدخلتنا سبي الرواية التي لا يمكن ابداً أن يقوم في منابها شعر ولا تشكيل، ولو أن تلويحات من الإشارات الفنارية البعيدة ترفع نارها,, لكنني أراضيها أحياناً كحب قديم في سياق الكتابة الإبداعية -دون حشو- بعض أزاهير الحلم، أو الاستفاقة الطفولية المدهشة.
** دعني انتصر لمجموعتك القصصية الأولى موت على الماء ولعلني أفسر ذلك بمعايشتي لزمن كتابتها أو بكتابتي لمقدمة نقدية لها، أو بأشياء أخرى.
وارى أنك قسوت عليها كثيراً وأعتقد ان لغتها الشعرة المتشحة بالمجاز الغامض ليست عيباً في حد ذاتها وإنما القصور قد يكون كامناً في حداثة الوعي والمعرفة وعمق التجربة لدى الكاتب، ولسوف نستدعي الى الحديث مليحة الغنم,, والحماطة,, واللوز,, وسواها أليست عوالم القرية كامنة هناك ومصاغة بلغة شعرية طقسية لم تكن تجربة الكاتب كافية آنذاك للتعبير عنها؟
- مجموعة موت على الماء القصصية الأولى,, كانت -وبحق- نتاجاً لما قدمته في أولها من تقديم، ولعلني كنت على نقيض ما تفضلت بكتابته في مقدمتها,, أعني -وقتها- لكنني اليوم بوعي احترم ما كتبته دون وعي -عقلاني معرفي مني تجاهها-.
لكنك مع احترامي لاستاذيتك السابقة لإداركيتي,, وحدت اليوم,, أنها جد معقولة,, وقد تنبه الأستاذ الناقد حسين حمودة في -مصر- إلى أن لديّ نوازع كتابية دفينة نحو القرية وعالمها, وقد نشر ذلك في مجلة الدوحة .
لقد استفدت كثيراً من هذا الرجل الجميل في مسألة جذب النظر إلى عالم القرية,, العالم الخاص برغم انقطاعي الطويل عن ملاحظاته المقدرة المحترمة, ولعلي برغم تجاوز الوعي,, لم أره ولم أقابله,, لكنني للأمانة اشكر فضله الفعال في كتاباتي الروائية الأولى.
لكنني,, لا أنسى أبداً وقوفك ومزاملتك, وتزويدك بالكتب المفقودة محلياً وبانسانيتك العظيمة وقتها,, صحفياً وثقافياً وإبداعياً,, بالرغم من صلابتك أحياناً,, يامعلمي الشاعر علي الدميني ! الصديق الجميل، بالرغم من قريتي الصلبة وجفاف تعاملي معك، ومع أستاذنا محمد العلي وجبير المليحان أحياناً.
إن جريدة اليوم بجماعتها الكتّاب,, كانوا أساس توجهي نحو سبيل الكتابة,, برغم معاندتي وإصراري الصخري الكتابي وأيضاً -بصدق- تجاه الأستاذ محمد الصويغ الذي شجع كثيراً من لوحاتي التشكيلية الأولى، وصرعني مراراً تجاه كتاباتي الصحفية والفنية، وذلك لحرصه الشديد فقط، على جريدة اليوم بالدمام التي كان يرأس تحريرها آنذاك.
أذكر أنك يا علي الدميني كنت أول مرافق لي لأول سفرة خارج المملكة 77/1978م- إلى مصر، وكان الأستاذ الناقد سامي خشبة مترجم جزء من مؤلفات كولن ويلسون الفيلسوف البريطاني,, حين اختار قصيدة منك وقصة قصيرة مني بعنوان الغنم,, مليحة,, وموت الحماطة ونشره في الملحق الثقافي بجريدة الجمهورية بمصر !, لا اعرف بالتحديد,, اي عام, لكنه كان في سنة ترجمته لالإنسان وقواه الخفية لذات الفيلسوف الانجليزي، وقت زيارتنا له بالقاهرة ذات عام, فلعل هذه المناخات والصداقات والقراءات أثرت في كتابتي لمجموعة موت على الماع ، ولكنني ما لبثت أن خرجت منها إلى ذاتي وعالمي الذي أحسه بحنان شديد لاكتب منه بساطة وعمق ما أتحسسه منه وذلك في كل مجموعاتي ورواياتي التي تلتها.
** إذن دعني أكمل الحديث عن موت على الماس حين نتحدث عن مستويات اللغة في كتاباتك، يرصد البعض انتقالك من تجربة موت على الماء من لغة تجريدية طقسية ذات تكثيف ونبر شعري عال، ومجاز موغل في انزياحه إلى لغة مغايرة ذات جمالية تأملية ساخرة في مجموعاتك الأخرى خاصة أسفار السروي والزهور تتثاءب في النافذة ثم إلى اللغة البسيطة السيالة في بعض رواياتك الوسمية مثلاً والتي تتعامل مع اللغة كوسيط ناقل بمعزل عن جمالياته.
ويرون انك لو حافظت على جمالية شعرية موت على الماء وتأملية وحكمة ما بعدها لكان لنصوصك الروائية ثراء إضافي هام فما رأيك في هذا التحليل؟
- أرى أن الإنسان عموماً، وليس الكاتب المبدع وحده,, هو نتيجة تجربة كتابية وإنسانية أولاً,, تصل إلى الحد الذي وصل إليه,, أنا كتبت في مرحلة أعتقد أنها ثائرة الدم والعصب والفن ,, مجموعتي الأولى موت على الماء النقاد اعتبروني ضدها لغة وفكراً بحكم اليوم,, لا مشكلة!.
أنا اليوم نهاية القرن وبحكم التطور المرحلي في العمر والتجربة ,, لا يمكنني أن اكتب لذات اللغة والنحت المفردي الخاص، في مجموعة موت على الماء ,, مع أن الموت لايزال قائماً,, لكنني أدركت بعد غياب سبع سنوات -من هذا الإصدار,, أنني اكتب لفئة خاصة، وفي اللغة تحديداً,, مما جعلني أعيد النظر في هذه المسألة,, فكتبت الوسمية وأسفار السروي بعد سبع سنوات من الانقطاع رأيت أن على الكاتب أو المبدع الفني,, أن يخاطب واقعه، وليس العالم المتفوق من أجل مواكبة المدارس الفنية,, نحن نعيش في واقع متخلف جداً,, ثم ان واقعه لا يفهم من لا يخاطبه,, لقد آمنت بأن اللغة هي الوسيلة التعبيرية الوحيدة -ضمن الظرف المتاح- القادرة على الوصول إلى أكبر قاعدة من المجتمع، وبعد كثير من الأسئلة مع الذات الإبداعية,, رأيت أن تكون لغتي في رواية الوسمية لغة معيشية يومية مهما بلغت درجة تنازلها -قياساً بموت على الماء -رأيت أن التي يقف بيننا ككتاب مبدعين، وبين العالم الذي نتوجه إليه,, هي اللغة وسيلة المخاطبة التعبيرية,, إذاً لماذا نقحمهم في التجارب اللغوية، وتحديداً التجريبية التي قد تكون مسرحاً,, لكنني أتحدث عن اللغة.
رايت بصورة واقعية,, أن المجتمع لا يمكن أن يفجر بدعوى اللغة فقط,, وإنما لأسباب مهمة أولها: لغة التخاطب -الممكن- لغة الكتابة- ولا اقول المايكروفون أو المنبر, أو غيره من الوسائل المتاحة والمحددة لتطويع الشكل التقليدي المكرر.
ونحن قوم متخلفون حقيقة,, تلقيدية مسايرة لما يملى عليها -بصرف النظر عن الوسيلة- أنا لا أعتقد بأن الإنسان في أي مجتمع كان,, هو محصلة تلقائية بليدة لما يملى عليه، وفي ذات الظرف -ليس خارج ملابسات ظروفه- لذا كان عليّ بحكم هذا المفهوم,, أن أتوجه إليه بلغة قادرة على الوصول,, قد يكون في هذا تنازل عن قيمتي الفنية اللغوية,, لكنني واقعياً,, لا استطيع أن اقفز خارج أسوار المجتمع في حدود التوازن بين الفنية المعاصرة والخاصة، وبين الواقع، إنه لأمر صعب جداً، لكنني حاولت وربما نجحت قصصياً وروائياً,, قصص مجموعة أحوال الديار كانت من أهم ما صغته في حياتي القصصية للمجتمع القروي,, لم ينتبه بعض النقاد إليها، فالنقاد وبعضهم يقرأ النتاجات الإبداعية الكتابية حسب منظوراتهم، وأكاديمياتهم,, ولكننا في التاريخ -ككتّاب - أقوى الجميع!
** أعتقد أن أحد أسباب عدم الالتفات إلى تلك التجربة الكتابية المتميزة في أحوال الديار وما تلاها مثل رواية في عشق حتى مثلاً، كان بسبب كتابك الدقيق والعميق مكاشفات السيف والوردة لأن هذا الكتاب فجّر الكثير من القضايا الفنية والتأملية والنقدية ايضاً, لقد كشف هذا الكتاب لعبة الكتابة واستراتيجيتها لديك فانشغل النقاد به عما سواه!
- أفلح إلمح لك ضيعه ,, هذا كلام لا ينبغي أن يكون,, المكاشفات عمارة تطل على داخلي ككاتب وليست عملاً سردياً، وإذا كان هذا الاستنتاج صحيحاً -وأرجو ألا يكون كذلك- فإنه أمر غريب منك ومن نقادك هؤلاء.
** تتميز كتابتك للقصة القصيرة بسمات عدة على صعيد اللغة من خلال التأمل وخلخلة السياق النحوي ونحت مفردات جديدة وحضور المفارقة الساخرة,, إلخ ونجد ذلك أيضاً في مقالاتك الجميلة، بينما تقل هذه الكثافة اللغوية في نصك الروائي فكيف تفسر لنا ذلك؟
- قد يكون هذا ملموساً عندك كناقد، أو كقارىء -يحمل ذائقة فنية,, وبالطبع فأنت تعلم أن الكاتب الذي ترى قلمه يخوض بمستويات مختلفة في اللغة.
أصدقك القول: انني لم افكر في هذه النقطة، لعلني فكرت في مسألة عدم افتراض الوعي لدى القارىء وإنما خلق الوعي فيه أضيف مع ملاحظة أنني كاتب يطرح ابداعاً في نسجيه إنسان -عالم-,, فأنت لا تستطيع أن تكون مبدعاً فقط تضع تحت مخدة ما تكتب شهادة الآخرين أو إعجابهم,, هذا لا يشغلني,, التأمل لتفصايل الحياة وجزئيات تراكيبها,, يحتاج إلى لغة غير استعراضية,, لغة تتحرك في جنباتها السردية المشاهد المنمية,, قوة العبارة الروائية -في نظري- تكمن في عرض البلاغة الفنية خلفها وليس في واجهتها اللغوية المباشرة، وإذا كانت القصة القصيرة تملك خصائصها في تكثيف اللغة مثلاً,, فقد تكون هذه الخاصية غير موجودة في العمل الروائي، أو بمعنى لا مكاناً ضرورياً لها.
هذا لا يعني أن الكاتب يتحرك في حدود النظرية التي يراها الناقد، أو موازينه في كيل العمل، فهذه معركة مضحكة، وإنما لأقول:
الانتصار ليس في اللغة المبهرة التي تشكل إناء العمل,, فقد جربت ذلك ورأيت انني مبدع لغة فقط، أكسب من ورائها تصفيق المثقفين المتذوقين وإطراءهم، ولست كاتباً غير قابل للاحتمالات بما فيها فهم ما أكتب، وإلا لن أقدم شيئاً يستحق أن يكتب، وبالتالي أن يقرأ.
لقد رأى البعض أنني كتبت عملاً مجيداً هو موت على الماء ولم أكتب شيئاً بعده، والسبب مستوى اللغة الشعرية فيها، لكنني أرى غير ذلك تماماً,, لأنه لو أردت أن أنحت لغة من أجل اللغة بعد موت على الماء لفعلت وليس ثمة صعوبة,, بل إن هذا قد يرضي غروري,, غير أن قناعة ما أكتب به اليوم,, لم يأت لمجرد مزاج، وإنما نتيجة لصراع طويل مع الموازنة,, الموازنة بين الفن والمحافظة على قيمته الدلالية,, الخاصية -وبين القارىء الذي لا ولن يفهم لغة الكترونية خاصة، ربما كانت قناعاتي نقيض ذلك تماماً، وأرى أيضاً ان الأعمال الروائية التي كتبتها,, لا تخلو من الفن الذي استوحيه من نوعية العمل -وليس صيغته- مع كوني في ذات الوقت مناهض للغة المجردة.
** كما نعلم بأنك من الروائيين الذين اطلعوا مبكراً على تنوع وغنى تكنيك الخطاب الروائي المعاصر عربياً ومترجماً عالمياً، ولكننا نجدك في أعمالك الروائية قد انحزت إلى تجربة السرد الروائي البسيطة التي تعتمد على تساوق نمو الحدث والزمن معاً في خطية تتراكم وتتشابك علاقاتها تدريجياً حتى تفضي إلى خاتمتها، ولعل ذلك ينسجم مع رؤيتك للرسالة وطبيعة العالم القروي الذي تشتغل عليه وطبيعة القارىء المتخيل المرتبط بداهة بذلك العالم، وهنا نتساءل، واستناداً إلى خبرتك الطويلة في كتابة الرواية، عن رأيك في إمكانية الاستفادة من تلك التقنيات وتبيئتها في عمل روائي قادم لك؟
- أظن أن العالم الذي يمثل مادتي الكتابية في الأعمال الروائية، والذي يحمل عمقاً بعيداً في الجذورية، أعني التراكم الثقافي مع المنتج، له أبعاد كثيرة، ولا يمكن أخذ ما أكتبه على أنه كل تلك الأبعاد، غير أنني أحسست بضرورة الموازنة مع المحافظة على المنظور التوثيقي الحقيقي -كواقع- وبين صراعي الصعب مع الكتابة السردية الروائية فيه، لذلك كانت المسألة مقلقة لي على الدوام,, يضاف إليه في البداية أنني كاتب واقعي، حيث يعتبر البعض أن الواقعية مدرسة لها أساتذتها ومناهجها الدراسية التي تشكل سوراً له حدود، وهذا غير صحيح، عندما أكتب بواقعية فليس معناه حجري على عدم استعمال تقنيات الكتابة أو التكنيك!, فاللغة ليست ملكاً لكاتب دون غيره، ونحن لسنا أمام مخترع علمي نبدأ فيه حيث أنتهى الآخرون، بل أمام كائن حي اسمه اللغة,, يتطور بتطور الحياة بمجملها، ومعطيات الإنسان اليوم تتطلب أن يكون معها بالضرورة لغة متطورة، تستوعب التعامل معها، أما بالنسبة للتقنيات الروائية العربية والأجنبية -والتي قرأتها مترجمة- لا تعني أنها مخترعاً علمياً، لذلك لكل كاتب تقنيته ولغة خطابه وأنا واحد من هؤلاء.
** ذهابك ثم عودتك حول اللغة والتكنيك,, يعني لي أنك ترى أن اللغة كإناء جميل يجب التركيز عليه، وبصورة أساسية في العمل الروائي,, وهذا يمثل وجهة نظر بعض النقاد والقراء، وهذا طبيعي مفترض، فيه مبرراته وقناعاته,, لكنني قد لا أرى ما ماترى، فاللغة لديّ هي وسيلة تخاطب وتعبير، لكنني أيضاً لا أنفي أبداً - وظيفياً- ان قلمي مسؤول عن الارتقاء بذائقة القارىء -فنياً- أنا أعلم هذا ولا اعتبر كتابة العمل الإبداعي خارجة عن استراتيجيتها,, ولكن,, هل ترى أننا نستطيع أن نستقطع اللغة عن بقية الأمور الاجتماعية اقتصادياً وثقافياً وتاريخياً ومعيشياً,, بحيث نعمل في سبيل جعل اللغة الشاعرية هي العمود الأول للتعبير، فتطوير الشكل في المسألة الاجتماعية: لا يغير الجوهر -اللب- فكيف لو رأينا أن الكاتب عموماً، ليس إلا رافداً فاعليته لها حدودها وإماكانياتها,, ومجتمعنا مقل جداً على صعيد القراءة,, إضافة إلى أن الكتاب أو المادة القرائية تقع تحت مستوى الاهتمام المؤسساتي، فالواقع يقول: إن الاهتمام بتجارة البصل، أو الصلصة يحتل اهتماماً في التوزيع والمتابعة والتموين المستمر,, أكبر من مجرد التفكير في الغذاء الثقافي.
- إذا كانت كتابتي الروائية بسيطة اللغة، بل إن الوسمية قد كتبت بلغة المعيشة اليومية,, فما المشكلة في هذا؟!، علمت أن الأميين في القرى الجنوبية,, يجعلون أولادهم وأحفادهم يقرؤون عليهم ما اكتبه,, لأنهم يجدون إنسانيتهم فيها وبلغة مفهومة، وهنا تكمن إحدى استراتيجيات اللغة التي أتحدث عنها، هذا لا يعني أنني كاتب -اقليمي أو قبلي- فقد تعرضت الرواية إلى مستويات من الاقلام النقدية والقرائية من خارج المملكة وبصورة مشجعة,, ترى في ذلك أنني أكتب بلغة المعيشة اليومية، أو بلغة بسيطة وليست أقليمية بالطبع.
لعلك ترى أن أعمالي الروائية لم تكتب بتقنية واحدة، فالوسمية تختلف عن الغيوم وصالحة ليست كالحصون وهكذا,, بالرغم من كون العالم هو ذاته وذات القوام وذات المكان، لقد تطلبت كل رواية تقنيتها التي رأيتها تناسبها دون تنظيرات مسبقة.
** يلاحظ على الرواية المحلية إغفالها للواقع المعيش واستبداله بواقع آخر، إما باستلهام هموم المثقف أو قضاياه الثقافية والفكرية والسياسية وإما بالعودة إلى عالم القرية القديم وتحميله قضايا معاصرة، أو بالذهاب إلى الخارج لتحريك شخصيات النص في بيئات مغايرة تسمح بحرية التعبير والتعرية للعلاقات الاجتماعية والعاطفية وحتى الفكرية.
ياترى ما الاسباب الكامنة وراء ذلك؟
** وهل تتوقع ان تظل الأسباب المتعددة في موقعها حتى بعد بروز فعل آليات الاختراق الكلي للحواجز في عصر العولمة من فضائيات واتصالات بما فيها الانترنت؟
- أفهم من قولك عالم القرية ,, أن المقصود به العودة إلى الماضي كحل اسقاطي، أو كطريقة لإظهار عدد من القيم الحضارية التي كانت سائدة في الواقع القروي القريب، ومدى تأثر تلك القيم حالياً فيمن ورثها أو مارس بعضها.
نعم,.
لو قلنا إن الرواية -من إحدى الزوايا- هي كشف لعالم مغطى- بصورة او بأخرى حتى لو كان على صعيد التجربة الشخصية، فإن كتابة الرواية ستصطدم فوراً بعدد من الأسوار التي لا تسمح بالكتابة الروائية -تحديداً-.
إن كلمة حرية تعبيرية لا يمكن كتابتها على لافتة وحملها على بوابة الكتابة والكتّاب,, حيث إن هذا قول مثالي مالم يكن مرتبطاع بكليته بالواقع الاجتماعي، وأظن أن المثقف يعلم ذلك، ويعلم عبر عدة عوامل محشوة بالوصايا والمحاذير منها -الرقيب الذي تربى مع الزمن الكتابي في ذاته-,, كيف يصنع حلوله الكتابية, بحيث يستمر ويستطيع أن يقول شيئاً مما يحمله من جمال مهذب تجاه الواقع.
كاتب الرواية -في حدود تجربتي الخاصة, لو وضع أمامه تلك الحواجز والموانع، فلن يكتب شيئاً، إذ إن حاجز الفهم الاجتماعي التقليدي الذي يكون مادة الكتابة,, سيكون أول المحبطين لمشروعه الكتابي، فنحن في عالم شديد الوصاية، متخم بالعيب والشائعة، ولو لمجرد الذكر، ولعلك تعلم أنني عانيت من هذه المسائل التي علمتني الكثير.
إذاً,,
الأسباب الدافعة وراء الكتابة من الخارج، أو العودة إلى الماضي - في الضفة الأخرى- معروفة، وكما يقال فإن الحاجة أم الاختراع .
** ماهي أقرب أعمالك الروائية إليك وكذلك القصصية؟
,, كلها قريبة، لكنني استطعت أن أرتاح قليلاً تحت ظل ورقات رواية (في عشق حتى )، ربما لأنني قلت مما يقع في السريرة وبصورة صادقة ومباشرة دون وسيط.
** كيف تكتب الرواية؟ وهل تخطط لها؟ هل تعدل وتضيف لمسودتها؟ هل تتركها فترة طويلة ثم تعود إليها ومتى تقرر نشرها؟ وما الفرق بينها وبين كتابة القصة القصيرة؟
- لعلك ترى العالم ألفني الذي أنبش منه خامتي الكتابية,, كنت في البداية أقف أمام جبل كبير، لا أعرف
استفدت كثيرا من هذا الرجل الجميل في هذه المسألة
مناخات القاهرة وصداقاتها وقراءاتها أثرت في كتابتي لمجموعة موت على الماء
انقر هنا لتكملة الموضوع