Monday 14th June, 1999جريدة الجزيرة 1420 ,الأثنين 1 ربيع الاول


كتاب الثامنة عشر تجربة مضحكة,, لكنها بظروفها ومحصولها الثقافي

كيف اقتحم حدود ولم؟ ثم أصبحت الأمور بمجرد مرجعية الفكرة,, تتعاود الاشياء وتشكل ذاتها لتقيم خطوطها دون تخطيط مسبق,, تبقى النهايات، حيث لم أتعود الوصول، أو الركض للوصول إليها، وهو أصعب ما يواجهني في كتابة العمل ا لروائي، لذلك تجدني أدعها مفتوحة للاحتمالات في الغالب.
اكتب الرواية -وكل كتابة تقريباً- مرة واحدة هي السوداء وهي الأخيرة البيضاء,, ربما استفدت بحكم المنسوب البصري,, كيف أفكر قبل وضع الكلمة وليس أثناء وضعها أو بعدها، ربما جعلني ذلك أتعامل مع الكلمة المكتوبة بحرص ودقة شديدين,, غير أن هذا يحتاج إلى تريث وأحياناً بطء، وعندما أكتب مقطعاً أقرؤه واستبين اخطاءه فأقوم بإصلاحه، ولا أتركه حتى أكون قد ضمنت بعدها كيف أبدأ فيما يليه، أو على الأقل، معرفة النقطة التي وقف عندها القلم.
أنا لا أعيد كتابة ما كتبت، وإذا كان ثمة بعض التعديلات فإنها لا تأتي على الخطوط العريضة أبداً، ولا أذكر أنني بنيت دوراً فهدمته من أجل هيكلية التغيير، مع انني أتمنى لو أن ذلك يحدث.
وأجدني هزيلاً إلى حدود العجز حين لا أجد مكاناً لنقل بعض جدران البناء من الداخل، بل وأحسد الكتاب الذين يعيدون كتابة ما كتبوا، فلاشك أن ذلك يمنحهم نافذة لإضاءة هواء المبنى.
لم يحدث وأن كتبت عملاً روائياً في اقل من عام، وبعضها استنفد مدة طويلة مثل رواية صالحة التي نسجت بين حالة وأخرى لوقت يقاس بخمس سنوات ثم قدمت للنشر.
عندما أكتب العمل، لا تأتي في بالي جهة النشر أو مكانها أو حتى فكرة النشر,, أكتب فقط وأعيش الكتابة وشأن موضوعها في كل شيء، عندما أنتهي من كتابتها,, فهذا يعني لي أنها جاهزة للنشر، تبقى القراءة الأخيرة التي أسميها قراءة النشر .
أما كتابة القصة القصيرة فتختلف اختلافاً واسعاً,, حيث إنها لا تأخذ وقتاً إلا لحالتها، وزمنها النفسي اللائق، ولم يحدث أن كتبت قصة ثم تركتها في مقطع ما للتكملة,, القصة إذا ما حانت فهي -برغم صعوبتها- غير أنها كالولادة التي ينتهي ألمها بالبشرى,, حيث تجد أنك حققت نصراً ما، ومكافأة لها قيمتها النفسية العظمى.
عندما ألاحظ أن القصة تتوقف عند مقطع أو نقطة ما,, أجزم مع ذاتي أنها فاشلة: فأدعها قائلاً لعلك أجهضتها.
أقتل بالاستعجال فرحتها، وتلك الفرحة لن تعوض,, لأنك لا توقّت للفرحة ولا تتحكم في حجمها.
** هناك عناية فائقة في اختيارك لعناوين نصوصك، متى يبرز العنوان وما دلالته بالنسبة إلى العمل الإبداعي؟
- لا اعتقد دوماً أن المسمى متصاهر مع الاسم، ولا أن الاسم دائماً دال على العمل المكتوب.
فأحياناً لا يكون ثمة أية علاقة بين النص المنسوج وبين اسم العمل، لا ارى في ذلك عيباً، لأنك تخطىء لو قلت أبداً الجواب معروف من عنوانه _أي الرسالة- فالعمل الكتابي يميل في تسميته إلى تفصيلة رضى خاصة في داخل الكاتب، وليس هناك قانون في هذه الجزئية فهي في سياق الإبداع، الذي لا توجد له منطقية في التعامل,.
لو أنك وضعت الاسم قبل الشروع,, فقد خالفت حرية الشرعية الإبداعية بحيث تقيد قلمك ضمن إطار محدد لكي تحافظ على الاسم.
ربما كان من أصعب الأمور في العمل الإبداعي إيجاد مسمى له, أو الوقوع في بركة الاختيارات.
أنا لا اقبل أن استشير أحداً في عنوان مؤلفي، لأنني لا اقبل أن أكون مستشاراً للعناوين من قبل الآخرين، وعادة ما أرفض هذه الوظيفة لدى من يطلب.
إن العنوان الذي لا يعجب,, لن يقدم أو يؤخر في الأمر ذلك أن العمل بكامله بين عينيك، لأننا نحتاج أن نجعل للعمل عنواناً وهي حاجة رمزية دلالية,, هل تقول قرأت النص الروائي الذي كتبه فلان,, اي نص؟ لابد من وجود تسمية حتى ولو كان عنوانها بلا عنوان أنت والد المولود فسمه كما تشاء, تعجبني عادة في التسميات عند إحدى القبائل المحلية، فهم يسمون المولود باسم الحالة التي تقع فيها الولادة,, فإن كانت حزينة أسموه حزيناً، وإن كانت مرضية اسموه رضا، وإن جاءت في لحظة مطر,, اسموه كذلك وهكذا,, فلو ولد المولود في لحظة مدفع الافطار أسموه مدفع ومنها عذاب وضيف وكتاب يعني رسالة، وصوت وليل، و,, إلخ.
** ماأهم الكتب التراثية التي استفدت منها سردياً؟
- كل الكتب التي قرأتها تقريباً,, كان لها فائدة، واقل ما يمكن قوله أنها تهذب لفظك قبل خروجه من بطن القلم، كان للصدف دور في انتقاء القراءات التراثية وأذكر على سبيل الذكر كتاب الامتاع والمؤانسة- لأبي حيان التوحيدي ، ورسالتي الغفران والملائكة لأبي العلاء، وكتاب المخاطبات وكتاب المقامات وغيرها غير أنني أدين جداً لطه حسين الذي علمني فكراً ولفظاً وبالتحديد في كتبه الشيخان وعثمان وعلي وبنوه وكتاب له قديم عنوانه الأليثيين ، مما دفعني لقراءة محمد صلى الله عليه وسلم وعلي إمام المتقين لعبدالرحمن الشرقاوي,, هذه محطات لها علاماتها الأثيرة في قراءاتي,, كدت أنسى بدائع الزهور لأبن إياس هذا الكتاب استطاع أن يصور لي التاريخ سينمائياً، وعلى هيئة مدهشة ودقيقة ولن أحدثك عن أخبار النساء لابن الجوزي، كم وكيف نتحدث عما قرأت في التراث مما صادف قراءته,, اقول ما صادف فقط وضمن محدودية ضيقة جداً.
** لك كتاب صغير,, كتاب جمع مادته صبي في الرابعة عشرة واصدره في السابعة عشرة، هو باقة من أخبار الأدب,, ترى لماذا تهمل ذكره رغم دلالاته على مكوناتك الثقافية التراثية واهتمامك بعالم الكتابة والنشر منذ الطفولة؟
- نعم,, كان ذلك في عمر 18 عاماً,, وهي تجربة مضحكة,, لكنها بظروفها ومحصولها الثقافي البسيط جداً، ولا ارى أنها تستحق الإشارة.
**لو قمنا بزيارة إلى مواقع أبطال أعمالك، فأي المواقع ستبدأ بزيارتها أو تأملها من على سطح منزلك في قرية محضرة التي تطل على مدينة الباحة؟
ومن هم أبرز أبطال رواياتك الذين ستزورهم في منازلهم أو مقابرهم؟
ومن هن أبرز الشخصيات النسائية اللواتي تحس بحنين إلى وجودهن في تلك القرى؟
- لا استطيع ذكر الشخوص الذين وردوا في الروايات أو القصص القصيرة,, ليس لأنني لا أعرفهم، بل لأنهم يمثلون نماذج غير مغايرة في القرية الجنوبية، ولعل من الصعب الإجابة على مثل هذه التفاصيل بالتحديد فأنت تسألني عن ميكانيكية الشخصية وكيفية توظيفها أو ما يشبه هذا,, غير أن تحديد الشخوص بعينها، أو المقابر التي تأبدوا دواخلها، أنا أعرف المقابر التي تقع في قريتنا، وهي في خمسة مواقع تقريباً، فقريتي تمثل خمس جماعات متباعدة، كل جماعة تمثل قرية صغيرة وكلهم برغم المسميات التي تحملها كل مجموعة,, إلا أنها تمثل قرية واحدة كبيرة اسمها محضرة كمسمى جامع لكل ما يجمع الجماعة الواحدة.
أذكر جيل الأجداد والآباء والجيل الذي تقارب معي، ببيوتهم ومزارعهم، وربما بألوان مواشيهم وربما طباعها والتعامل الذي تختص به,, كثور فلان المتمرد، وحمارة فلان الشرود، وبقرة فلانة التي لا تأكل غير البرسيم وقصب الذرة، وتحلب كثيراً.
أحياناً أحتاج إلى معرفة لون ملابس امرأة ما,, فأستعيدها بدقة من حذائها إلى شيلتها ومعصبها وحتى الخواتم الفضية التي كانت تلبسها وفي أي الأصابع تضعها؟
أتذكر مشعاب فلان, وجنبيته، واسم بندقيته وماركتها,, واحد في القرية كان يملك غدارة وهي شكل رخيص للسيف، ويملك رمحاً قديماً، ويعلق على كتفه بندقية صيد، لو وضعتها بين مائة بندقية مشابهة لاستطعت الآن أن أحددها لك، أعرف فلاناً الذي لم يكن يلبس الحذاء ولا الجاكيت ولا العمامة البيضاء أو العقال، وعندما أذكر فلاناً أو فلانة فإنني أذكرهما بتفاصيل العائلة وجهة باب الدار ومكان النافذة والطريق إليه من بين البيوت.
إن حميمتي تذكر الأشجار ومواقعها، وهل هي مثمرة أو خشبية والطرق بحجارتها وصخورها الواقعة على جنبيها، وحدود القرية مع القرى المجاورة، والحصون والآبار والمزارع التي تسقى منها، أذكر العثري المعتمد في زراعته على ماء السماء، والمسقوي الذي يسقى من العيون أو الآبار.
أذكر مشب النار في كل بيت من القرى الخمس الصغيرة.
أخوالي من قرية بعيدة من قبيلة غير القبيلة التي فيها قريتنا، وكنت أذهب إليهم مع والدتي مسافة نصف يوم مشياً على الأقدام، ولا انسى تفاصيل الطريق والقرى التي نمر بها وبالطبع اسماءها ومساجدها ومدارسها الابتدائية، والشعراء المعروفين وقراهم,.
ماذا أقول؟,, إن كل شخصية تستحق أن يكتب فيها رواية، وكل رواية لا تنفصل عن الجماعة,, قريتي هي ذات القرى المتشابهة في الجنوب، والأشخاص هم ذاتهم في كثير من التماثل في أي قرية كانت.
اليوم,, اشاهد غير القرى وغير العالم، أوجس عندما أمر بها بالوحشة,, أجد أن طفولتي تذبح عند عتبة أول بيت حجري في القرية,, أشاهد الناس يبيعون عظام وهشيم أجدادهم من أجل المال والمطاولة في بناء الاسمنت والطوب والحديد,, ما الذي يبقى إذا لم اكتب عن ماضي القرى وخصوصيتها والفتها وأعرافها؟!.
** هناك من يرى أن كتابتك عن عوالم القرية تطورت تدريجياً من فكرة التوثيق، إلى جمالية حالة الاستعادة الوجدانية، إلى رؤية أخلصت بشجاعة وعمق لرؤية الانتصار للمرأة في عالم يقف ضدها حتى أفضت التجربة إلى تعرية عالم القرية من رومانسية الاستعادة وجعلها نموذجاً يشبه غيره من المجتمعات البشرية التي تقوم حياتها على الصراع بين أطراف يتحاربون بكافة الوسائل لبلوغ غاياتهم النبيلة والدنيئة في رواية صالحة وبذلك انتقلت الكتابة من طبيعتها الملحمية التي تكتب الواقع كما هو إلى طبيعتها التراجيدية، حيث تغدوالرواية كشفاً وجدلاً وتأملاً في الجانب الآخر من المأساة الحياتية.
وهذا التطور يشجع بعض المتابعين لتجربتك للقول بأن رواية صالحة هي خاتمة استلهام عالم القرية ونهايتها وبالتالي سيدخل الروائي عبدالعزيز مشري مناخاً آخر مختاراً أو مضطراً لكي يستمر في إبداعه.
ما رأيك في هذا التوصيف والاستنتاج؟
- لا أكتب من أجل الطباعة والنشر,, وفي ذات الحال لا أكتب إلا من أجل أن يحيا القارىء نصوص ما أكتبه، وذلك بمفاد يهمني كثيراً وهو أن يجد القارىء شيئاً منه في العمل,, لا أعني تحديداً تطابق أو تماثل وتشابه الرواية مع حالته، وإنما هو يجدها؟ بأية حال كانت,, كأن يناصر أو يناوىء أو يتعاطف أو العكس.
لم يكن هذا المفهوم في الذهن قريباً، لقد كان بعد صدور قصص موت على الماء -ذات النحت المفردي في اللغة- كما ذكرت، والتي أرى أنها محتشدة بزخرفة اللغة، والضبابية أحياناً.
لم افكر في النشر بعدها ولمدة سبع سنوات,, كنت أتأمل وأجرب وأقرأ,, فكانت نتيجة الديالكتيك الطويل- قياسياً بالنشاط الكتابي والحماس أن وصلت إلى مفهوم ثقيل ومهم في الفن ورسالة الكتابة الإبداعية، أولها: التفكير في طريقة كتابية يستطيع أن يقرأها القارىء فيقول فهمت أو كدت أفهم ، كان هذا على سياج القصة القصيرة,, فتكونت مجموعة قصص أسفار السروي ثم رواية الوسمية .
نعم,.
ربما تكون التوثيقية هي أحد خطوطها، بالطبع الشهادة الإبداعية التي نكشف بكتابتها عن عالم له طريقة خاصة في معيشته ومكانه ومناخه وزمنه,.
هذا الخط -كنت ولا أزال حريصاً عليه كميزة، ليس من نافذة نحن كذا وإنما من باب نريد أن ومهما كتب,.
سيبقى هناك الكثير من مناقب ومميزات وتقاليد ومفاهيم، لم تكتب، وربما عزيت نفسي بأن الأديب ليس باحثاً انثروبولوجياً.
رواية صالحة قضت وقتا طويلاً بين كتابتها ونشرها، لم أكن متشجعاً لتقديمها للنشر -كغيرها أحياناً- فكرت ثم وجدت ترحيباً مطمئناً ومحفزاً لنشرها من الهيئة العامة للكتاب في مصر فكان أن خرجت إلى القارىء.
أظنني لن أتوقف عن المسير في هذا الدرب، لأن ثمة أقوالاً في سحابة الصدر لم تمطر بعد, ليس صحيحا أن القلم سيجف بعد صالحة لا أدري,, لماذا تصورت التوقف أو الحيرة.
انقر هنا لتكملة الموضوع

رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولــــى
محليـــات
مقالات
الفنيـــة
الثقافية
ملحق الافراح والمناسبات
الادارة والمجتمع
الاقتصـــادية
المتابعة
منوعــات
عزيزتي
الرياضية
الطبية
مدارات شعبية
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved