Al Jazirah NewsPaper Tuesday  28/11/2006G Issue 12479مقـالاتالثلاثاء 07 ذو القعدة 1427 هـ  28 نوفمبر2006 م   العدد  12479
رأي الجزيرة
الصفحة الرئيسية

الأولى

محليــات

الاقتصادية

الريـاضيـة

مقـالات

فـن

دوليات

متابعة

منوعـات

نوافذ تسويقية

القوى العاملة

الرأي

عزيزتـي الجزيرة

وطن ومواطن

زمان الجزيرة

الأخيــرة

التأسيس للمجتمع المدني
في عهد الملك سعود 1 - 2
د. حسن بن فهد الهويمل

التاريخ الإنساني حافل بالملوك والزعماء والقادة والروّاد، يتحدث عمّا أصابهم أو ما أصابوه، ويصف ما عاشوه من حيوات خاصة أو عامة. يذكِّر ببطولاتهم وبمبادراتهم، وقد يؤسطر بعضهم، ويظلم آخرين، بما يضيفه لهم من ترف ومجون، رغبة في الجذب والإثارة واستخفافاً بالمصداقية. وقد يشمت بمن شاء منهم حباً في النكاية والتوهين، أو ميلاً مع الهوى حيث يميل، والتاريخ حاجة إنسانية بما له وما عليه.
والمهتمون بالقراءة التأريخية لا ينفكُّون من مصاحبة الشخصيات ذات البُعد الأممي في تألُّقهم وانطفائهم، وانتصارهم وانكسارهم، فحياتهم إمّا أن تكون قدوة أو موعظة، وما من إنسان سَوِيّ إلاّ هو حفي بتاريخ أُمّته، وهو أكثر احتفاءً بمن عاصر من بناة الحضارة والمدنية.
والتاريخ إمّا أن يكون تاريخ رواية، يتعقّب الأحداث، ثم يسردها كما هي في الزمان والمكان والأناسي، ملتقطاً ما يتداوله النقلة بالمشافهة بكلِّ حيادية، وهو المسمَّى بالتاريخ التسجيلي، أو هو تاريخ دراية، يحلِّل الأحداث ويلتمَّس الأسباب، ليكون مُعَذراً أو مسائلاً. وأكثر المتلقِّين يخلطون بين تاريخ الأُمّة السياسي والفكري، ولهذا يُحمَّل أحد التاريخين جريرة الآخر، ولعلَّ (ابن خلدون) رائد الدراية وتابع الرواية، في مقدِّمته الأطول والأشهر وفي تاريخه المنطفئ إلى جانب المقدمة.
والناس مختلفون في مشاعرهم ومواقفهم، وقد تتنازعهم رغبات متباينة يعلو بعضها بالمتن التاريخي إلى سدّة القداسة، بحيث يرى المساس بشيء منه تدنيساً للمقدّس، وزلزلة للثوابت، ويهبط بعضها به حتى يراه تزييفاً للحقائق لا يمليه إلاّ المنتصر، ولا يكتبه إلاّ المتزلِّف. وقُرّاء التاريخ ليسوا سواء في إمكانياتهم ومقاصدهم، والتخوُّف لا يمنع من التحسُّس عن الحقائق، وما من قارئ إلاّ وفي نفسه شيء من كلِّ حدث، وريبة من كلِّ شخصية، والدخول في ذمة التاريخ يحوِّل الشخصية من الذاتية إلى الموضوعية، وينقل الحدث من الخصوصية إلى العمومية، حتى تصبح الأحداث والأناسي ملكاً مشاعاً لكلٍّ مهتم بالتاريخ الإنساني، وما الحضارة في النهاية إلاّ لفيف من سير النبلاء، كما الأسد مجموعة من الخراف المهضومة.
وموضعة الزعماء تجرُّ معها لباب الأحداث، والأُمّة حين تمر بأدوار سياسية أو حضارية أو بهما معاً، تكون حفية بتعقُّب هذه المحطات، لأنصاف رجالاتها، وتحويل قيمهم الحسية والمعنوية إلى درس للاقتداء والإشادة، والتماس إخفاقاتهم للموعظة. وما من صانع للأمجاد إلاّ هو مجال اختلاف بين الناس، ومادة قَدْح أو مدح والشاعر العربي يقول:-
(إنَّ العَرانين تلقاها مُحسَّدَةً
وَلَن تَرى لِلِئامِ الناسِ حُسادا)
ولقد عَدَّ الاختلاف بعض الدارسين من مؤشرات العبقرية، وضرب مثلاً بالخليفة الراشد (علي بن أبي طالب) رضي الله عنه واختلاف الناس حوله، وليس مهماً أن يختلف المتحدثون عن الحدث أو الشخصية متى حسنت النوايا وسلمت المقاصد، ومتى امتلك المتحدث مادة الحدث ومنهج الدرس وآليته، وخطته بالقدر الكافي لإنصاف المرحلة وإنسانها. ولا أحسب المفكِّر العدل إلاّ في حل من المعية أو الضدية، متى لم يترتب على ذلك مفسدة، أو مخالفة صريحة لبرهان قطعيّ الدلالة والثبوت.
والحديث التسجيلي أو التحليلي عن شخصية سياسية معاصرة، حديث يقف بالمتحدث على مفترق الطرق، إذ تتعدَّد جوانب الشخصية وتتنازع الأهميات، وفقه الأولويات يجعل الحدث والفاعل مجال أخذ ورد، ومتعة الفكر أنّ فيه الخصام، وهو الخصم والحكم.
وإشكالية التاريخ في خلطه الاضطراري بين الذاتي والغيري، ومهما تحامى المتعقِّب تلك الخلطة فإنّه واقع فيها، وإذ وسع التاريخ الإسلامي الأحداث مربوطة بالأشخاص، فإنّه وسع أحداثاً مربوطة بالأمم. والقادة العظام يتصدَّرون صفحات التاريخ، وإذ يكون التاريخ وحدات أو فترات فإنّ على المقتفي أن يلمّ بما يقفو ليكون على بيِّنة من الأمر. وتاريخ (الدولة السعودية) في أدوارها الثلاثة يواكب تاريخ أمم قد خلت من قبل، وأمم لمَّا تزل قائمة، وهو تاريخ حافل بالبطولات، ونهاية كلِّ دور مرتبط بإخفاقات ومواجهات لا طاقة له بها، وواجب المواطن السعودي الذي يتفيّأ ظلال هذا الحكم أن يكون على بيِّنة منه يعرف فترات التألُّق وعوامل ذلك ولحظات الإخفاق وأسبابها، ولاسيما أنّ الفتن تعصف من كلِّ جانب، وناشئة الأُمّة يتخطَّفها دعاة سوء على أبواب التهلكة، وواجب المؤسسات الثقافية أن تبادر بتوصيل هذا التاريخ الحافل بجلائل الأعمال إلى ناشئة الأُمّة، ليعرفوا لذوي الفضل فضلهم، ويدركوا كم بذل من جهود وأموال وأنفس لقيام الكيان وتثبيته. وأهمية الحديث وخطورته أنّه يتناول تاريخاً لما ترفع أقلامه، ولما تجف صحفه، تاريخ متواصل، بدأت دورته الثالثة بالمؤسِّس العظيم (الملك عبد العزيز ت 1373هـ) رحمه الله، واستمرت بخلفه. والحديث يدور حول أحد بناة هذا الكيان، هو الملك (سعود بن عبد العزيز 1319 - 1388هـ 1902 - 1979م) طيَّب الله ثراه.
و(دارة الملك عبد العزيز) حين ترعى (الندوة العلمية لتأريخ الملك سعود بن عبد العزيز آل سعود)، إنّما تريد التوثيق والتأسيس، توثيق المنجز، وتأسيس قواعد المعلومات، لمن أراد أن يتزوَّد منه، والمسهمون في بحوث الندوة تتنازعهم الأحداث والمنجزات. ولقد استهوتني في هذا السياق مبادرات حضارية ومدنية، كانت ولمّا تزل تشهد (للملك سعود) رحمه الله بالتألُّق والتفوُّق، ولا سيما أنّه جاء على قدر، فالدولة لما تزل في بواكير عهدها، وبقدر الإنجاز في (معركة التكوين) تكون الطموحات في (معركة البناء) والجهاد الأكبر في مغالبة العوائق، وتحقيق متطلَّبات المجتمع المدني الآخذ بعصم الدين والدنيا.
ولما كان اهتمامي منصباً على التعجُّل بتأسيس المجتمع المدني الذي بدأه (الملك عبد العزيز) وحال دون استكماله امتداد (معركة التكوين) ثلاثة عقود الأمر الذي بطأ ب(معركة البناء)، وحين قضى نحبه، تلقَّف الراية من بعده ابنه (سعود) مقتفياً أثره، ف(الملك عبد العزيز) رحمه الله، قد أنجز وحدة إقليمية وبشرية، تمكن فيها من تأليف القلوب، وإخماد الفتن، ودمج الأقاليم، والفراغ لمواجهة الجهل والفقر والمرض، والتعجيل بإنشاء دولة حضارية، لم تكن معهودة من قبل في بلادٍ أذن الله أن تظلَّ مقطّعة الأوصال، منهكة القوى، متموجة السكان، يسودها الجهل، ويعيث فيها الفساد، لقد كان بحق المؤسِّس لهذا الكيان، والمتخطِّي به إلى عتبات التاريخ، وأبناء (الملك عبد العزيز) الذين ورثوا الحكم، وورَّثوه يعيشون خلطة مستحكمة، فهم شركاء في الإنجاز، يسهمون فيه مسؤولين وينجزونه حكّاماً.
وتاريخ (الملك سعود) الذي خلف والده حافل بالمنجزات الحضارية، وإذا كان الملك (عبد العزيز) هو المؤسِّس للكيان فإنّ الملك (سعود) هو المؤسِّس للمجتمع المدني، أو المتوسع فيه إلى حدٍّ يوصف بالتأسيس.
وعلينا أن نفرق بين الريادة للمجتمع المدني والتأسيس له، ف(الملك عبد العزيز) مؤسِّس الكيان ورائد المجتمع المدني، لقد كان من أولويات اهتمامه القضاء على عوامل الفرقة والجهل والبداوة، ولهذا أنشأ (الهجر) وبها حدّ من التموجات السكانية، وهيأ المقيمين بعد الظعن للتطلُّع إلى التعليم والصحة والصناعة والزراعة. والهجر نواة المجتمع المدني، وهو بهذا التفكير الحضاري يُعَد رائد المجتمع المدني، ويأتي (الملك سعود) رحمه الله المؤسِّس، فيما يكون عهد إخوانه من بعده عهد الانطلاق في آفاق المدنية والتحضُّر، والجيل الذي فتح عينيه على واقع البلاد والعباد يستبعد البدايات البدائية، ولا يتصوَّر حجم المعاناة التي تلقّاها الآباء والأجداد بقيادة المؤسِّس حتى أنجزوا هذا الكيان الحضاري، ومعركة التحضير والتمدين ليست بأقل من معركة التكوين.
فالدولة السعودية في دورها الثالث وسعت (الريادة) و(التأسيس) و(الانطلاق)، وكلُّ هذه المراحل الثلاث متماسكة، ومتداخلة، فهي كالحلقة المفرغة، لا يدري المتعرّف عليها أين طرفاها. والفضل كلّ الفضل يعود إلى من أنشأ هذا الكيان، وجمع شمله، ووحّد كلمته. وأيّ (مجتمع مدني) لا يكون إلاّ من خلال مؤسَّساته، في بداياتها على يد المؤسِّس للكيان (الملك عبد العزيز)، أو في التأسيس المدني على يد المؤسِّس للمجتمع المدني (الملك سعود)، أو في الانطلاق على يد إخوانه من بعده.
وإذْ عشت بواكير شبابي في عهد (الملك سعود)، فقد شكّلت هذه المرحلة بداية وعيي للأحداث، لمستها واقعاً وقرأتها تدويناً، وتمكنت من مواكبتها، لقد كنا في طفولتنا نعيش بقايا الماضي بكلِّ بدائيته من رعوية وقروية، لا نعرف إلاّ الكتاتيب والبيوت الطينية التي تفتقر للماء والكهرباء والطرق المعبَّدة، ولا نعرف من المؤسسات إلاّ الإمارة، وبيت القاضي، والنقلة الحضارية في هذه الأجواء تكون أعمق أثراً وأقوى إثارة، وأي مبادرة مؤسَّساتية في ظلِّ القناعات العرفية تكون حدثاً له دوي كدوي الرعد، وله أشياع يطيرون به فرحاً، وخصوم يخلدون به إلى الأرض، والحصافة في تحويل الخصوم إلى أنصار، من خلال الفعل لا من خلال الوعود الزائفة.
والمجتمع الرعوي أو القروي الذي ألِف حياته، وتكيّف معها من الصعوبة بمكان أن يتحوّل عنها إلى غيرها. ومن جهل شيئاً أنكره، وأحسب أنّ المتحدث عن المأسسة في ذلك العهد لا بدّ أن يشير إلى ردود الفعل المناهضة للمدنية ومؤسساتها، وإلى ما بُذل من جهود للإقناع وتهيئة الأذهان، وقد تشكِّل التحفُّظات تعويقاً لمسيرة المأسسة، ولكنه تعويق عارض لا يلبث أن يتحوَّل إلى دعم واستعجال، ولقد واجهت أجهزة الدولة المحدثة شيئاً من التحفُّظ، وقليلاً من المعارضة، ربَّما أنّها بطأت في شيء منها، ولكنها لم تصرف الدولة عن الدفع بالتي هي أحسن، وإن ترتَّب على ذلك الأخذ بالأسلوب المرحلي، وليست البلاد وأهلها بدعاً من الأمر، فكلُّ جديد تشرئب إليه الأعناق لتأخذ حَذرها، إذْ ربما لا يكون الجديد خيراً من التليد، وعلى أيّة حال فإنّ عهد (الملك سعود) رحمه الله، حفل بمرحلة التأسيس، وهي المرحلة الأصعب.



نادي السيارات

موقع الرياضية

موقع الأقتصادية

كتاب و أقلام

كاريكاتير

مركز النتائج

المعقب الإلكتروني

| الصفحة الرئيسية|| رجوع||||حفظ|| طباعة|

توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية إلىchief@al-jazirah.com.sa عناية رئيس التحرير/ خالد المالك
توجه جميع المراسلات الفنية إلى admin@al-jazirah.com.sa عناية نائب رئيس التحرير/ م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2006 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved