معاناة النفس في بحثها عن مقصد اليقين بفكر ثاقب، وجبلة في الطبع لابد وأن تكون مضنية، ومثال ذلك الإمام أبو حامد الغزالي في مجاهدة بين الشك واليقين.
ومن خلال هذه المسيرة فإن المعرفة بأثر التجربة حين نفهم أبعادها، والارتحال لرحابها ارتحال لمزيد من المعرفة بذات الإنسان في معاناته وما يستغرقه من الجهد والوقت، وهو النموذج الأمثل لرحلة ما بين الشك واليقين. وبنظرة تختزل التفاصيل على بعض مما كتب، وبالذات كتب ثلاث، وهو الذي ألف عشرات الكتب إلا أن هذه الكتب الثلاث تسهل أي حوار حوله.
وللمزيد من التفاصيل لابد من استعراض شامل لحياته الفكرية من خلال كل مؤلفاته. وما أقترح الحوار بصدده يعتمد على كتب ثلاث، الأول (المنقذ من الضلال)، والثاني (تهافت الفلاسفة)، والثالث (الإحياء).
وقد تعتبر خلاصة لرحلة فكر ومعاناة نفس، بالمنقذ من الضلال إن لم يكن سيرة لفكرة فهو بيان لمعاناة فكر ما بين الشك بسؤال يعقبه آخر حتى يستقر به الحال مطمئناً إلى اليقين، سجل في كتابه (المنقذ من الضلال) مراحلها في جانب ما يراه حول علم الكلام ومذهب التعليمية، وعن الفلسفة والفلاسفة، وأنهى ذلك بحديث عن التصوف، وفيما احتوى هذا الكتاب إشارة إلى طرح جديد لم يسبقه سوى الحارث بن أسعد المحاسبي في مقدمة كتابه (الوصايا).
والكتاب الثاني (تهافت الفلاسفة) حيث يتوجه بالرأي في أمر الفلسفة والفلاسفة، وأن أكثرهم اعتمدوا منهجاً عقلياً انخدعوا بأشياء انبثق عنها رؤى قد يكون رافضاً لبعضها دون أن يحمل معوله ليهدم شيئاً منها، وفي قوله هذا إيضاح حيث قال: (أنا لا أدخل في الاعتراض عليهم إلا دخول طالب منكر لا دخول مدع مثبت فأُبطلُ عليهم ما اعتقدوه مقطوعاً بإلزامات مختلفة فألزمهم تارة مذهب المعتذلة، وأخرى مذهب الكرامية، وطوراً مذهب الواقعية، ولا استنهض ذائباً عن مذهب مخصوص).
وأبو حامد فيما يرى أن كل توجه فكري لا يستند في الأصل من علم لعالم مطلق علمه وهو الخالق عزّ وجلّ، وبالذات في بحوث ما وراء الطبيعة، لابد وأن يأتي بعائدٍ الشك محتواه باستقرار مفقود وقلق يتزايد.
والكتاب الثالث (الإحياء) والبارز في كل ما تعرض له تعميق المعنى من (الإخلاص) في كل عمل أو فكر، ولعل كتابه (المنقذ من الضلال) مما يحسب على الاعتراف بمراحل فكره بأكثر من اعتباره سيرة ذاتية.
ومن ملامح هذا الفكر أنه يحاكم الأشياء بكثرة السؤال ليصل إلى جواب يستنهض سؤالاً وآخر، فلقد كان ما بين القبول والرفض باحثاً عن مستقر متى اتفق ومقاصده فهو اليقين بالنسبة لما أضناه. ولعل عزلته التي زادت على السنوات العشر، وقد أوشك عمره على الخمسين إشارة لطبيعة تلك المعاناة في نفسه وفكره.
وعن كتابه هذا أجاب من سأله بقوله: (لقد كان التعطش إلى درك حقائق الأمور دأبي وديدني من أول أمري وريعان عمري غريزة وفطرة من الله وضعتا في جبلتي. وباختياري وحيلتي حتى انحلت عني رابطة التقليد وانكسرت علي العقائد الموروثة على قرب عهد شرة الصبا إذ رأيت صبياناً في كل معتقد لا ينشئون إلا على معتقدهم ومعتقد ذويهم). ويكمل فيقول: (سمعت الحديث المروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) فتحرك باطني إلى حقيقة الفطرة الأصل، وحقيقة العقائد العارضة بتقليد الوالدين والأستاذين والتميز بين هذه التقليدات).
ومن قوله هذا ما يؤكد به أن التقليد لا يؤدي إلى اليقين، فالعلم باليقين لا يمكن أن يحدث إلا متى ابتعد عن التقليد وخضع للبحث الحر المتصل بالعقل، ولكن له شروط في هذا ومنها: أن العلم اليقيني هو الذي يكشف فيه المعلوم انكشافاً لا يبقى معه ريب، ولا يقاربه امكان الغلط والوهم فلا يتسع القلب لتقدير ذلك بل الأمان من الخطأ ينبغي أن يكون مقارناً لليقين مقارنة لو تحدى بإظهار بطلانه مثلاً من يقلب الحجر ذهباً، والعصا ثعباناً لم يُورث ذلك شكاً وإنكاراً.
وللمعلوم والعلم فيما يراه أبو حامد ما معناه أن العلم إما أن يكون بالحسيات، وإما أن يكون بالعقليات، ويرى أن الثقة بالمحسوسات معدومة، فأقواها حاسة البصر وهي تنظر إلى الظل فتراه واقفاً غير متحرك وبحكم ينفي الحركة ولكن التجربة والمشاهدة تُعرّف أنه متحرك وحركته لم تحدث بغتة، ولكن بالتدريج البطيء كأن لم تكن له حالة وقوف، وبنظرة إلى الكواكب تُرى صغيرة ثم بالأدلة ندرك أن هذا الصغير أكبر من الأرض في المقدار.
كما أن الثقة بالعقليات معدومة أيضاً حيث النائم يفتقد أثناء نومه أموراً ويتخيل أحوالاً، ويعتقد لها ثباتاً واستقراراً، ولا يشك في تلك الحالة، وحين يستيقظ يعلم أن جميع ما يعتقده في يقظته بحس أو عقل هو حق بالإضافة إلى حالته التي هو فيها، ولكن يمكن أن تطرأ عليه حالة تكون نسبتها إلى يقظته كنسبة يقظته إلى منامه، وتكون يقظته نوماً بالإضافة إليها، فإذا وردت تلك الحالة تيقن أن جميع ما توهمه بعقله خيالات لا حاصل لها، فالعقل يكذب الإحساس، والإحساس يكذب العقل، وبقناعة ما يراه كان له نهج مداه ما بين الشك واليقين فما أن يستقر به أحدهما حتى ينهض الآخر.
وللغزالي مع رحلة اليقين نتائج بها استقر منه العقل كما استقرت نفسه، ومن هذه النتائج أهمية الفطرة وتأمل ما توحي به، وأن الخلاص في الإخلاص كما أن العقل عاجز عن إدراك ما وراء الطبيعة إلا حين يتخذ من الوحي منهاجاً لمسار العقل، والقول بهذا لا يصل بنا إلى تفاصيل تُفسّرُ أبا حامد - رحمه الله- بل هي ملامحٌ من حوله.
وسمة رحلته بين الشك واليقين تُشيرُ إلى أهمية السؤال الناضج والمُعبّر عن فكرٍ يُجادلُ الأشياء من حوله، أو هي سابقة لعصره، أو ما قد يخالطها بعض من رؤى مستقبلية.
كما أن الشك القائم على مثل ما حلَّ بأبي حامد حالٌ تقذف بسؤال تتبعه تساؤلات ملحةٌ إلا أن الجواب لكل سؤال لم يأخذ بناصية فكره إلى اليقين، وهو من بذل بالحسّ والعقل جلّ جهده طلباً له حيث انتهت رحلته بما تمنى فحلّ اليقين محلّ الشك الذي أساسه ما توحي به الفطرة، وهو القائل إن العقل يُكذّبُ الحواس، وإنّ الحواس تُكذّبُ العقلَ.
وربما أن مسيره على طريقٍ يستلهمُ الحقيقة بما يجودُ به عقله أو تقول به الحواس لديه لم يُحقق هدف اليقين حيث الفطرة وما توحي به الطريق الأقرب والأصدق إلى إيمان لا يخالطه أو يعترض رحابه أمرٌ مصدره جملة منقولة أو اجتهاد باطنه الظنّ فاعتمد منهاجه على كل أمر مصدره السماء، وما تهدي إليه الفطرة بإخلاص وخلاص إلا من عميق الارتباط بعالمٍ وسع علمه سعة ما خلق وشاء وقدّر، والمزيد الذي لا يزيده شيء من خلقه، وكلّ شيء بقدره أو ما سيقدره بعزة جلاله. وهكذا تمّيز الشك كما تميز اليقين في حال ما حلّ بأبي حامد الغزالي رحمه الله.
لإبداء الرأي حول هذا المقال، أرسل رسالة قصيرة SMS
تبدأ برقم الكاتب«6383» ثم أرسلها إلى الكود 82244