الدرع العربي حاجز قوي من الصخور المتكونة تحت الأرض التي لا يمكن اختراقها بالمعدات الحديثة كالحفارات للحصول على ماء من تحتها؛ ومن خلال التجارب فقد عجزت المعدات الخاصة بالحفر عن اختراق ما يسمى بالدرع العربي؛ أي أن الحصول على الماء في تلك المنطقة ميئوس منه تماماً؛ وأكثر ما يقع على ذلك الدرع من البلدات والهجر هو ما حول الدوادمي غرباً وجنوباً وشمالاً حتى نفي؛ أي أن الدوادمي وعفيف والبجادية وما بعدها جنوباً مثل حلبان والخاصرة والحوميات، وغرباً كعفيف وظلم والمويه وحتى حدود مكة المكرمة كلها مناطق تقع في الدرع العربي؛ والغريب أن أكثر الهجر يتم إنشاؤها على هذا الدرع؛ ففي كل سنة يظهر لنا اسم هجرة جديدة تبدأ صغيرة ثم تكبر، وتكثر أعباؤها الاقتصادية، وتكثر متطلبات الحياة فيها؛ وأكبر مشكلة يعانيها سكان الدرع العربي هي كيفية توفير مياه الشرب وغيره؛ مع أن معدل استهلاك الفرد للماء الآن صار أكبر منه في السابق بحكم تطور الأفراد صحياً؛ والزراعة عامل اقتصادي مهم لأية حياة؛ أي أنه قوتهم؛ وهي مفقودة في ذلك الدرع عدا بعض النخيل التي قد تموت، حيث عاد رأساها إلى الأسفل احتجاجاً على انتهاك النواميس من الخلق.
ولك أن تتصور أن الدوادمي الواقعة في وسط المملكة لا تشرب إلا من البحر!! أي أن الماء يجري عبر أنابيب بنحو 1200كم ليصل إليها؛ وكذلك عفيف والبجادية وغيرهما من قرى الدرع العربي التي أصبحت مدناً من هواء فقط (اعذروني على التعبير؛ فهو واقع اليوم)، وحينما أقول على هواء لأن الخارج من الأرض عند محاولة الحفر للماء يجيء هواء يخرج من فوهات الحفر. صحيح أن الدوادمي كانت قرية صغيرة؛ أي أصغر من الشعراء الواقعة بقربها؛ وكانت تكتفي بآبار الماء القريبة المدى، وكانت كافية لسكان مثل أهل الدوادمي عند بدء توحيد المملكة؛ ثم تكاثر فيها المهاجرون من البادية فصيروها مدينة كبيرة وبها عشرات الآلاف من السكان الذين يستهلكون المياه بكثرة؛ وكلهم يحتاجون إلى الماء الذي لو توقف ساعة لهلكوا.
والسؤال المحرج والموحش حقاً هو: لو توقف ماء البحر عن الدوادمي وما حولها من قرى الدرع العربي مدة عشرة أيام متتابعة أو قل شهراً، فكيف ستكون حياة أهل تلك القرى؟ حتماً هناك آبار في قرى متناثرة بها ماء شحيح، لكن الدوادمي ستكون أقل وطناً؛ لأن بقربها (القرنة وخف والمحمدية وغيرها)، وهي ذات مياه وفيرة وقريبة من سطح الأرض؛ ومع ذلك فهي في خطر قوي؛ أما سعر الماء لغير الدوادمي فسيكون بحسابات فلكية لا شك.
والسؤال الإستراتيجي المفزع حقاً؛ أي مدة خمسين سنة قادمة مثلاً؛ هو: لماذا يسمح بالنمو السكاني والعمراني في تلك المنطقة الخالية من المياه؟ ثم لماذا لا يتم التخفيف من إنشاء الهجر وامتصاص تحول السكان من الدرع العربي إلى مناطق بها مياه مثل منطقة الوشم (شقراء وما حولها)، أو السر أو القصيم أو غيرهما؛ وجعل منطقة الدرع منطقة صحراوية للحياة الطبيعية التي لا يتدخل فيها البشر؟
هذا تساؤل علمي دقيق وموجع للنفوس؛ وكأني بكثيرين سيغضبون من هذه المقالة؛ لأن أغلبهم لا يفكر إلا في لحظته فقط، أما التفكير في الأحفاد وتغيرات المناخ والتغيرات الاقتصادية فلا حساب لها لديهم.
ربما يكون لوزارة التخطيط دور في حل هذا التساؤل الخطير؛ وربما أنه قائم لديهم؛ وربما أنها وضعت في حسبانها شيئاً تجاه ذلك لم يعلن عنه.. لا أدري ولكن الذي أعرفه من خلال الاستقراء لنمطية الحياة في الدرع العربي بالتتبع لتاريخه الاجتماعي والاقتصادي والسكاني أنه بدأ يكبر أكثر من اللازم، وهذا مؤشر خطير للحياة التي تقوم على الماء المفقود فيه.. ولله في خلقه شؤون.
****
لإبداء الرأي حول هذا المقال، أرسل رسالة قصيرة SMS
تبدأ برقم الكاتب«7257» ثم أرسلها إلى الكود 82244
فاكس 2372911