من الصعب أن تقنع مواطنا في أقصى قرية من قرى الوطن بان وصول الخدمة الكهربائية إلى مسكنه يخالف المنطق الاقتصادي لان فاتورته الشهرية لاتغطي تكلفة قارئ العداد !! لكن من الصعب أيضا أن تقنع اقتصاديا بان الاحتكار قادر على أن يقدمها لذلك المواطن بسعرٍ وخدمة مناسبتين!! لذلك أرادت الجزيرة أن تستكمل ندوتها على أمل الوصول إلى حل مرض لكل الأطراف.
القطاع الصناعي حمّال الأسية!!
حين كان الصناعيون يتابعون الحديث والنقاشات الساخنة التي تم استعراضها في الجزء الأول من الندوة والذي تم نشره في عدد الجزيرة ليوم أمس، وقد كانوا منتظرين دورهم بالمشاركة في استعراض همومهم وشجونهم... قلنا لعضو اللجنة الصناعية بالغرفة التجارية الصناعية بالرياض: ثمة صعوبات تواجه القطاع الصناعي وتوسعه من خلال عدم استقرار الموثوقية في إمدادات الطاقة ما حدا ببعض الشركات الكبرى مثل ارامكو وسابك إلى إنشاء محطات توليد خاصة، والسؤال في ظل هذا الوضع: كيف يمكن النظر إلى مستقبل القطاع الصناعي، وهل سيساهم هذا الواقع في خروج الاستثمارات الصناعية إلى بعض دول الجوار؟ وكيف ينظر الصناعيون إلى إمكانية تجاوز هذه الازمة؟
طلب عضو اللجنة الصناعية الأستاذ محمد الجعيد المداخلة قائلاً: في البداية أشكر صحيفة (الجزيرة) على تناولها لهذا الموضوع المهم وفي هذا التوقيت الحيوي، ويسرني أن نُدعى نحن الصناعيين للمشاركة في هذه النقاشات المثمرة..فالقطاع الصناعي وللأسف ما يزال حمّال الأسية بين معاناة قطع الكهرباء صيفاً وزيادة سعر التعرفة.. نسمع كثيراً عن خطط مستقبلية لتجاوز هذه المعاناة بعضها يتحدث عن زيادة إمكانات الطاقة خلال الخمس والعشرين سنة القادمة من 17 ألف ميغاوات إلى 66 ألف ميغاوات بحلول عام 2023م وللأسف ما نزال نعاني حتى الآن من تنفيذ هذه الخطط!!
الواقع أن شركة الكهرباء اعتمدت اعتماداً كلياً على الدعم الحكومي وعلى مواردها الذاتية ولم تنظر إلى إمكانية الاستفادة من الموارد الأخرى.. حسب معلوماتي أن الشركة تملك أكثر من 27 محطة، واتساءل: لماذا لا تغير شركة الكهرباء في إستراتيجيتها وتسمح للقطاع الخاص بمشاركتها في تشغيل هذه المحطات؟ هذه الطريقة ستساهم في انخفاض التكلفة التشغيلية وتزيل بعض العبء المالي عن الشركة وتساعد الشركة في تكوين موارد مالية. في عام 2000م تم السماح للاستثمار الأجنبي بالمشاركة في قطاع النقل وقطاع التوزيع والذي على ضوئه أنشئت هيئة تنظيم الكهرباء.. ولكن للأسف لم نر خطوات عملية في هذا المجال. حسب معلوماتي تقدمت بعض الشركات للمشاركة في قطاع النقل ولكن الأمر مايزال معلقاً منذ عام 2000م وحتى الآن!!
الكهرباء... ديناصور نائم
وأضاف الأستاذ الجعيد قائلاً: الشركة السعودية للكهرباء تبذل اليوم جهوداً جيدة لكني أراها لا ترقى لطموحات الاقتصاديين والصناعيين وعموم المواطنين خصوصاً مع التطور الاقتصادي الذي تشهده البلاد. لا تنقصنا الخطط ولا الاستراتيجيات.. ماينقصنا هو التنسيق...أملنا كبير بالتطور.. وكل الأمنيات أن تتخلى شركة الكهرباء عن إدارة كل شيء بنفسها وهو الأمر الذي دعا البعض لتسميتها الديناصور النائم!! والأمل أيضاً في هيئة تنظيم الكهرباء بفتح القطاع الكهربائي للاستثمار وتحريره من القيود
القطاع الخاص والعزوف عن قطاع الكهرباء
طلب المهندس علي البراك المداخلة للرد على ما طرحه الأستاذ محمد الجعيد قائلاً: بالنسبة لدخول القطاع الخاص والمستثمر الأجنبي في القطاع، سيتم ذلك من خلال إنشاء محطات التوليد فالتنافس يكمن في قطاع التوليد، وهو القطاع الذي يمكن أن تدخل المنافسة فيه، أما بالنسبة للنقل فهو محدود، والشركة ومنذ ثلاث سنوات أصدرت كتيباً ذكرت فيه جميع المشاريع المهيأة للقطاع الخاص ووزعته على رجال الأعمال وعقدت الندوات وطرحت الفرص المتاحة في محطات التوليد وخطوط النقل.. واستطعنا أن ندخل القطاع الخاص في مشاريع متعددة، فمشروع الشعيبة يملك القطاع الخاص 60% من استثماراته، ومشروع الشقيق الذي تم إبرام اتفاقياته مؤخراً بمشاركة القطاع الخاص بنسبة 60% أيضاً.
التعرفة التكافلية غير مجدية
أكمل المهندس البراك حديثه قائلاً: المشكلة في محدودية مشاركة القطاع الخاص في مشاريع الكهرباء بدون ضمانات حكومية لا تتعلق بمجرد إتاحة الفرصة.. فالفرصة متاحة والشركة ترحب بالقطاع الخاص وتوفر له كل الإمكانات ولكن المشكلة نابعة من أمرين:
أولاً: التعرفة.. فالتعرفة أجمالاً غير مجدية ولم تُبنَ على أسس اقتصادية.. التعرفة المبنية على أسس اقتصادية أعلى بكثير.. ولا أعتقد أن هذه الحقيقة ستشجع المستثمر الأجنبي ليأتي من الخارج من اجل أن يبيع الكهرباء في بلد تعرفة البيع فيه أقل من سعر التكلفة.
ثانياً: لا توجد للقطاع الخاص إمكانات وبنية قوية تتيح له الفرصة ببيع الكهرباء في عدة مواقع.. فهناك حاجة لتعزيز إمكانيات نقل الطاقة ما بين نقاط الإنتاج ونقاط الاستهلاك.
عقود شراء طويلة الأجل
واصل المهندس البراك مداخلته قائلاً: الشركة السعودية للكهرباء لم تضع العراقيل أمام القطاع الخاص بل يسرت له المهمة ودخلت في مشاريع مع الآخرين.. رحبنا بدخول القطاع الخاص في مشاريع التوليد الخاصة حيث تلتزم الشركة السعودية للكهرباء بشراء كامل الإنتاج لخمس وعشرين سنة قادمة..كل هذه الأمور لم تكن عقبة أمام الشركة في دعمها للقطاع الخاص. وعندما قدم الصناعيون في الرياض دراسة لإنشاء محطة لتوليد الطاقة في المدينة الصناعية الثانية بالرياض رحبنا بذلك أيضاً..
إن الاستثمار في قطاع الكهرباء يحتاج لمبالغ ضخمة في التوليد ونحن نتحدث هنا عن بلايين الريالات التي يتطلب استردادها فترة قد تمتد إلى عشرين سنة..هذا النوع من الاستثمارات جديد ولم يعتد عليه القطاع الخاص السعودي رغم أننا بدأنا نلمس نوعاً من التفكير الاستثماري الجاد والذي بدا في الظهور في الآونة الأخيرة.
شركة الكهرباء لا تهدف إلى الربح
يكمل المهندس علي البراك حديثه قائلاً: الجانب الآخر في هذا الموضوع.. هو أن شركة الكهرباء ليست شركة خاصة بحتة.. الشركة أنشئت بهذا الشكل بهدف تقديم الخدمة للمواطنين وألزمت أن تبيع الكهرباء في جميع مناطق المملكة بسعر موحد حتى في القرى التي لا تغطي فاتورة الكهرباء للمشترك تكلفة قارئ العداد!! لوكانت الشركة تتبع الأساليب التجارية البحتة لما استثمرت 2000 مليون ريال في إيصال الكهرباء لتلك القرى والهجر!! لكن تعميم ورفع مستوى خدمة الكهرباء هو جزء من أهداف الشركة الرئيسية.. نحن نبحث مع هيئة تنظيم الكهرباء والإنتاج المزدوج سبل دخول المستثمرين ولكني أعيد وأكرر أن سعر التعرفة عنصر أساسي ومهم لجذب المستثمرين ودفعهم للاستثمار في هذا القطاع أما البديل لذلك إذا لم تتغير التعرفة فهو تقديم الدولة لضمان سيادي بشراء كامل الطاقة المنتجة من المستثمرين، هذا وعلى أمل الحصول على ضمان حكومي لذلك قامت الشركة بتشكيل فريق لتنمية مشاريع الإنتاج المستقل لبناء بعض محطات التوليد الجديدة بالشركة. وسوف تقوم الشركة بدعوة المستثمرين في القطاع الخاص لذلك، حيث يتم حالياً إعداد مستندات طلب العروض لهذه المشاريع للحصول على عروض تنافسية من القطاع الخاص لبناء وتملّك وتشغيل بعض محطات التوليد الجديدة بالشركة، وسيتم التعامل مع هذه المشاريع بطريقة تنافسية شفافة أسوة بالمشاريع المماثلة في المملكة والمنطقة.
الصراحة والشفافية مطلب مهم
طلب المهندس عبدالله العبيكان عضو اللجنة الصناعية بالغرفة التجارية الصناعية بالرياض المداخلة قائلاً: كوني مهندساً قد يدفعني ذلك لأن أكون متحيزاً لشركة الكهرباء.. لكني وبدون تحيز اعتقد أن الشركة من أفضل الشركات رغم ما نتميز به نحن السعوديين من حب لجلد الذات..لكن دعوني هنا استعرض ثلاث نقاط:
أولاً: نحن عاصمة الطاقة في العالم ولا يوجد مبرر أو سبب مقنع ليكون لدينا نقص فيها...لابد أن نتفق على هذا الأساس وان نملك التخطيط الاستراتيجي طويل المدى لتحقيق هذا الهدف.
ثانياً: يجب على المسؤولين سواء في شركة الكهرباء أو هيئة تنظيم الكهرباء أو مجلس الشورى أن يكونوا صريحين مع الدولة..صراحة ووضوحاً لا مجاملة فيهما...هذه هي الطريقة المثلى لمواجهة المشكلة وإذا لم ننتهجها فسنواجه مشاكل كبيرة!!
المسألة بكل وضوح تتلخص في أموال تستثمر إما أن يدفعها القطاع الخاص أو الدولة أو المواطنون. لو تهربنا من أداء هذا الدور سنواجه المشكلة في المستقبل بشكل اكبر!!
ثالثاً: لابد من العدالة في توزيع التكلفة، التكافل يمكن قبوله لو كانت الدولة هي من تقوم بهذا المبدأ. ولكن القطاع الصناعي الذي يدفع 12 هللة للتعرفة غير مسؤول عن دفع تكاليف إيصال الكهرباء إلى قرى في الشمال أو الجنوب.. من الايجابي أن تتحمل الدولة الفروقات من اجل خدمة المواطنين ونشر التنمية.. ولكن أن يعاقب الصناعيون مرتين من خلال تحمّلهم الاستثمار في صناعة الكهرباء والإنتاج ثم دفعهم تكلفة أعلى من خلال التعرفة..هذا الوضع لا يمكن أن يجذب الاستثمارات في القطاعات الإنتاجية والتي يفترض أن يحفز الاستثمار فيها!!
أتمنى من المسؤولين في هذا القطاع أن يكونوا صريحين في كل لقاءاتهم مع المسؤولين في الدولة وان يقولوا لهم بصراحة: إن لم تموّلوا الاستثمارات أو تغيّروا تعرفة التكلفة على المواطنين فسيكون هناك انقطاع في الكهرباء!!
الاحتكار.. العدو الشرس!!
انتقل الحديث بعد ذلك للدكتور عبدالله الشهري نائب محافظ هيئة تنظيم الكهرباء والإنتاج المزدوج الذي علق قائلاً: اشكر الأستاذ محمد الجعيد على مداخلته حول المعوقات التي تواجه القطاع الخاص في الاستثمار في الكهرباء.. اذكر مقولة لأدم سميث الذي يُعدُّ من اكبر علماء الاقتصاد يقول فيها: إن العدو الشرس للادراة الجيدة هو الاحتكار... كما ذكر المهندس سالم المري: إعادة الهيكلة تمثل بداية الطريق لا نهايته....كما نعلم فشركة الكهرباء تعاقدت مع شركة استشارية قامت بإعداد خطة الهيكلة والعمل بها لكن الهيكلة جمدت وللأسف منذ 6 سنوات!! الاستثمار في صناعة الكهرباء يتطلب رؤوس أموال كبيرة 190 مليار على مدى 10 سنوات.. مبلغ ضخم للغاية!!.. لدينا الكثير من المستثمرين وأصحاب رؤوس الأموال الذين يبحثون عن فرص استثمارية في الداخل وحين لا يجدونها متاحة يتوجهون إلى الخارج وإلى بعض دول الجوار خصوصاً!! للأسف نحن نمنعهم هذه الفرص.. 190 مليار ريال يحتاجها القطاع يمكن لرجال الأعمال السعوديين أن يستثمروها. المستثمرون يتطلعون إلى عائد 12% -13%...وكما ذكر المهندس علي أن صناعة الكهرباء تعطي عائدا بين 12-15% في جميع دول العالم.. لماذا لا يجد القطاع الخاص لدينا فرصاً بذات المستوى؟!
البيروقراطية والعوائق!!
يضيف الدكتور الشهري: ما الذي يمنع من الاستثمار في قطاع الكهرباء؟! ابحث عن إجابة لهذا السؤال فلا أجد سوى عوائق البيروقراطية.. نحن لدينا خصوصية سعودية في كل شيء... وهذه الخصوصية لم تسلم منها حتى الكهرباء!! لا اعرف هل الكهرباء التي نستهلكها تختلف عن الكهرباء التي تستهلكها دول العالم الأخرى؟! هل لو فُتح المجال للقطاع الخاص للاستثمار في مجال الكهرباء سيفسد أمرها؟! لا اعلم... أعجب حقاً حين أكون مواطناً في بلد ضخم شاسع الأرجاء بحجم القارة كالمملكة العربية السعودية وتكون فيه خدمة أساسية وحيوية كالكهرباء أسيرة شركة واحدة!!
شروط مجحفة!!
واصل الدكتور عبدالله الشهري حديثه قائلاً: نحن في هيئة تنظيم الكهرباء والإنتاج المزدوج وضعنا خطة بإعادة الهيكلة، كان الهدف الرئيس منها ألا تبقى صناعة الكهرباء أسيرة لإمكانات الشركة..شركة الكهرباء استنفدت كامل إمكاناتها والبنوك كما ذكرت سابقاً لم تعد مستعدة لإقراضها المزيد من الأموال.. الدعم الذي قدّمه خادم الحرمين الشريفين -حفظه الله- مؤخرا والذي تضمن ضخ 19 مليار ريال سيساهم في حل مشاكل المشاريع إلى عام 2010م. .. ولكن ماذا بعد 2010م؟!
أما حول فتح المجال للقطاع الخاص في مشاريع الكهرباء مثل الشعيبة والشقيق..فاعتقد أن القطاع الخاص فيها شارك بشروط مجحفة!! هذه المشاريع أسست على قاعدة (خذ أو ادفع)..بمعنى حتى لو لم يعمل المشروع ينبغي على القطاع الخاص أن يدفع... كيف تلزم الشركة في العقد ببيع الإنتاج... هذا الأمر سيقلل من إنتاجية بعض المحطات التابعة للشركة دون طاقتها وستفعل ذلك مضطرة بهدف شراء إنتاج القطاع الخاص!! هل يمكن النظر إلى ذلك باعتباره حلاً عملياً؟.. قد يكون كذلك على المدى القصير..ولكن خشيتي من أن يتم الإدمان على مثل هذه الحلول!!
الشركة الرافض الوحيد لتطوير الهيكلة
ويضيف الدكتور الشهري: نحن قدمنا مؤخراً في هيئة تنظيم الكهرباء خطة لتطوير الهيكلة ناقشناها مع كل الجهات المسؤولة عن هذه الصناعة من وزارة الصناعة والكهرباء ووزارة التخطيط والمالية والغرف التجارية والهيئة العامة للاستثمار وعرضناها عليهم وكان الجميع مؤيداً لها عدا العنصر الأهم وهو الشركة السعودية للكهرباء.. فالشركة وللأسف هي الرافض الوحيد لهذه الخطة!!، ما يُروى حول فتح القطاع وتهديده للمنظومة الكهربائية مفهوم غير صحيح ولا يمكن الاقتناع به!! أتمنى حقيقة من الشركة إعادة التفكير جدياً في هذا الموضوع لما فيه من مصلحة الوطن والمواطن والشركة ذاتها على المدى البعيد، اتساءل لماذا يفترض على شركة الكهرباء الاستثمار لبناء محطة في قرية ما وتسعى للاقتراض بأي ثمن من اجل ذلك؟! لماذا تتحمل مسؤولية هذا الدور؟!
في خطة الهيكلة التي قدمتها الهيئة كما ذكرت.. كل هذا ليس من مسؤولية الشركة، فالشركة تستثمر كأي شركة أخرى، قطاع الكهرباء واعد ويحمل فرصاً ناجحة وليس قطاعاً خاسراً بأي حال من الأحوال!!
مشروع تعرفة جديد!!
سألنا الدكتور الشهري عن ابرز ملامح هذه الخطة أجاب قائلاً: قدمنا في هذه الخطة مشروع تعرفة جديد للكهرباء، قمنا بعرضه ومناقشته مع الوزارات ذات العلاقة ومع الغرف الصناعية وشركتي أرامكو وسابك،.. تحدثنا معهم بوضوح وبيّنا لهم أن التعديل بسيط ويتمثل في خيارين: إما أن تكون خدمة الكهرباء متوفرة بسعر معقول وإما ألا تكون متوفرة بسعر منخفض. للأسف لنواجه الحقيقة ان هناك الكثير من المستثمرين لديهم تراخيص صناعية في مناطق المدن الصناعية ولكن لا يستطيعون إنشاء مصانعهم وتشغيلها بسبب عدم وجود الكهرباء!!
حاولنا ألا تحمل الحلول التي نقدمها ضرراً على المجتمع وحرصنا على موازنتها وتقليلها قدر الإمكان. معظم الدعم لخدمات كهرباء المساكن يأتي من الحكومة، واعتقد أن عملية تطوير هيكلة الكهرباء ستفتح المجال للاستثمار، وستوفر الكهرباء للمواطن، وستخلق منافسة في مجال التوليد الذي يعد أكبر قطاع بحاجة للتمويل والتشغيل... أذكر قبل عدة سنوات حين كنت في زيارة لدولة المجر شاهدت محطة للكهرباء يعمل فيها 750 موظفاً، وبعد أن ألزمها الاتحاد الأوربي بفتح سوقها للمنافسة اشترتها شركة واكتفت بـ35 موظفاً!!... المستثمر كما تعلمون يتطلع للإبداع وقد عززت الشركة الجديدة المعدات والتكنولوجيا عوضاً عن الموظفين المستغنى عنهم.. أتطلع حقيقة إلى حل بين شركة الكهرباء وهيئة تنظيم الكهرباء يرضي الجميع ويوصلنا إلى حلول منطقية.
شبكة مختنقة... ولا يوجد احتياطي
يضيف المهندس البراك: أتفق مع الدكتور عبدالله حول التوجه الذي ذكره من حيث المبدأ، فالشركة السعودية للكهرباء لا تسعى للاحتكار، بل إنها تؤيد التوجه نحو تحسين البيئة التي تؤدي إلى تقديم خدمة كهربائية آمنة وذات موثوقية عالية وتلبي جميع متطلبات القطاعات التنموية الشاملة في المملكة.
وأضاف المهندس البراك: إن التوليد والنقل والتوزيع منظومة متكاملة ومترابطة في صناعة الكهرباء، وإذا لم تكن هذه المنظومة قوية وفعّالة لن تكون بيئة الفصل بين القطاعات مناسبة يجب قبل الدخول في هذا أن نضع الأنظمة الكاملة السليمة حتى لا يتعرض الأمر للفشل أو الخطر. ولكن وهذا هو المهم من وجهة نظري فحتى يصار إلى التنظيم والتوجه الذي ذكره الأخ الدكتور عبدالله الشهري، لا بد من توفر متطلبات رئيسية ومهمة تتمثّل في توفر احتياطي في قدرات توليد الطاقة الكهربائية من 10% إلى 15% على الأقل، وهذا غير متوفر في الوقت الحاضر، كذلك
من ضمن المتطلبات الواجب توفرها وجود شبكة وطنية قوية ومترابطة بين كافة مناطق المملكة وكما يعرف الدكتور عبدالله أن الشبكة تعاني حالياً من بعض الاختناقات في بعض المواقع ولا يزال العمل جارياً للتغلب عليها.
أغفلنا جانب العائد على الاستثمار
تحدث البراك: إن هناك أمراً مهماً وحيوياً ويشكل أساساً في هذا الموضوع وهو التعرفة والتي نعرف جميعاً أنها تكافلية وليست اقتصادية؛ بمعنى أن جزءاً من المستهلكين يكفلون الجزء الآخر، الواقع أن 52% من الطاقة الكهربائية تستخدم للأغراض السكنية وتُباع بأقل من التكلفة بـ50%، حيث يبلغ متوسط سعر بيعها (8) هللات فقط؛ بمعنى أن الربح يأتي من القطاعات الأخرى وهذا هو مفهوم التعرفة التكافلية، وحتى يكون السوق تنافسياً لا بد أن تكون التعرفة اقتصادية.
لا نحتاج إلى استثمارات أجنبية
بل إلى خبرات
توجهنا بالسؤال إلى المهندس سالم المري عضو مجلس الشورى للتعليق على ما سمعه من آراء، فعلّق قائلاً: اعتقد أننا لسنا بحاجة إلى الاستثمار الأجنبي بقدر حاجتنا إلى الخبرات الأجنبية.. لدينا أموال تخرج للخارج نحن بحاجة لإعادتها.. هذا الأمر يقودني إلى أمر آخر أيضاً بخصوص العمالة السعودية، فحسب علمي أن كثيراً من الوظائف الميدانية والتقنية في الشركة يعمل بها سعوديون.. أتمنى أن يستمر هذا الأمر في الشركات الجديدة وأن نحذو حذو الأوربيين في هذا الجانب فحين خصخصوا قطاع الكهرباء أبقوا على الوظائف وطنية حتى لا تتسع رقعة البطالة.
الكهرباء حق للمواطن
أضاف المهندس سالم المري قائلاً: بخصوص ما ذُكر حول ارتفاع تكلفة إيصال خدمة الكهرباء إلى القرى لابد أن نتفق على أن الكهرباء أضحت من أساسيات الحياة وضرورات الحضارة ومن حق المواطنين في كل مكان سواء في القرية أو المدينة أن تصل إليهم هذه الخدمة الحيوية.. إما بخصوص التعرفة التي تردد الحديث حولها... فأعتقد اننا نملك طرقاً أخرى في تقديم الحلول وذلك من خلال التنسيق الواضح ودون تردد مع الجهات المعنية. نستطيع تخفيض التكلفة بالإنتاج المزدوج للماء والكهرباء مثلاً، فلو تم التركيز عليه بطريقة منسقة من الجهات المعنية لكان حلاً لكثير من المشكلات.
الصناعيون وعدالة توزيع التكلفة!!
سألنا المهندس عبدالله العبيكان والأستاذ محمد الجعيد وهما الصناعيان المشاركان في الندوة عن علاقة القطاع الصناعي بموضوع الكهرباء خصوصاً حول ما يتردد عن معاناتهم والخسائر التي مُني بها القطاع والتحديات التي تحول دون توسع القطاع ونموه والشكوك حول موثوقية الصناعيين في إمدادات الطاقة الكهربائية وما يمكن أن يخلفه ذلك من هروب الاستثمارات إلى الدول المجاورة؟
بدأ المهندس عبدالله العبيكان تعليقه قائلاً: نعم لدينا العديد من التحديات والكهرباء جزء منها!! كان من المفترض أن تكون مسألتا الأراضي والطاقة آخر مشاكلنا.. نحن نمثل قارة..قرابة نصف مساحة أوروبا، ونعتبر عاصمة الطاقة في العالم، ومع ذلك وللأسف نعاني من هاتين المشكلتين (شح الأراضي الصناعية والكهرباء)!!
يفترض بنا أن نكون قد تجاوزنا هاتين المشكلتين وان تنصب جهودنا في تحديات أخرى مثل البحث العلمي والتصدير والتمويل وقضايا أخرى في القطاع!! نحن أنشأنا محطة خاصة تنتج 20 ميجاوات فهل على الصناعيين أن يسلكوا ذات المسلك؟! ما نتطلع إليه كصناعيين من شركة الكهرباء أن يكون توزيع التكلفة عادلاً!! لا أن يتحمل الصناعيون دعم تكلفة المستفيدين الآخرين.. كما تفضل المهندس سالم المري.. المواطنون لهم كل الحق في أن تصلهم الكهرباء في أي بقعة من هذا الوطن ولكن لا ينبغي علينا نحن الصناعيين أن ندفع فاتورة ذلك!! هذه ليست مسؤوليتنا!!
تجربة الأرجنتين!!
انتقل الحديث للأستاذ محمد الجعيد الذي قال: بالنسبة لما ذكره المهندس سالم المري حول السعودة في القطاع، أعتقد أن السعودة في القطاع الكهربائي ليست مشكلة ذات أهمية، لأن الوظائف في القطاع تهتم بالكفاءة وهي الأساس وميزانية الاستثمار فيه تسمح بدفع الأجور العالية. في الأرجنتين عندما تحولت الكهرباء إلى القطاع الخاص تحدث الجميع عن زيادة التعرفة ورفع الأسعار..وفي السنة الأولى انخفضت التعرفة 17%.. كان السر وراء ذلك يكمن في الكفاءة!!
أكمل الأستاذ الجعيد: شركة الكهرباء تشمل التوليد والنقل والتوزيع ولكي نزيد من كفاءة أدائها لابد من تجزئتها إلى شركات كما في جميع دول العالم، ففي تلك الدول توجد شركات كبيرة متخصصة في النقل فقط ولا علاقة لها بالتوليد ولا التوزيع ومع ذلك هي شركات رابحة وقوية.. لن ينجح القطاع الكهربائي في المملكة مادام يقتصر على شركة واحدة.. يجب أن نزيد الكفاءة وندعو المستثمرين الأجانب لمشاركة المستثمرين الوطنيين ومساعدتهم من ناحية الخبرات ونقل التقنية.
الأمر الآخر ينبغي ألا نضع خططنا المستقبلية إلى عام 2010م. والاعتماد على الدعم، يجب أن تكون خططنا لما بعد ذلك وإلى عام 2023م. كان هناك خطة مستقبلية بأن تصل الطاقة الإنتاجية في عام 2023 إلى 66 ألف ميجاوات وهو رقم اعتقد انه من الصعوبة الوصول إليه إذا استمر الوضع كما هو عليه الآن!!.. وما دامت المنافسة غير موجودة لن ينظر إلى الإنتاجية والكفاءة بالمستوى المطلوب. شركة الكهرباء لديها 27 محطة، وسابك لديها 17 شركة، كل شركة تتمتع باستقلالية تامة وناجحة.. أتمنى أن تحذو الكهرباء حذو سابك وتوزع مهامها..!!
لا تقارنوا الكهرباء بـ(سابك)
طلب المهندس علي البراك المداخلة للتعليق على ماذكره الأستاذ الجعيد قائلاً: القطاع الصناعي يشكل أهمية لنا في الشركة من ناحيتين: الأولى تكمن في دور هذا القطاع في نهضة الوطن وتطور البلاد، والأخرى في كونه مستهلكاً للكهرباء طوال العام صيفاً وشتاء، وبالتالي فهو عميل مميز للشركة أو أي شركة تدخل القطاع مستقبلاً..
أما بالنسبة لمقارنة الشركة ببعض الشركات التي فصلت شركاتها كسابك مثلاً، فنحن نبحث في هذا الاتجاه الآن غير أننا نسعى لتوفر بعض المتطلبات التي تحقق لنا هذا الهدف بشكل مناسب كما ذكرت سابقاً.. المشكلة الرئيسية عند المقارنة بشركة سابك ومثيلاتها هي أن شركة سابك تبيع بالسعر الذي ترغب فيه ويناسبها، شركة الكهرباء لا تبيع بهذا السعر لأن التعرفة كما تعلمون محددة وتكافلية!!
المعضلة التي نواجهها تكمن في أن التعرفة ثابتة والتكلفة متغيرة!! ما لم تكن هناك مرونة في التعرفة بحسب التكاليف فلن تتحسن الإنتاجية.
التعرفة..الهيكلة.. الوقود
سأل الزميل عبدالرحمن السهلي المحرر والمحلل المالي في الصحيفة حول جدوى اقتصادية تعرفة الكهرباء مشيرا الى ما ذكره المهندس سالم المري عن هامش الربح الذي لا يغطي تكلفة المشاريع وما أكده المهندس البراك من أن تعرفه الكهرباء ليست اقتصادية... متوجهاً بالسؤال إلى الدكتورعبدالله الشهري حول أن هيئة تنظيم الكهرباء هي من وضع التعرفة فهل وضعت الهيئة التعرفة رغم معرفتها بعدم جدواها الاقتصادية؟ الأمر الآخر الذي يستلزم الإيضاح هو الحديث عن الجمود الذي أصاب خطة هيكلة قطاع الكهرباء لمدة ست سنوات! وأيضا هناك سؤال آخر للمهندس علي البراك حول ما يتردد عن معاناة شركة الكهرباء من عدم وصول كميات إضافية من الغاز لمحطات التوليد؟!
حلول ترقيعية!!
أجاب الدكتور عبدالله الشهري: بالنسبة لموضوع التعرفة كان متفقاً منذ عام 2000م على أن تغطي التعرفة تكاليف الكهرباء ثم يعاد النظر فيها بعد سنتين أي في عام 2002م ولكن بعد عدة أشهر تم تخفيض التعرفة بدلاً من زيادتها أو بقائها كما هي!! الأمر الذي تسبب في مشاكل مالية للشركة مما حد من قدرتها على تمويل مشاريعها التوسعية حتى وصل الوضع إلى مرحلة حرجة... فلو كانت التعرفة تفي بالاحتياجات الاقتصادية لشركة الكهرباء لما احتجنا للحلول التي يمكن وصفها بالحلول الترقيعية!!
التعرفة الاقتصادية تساعد المستثمرين على تقييم عوائدهم الاستثمارية وتكاليفهم لمدة استباقية كافية مثل عشر سنوات وتحديد دراسات الجدوى الاقتصادية لمشاريعهم بشكل دقيق.. ونحن في هيئة تنظيم الكهرباء تمثل مراجعة التعرفة بشكل دوري احدى مهامنا...ولدينا الآن دراسة أقرت مبدئياً من مجلس الإدارة وعرضت حسب نظام الكهرباء للنقاش مع عدد كبير من أصحاب العلاقة بقطاع الكهرباء وكذلك كبار المشتركين وخلال الشهر الماضي التقينا بعشرين جهة حكومية وخاصة تقريباً أطلعناهم في تلك اللقاءات على تعرفة الكهرباء المقترحة وكذلك على خطة الهيكلة.
الإخلاص
أكمل الدكتور الشهري: نظام الكهرباء منح الهيئة صلاحيات لإعادة الهيكلة ونحن في الهيئة ننظر للمصلحة العامة وبالتالي جميع المشاركين في الخطة لابد ان يشاركوا فيها بإخلاص وإلا لن يكون النجاح حليفها، فنحن نتطلع الى القطاع الخاص كي يشارك بإخلاص وكذلك الشركة السعودية للكهرباء بالإضافة إلى الجهات الحكومية ذات العلاقة، فلابد من التعاون الكامل بين الجميع...هذه الخطة وضعت بمساعدة مكاتب استشارية عالمية مسترشدين بتجارب الدول السابقة لنا في هذا المجال.
أكمل المهندس الشهري: شركة الكهرباء لديها بعض المخاوف ولكن هذه المخاوف يمكن التغلب عليها.. أما حول توفير الوقود لصناعة الكهرباء فنحن بصدد إعداد خطة وطنية طويلة الأجل لإمدادات الوقود تصنف أنواعه والكميات المتوفرة منه وتشارك في هذه الخطة جهات كوزارة البترول وارامكو ووزارة الكهرباء والماء... واعتقد أن هذا مما سيعزز جذب المستثمرين.
***
أدار الندوة
فهد العجلان
مدير التحرير للشؤون الاقتصادية
***
المشاركون في الندوة والحضور
نائب محافظ هيئة تنظيم الكهرباء والإنتاج المزدوج للشؤون التنظيمية:
د. عبدالله بن محمد الشهري
الرئيس التنفيذي للشركة السعودية للكهرباء:
المهندس علي بن صالح البراك
عضو مجلس الشورى
المهندس سالم بن راشد المري
عضو اللجنة الصناعية بالغرفة التجارية الصناعية بالرياض
المهندس عبدالله العبيكان
عضو اللجنة الصناعية بالغرفة التجارية الصناعية بالرياض
محمد الجعيد
نائب الرئيس التنفيذي للشركة السعودية للكهرباء للنقل
المهندس صالح بن محمد العنيزان
نائب الرئيس التنفيذي للشركة السعودية للكهرباء للتوزيع وخدمات المشتركين
المهندس سعد بن حمد المنصور
نائب رئيس أول للشركة السعودية للكهرباء للتخطيط والبرامج
محمد بن عبدالله الملحم
نائب الرئيس التنفيذي للشركة السعودية للكهرباء للشؤون العامة
الأستاذ عبدالسلام بن عبدالعزيز اليمني
من إدارة التخطيط طويل المدى بالشركة السعودية للكهرباء
زيد الزيد
من الشؤون الإعلامية بالشركة السعودية للكهرباء
محمد الشقاء
محمد العبدالوهاب
الزملاء في القسم الاقتصادي:
فهد الشملاني، نواف الفقير،عبدالله الحصان، عبدالرحمن السهلي، عبدالعزيز السحيمي، فيصل الحميد وشالح الظفيري