ويكمل د. الحمود، في مقاله بعنوان (لغتنا العربية ليست أفضل اللغات)، (الجزيرة)، الأحد 21 صفر 1428هـ، استنباطاته الغرائبية إذ يقول: (إن أي مقارنة بين (العربية) المعاصرة، وعدد من لغات العالم المعاصر، ومن بينها: الإنجليزية، والصينية، واليابانية، تحديدًا، سوف تقلق كثيرين عندما يعرفون أن العالم المعاصر قد يدين بالفضل لهذه اللغات ولأهلها، في حين يلقون حممًا من السخرية والازدراء للعرب وللمجتمعات العربية)!
هكذا إذن العالم يدين حتى للصينية واليابانية، ولا يدين للعربية بشيء! ومادام يسخر الآخرون من العرب ويزدرون مجتمعاتهم، فالساخر أفضل والمسخور منه مفضول! يا لها من أدلة دامغة! لا تخلط بين الذات والموضوع! ولا تقع في شرك عقدة المغلوب، التي تحدث عنها ابن خلدون! ومع أنه قد اعترف - كما رأينا في مقال سابق بأنه ليس من أهل العلم الشرعي والجزم، إلا أنه أخذ يجزم في آخر الأمر، إذ يقول: (إنني أجزم أنك حين تدعو للبحث عن الدليل الشرعي لنراجع في ضوئه كثيرًا من مدخراتنا وقناعاتنا، فأنت تقلق كثيرين لا يروق لهم ذلك، ممن لم يتعودوا على إعمال الفكر أصلاً.)
تُرى أي فكر أعملته أنت، يا دكتور؟ وأنت عالة على مقال في جريدة، هي جريدة (الحياة)، للدكتور العلواني، وهو عالة على ابن حزم؟! ثم أي فكر وأنتما تبحثان عن الدليل الشرعي على مكانة اللغة العربية فقط! لم تبحثا عن الدليل الحضاري، ولا العقلي، ولا العلميّ، القائم على دراسة اللغات ومقارنتها! ولم تستفتِيا الدراسات اللغوية المقارنة الغربية مثلاً، ودع العرب، فهم متعصبون، حسب رأيكما! إن العلواني والحمود إنما بحثا عن قضية اللغة العربية في الشريعة، كي يجدا دليلاً شرعيًّا على مكانتها، وكأن الشريعة أضحت علم لغة مقارن!
ويختم الحمود مسعاه ممتدحًا العلواني قائلاً: (أنت توقظ همة آخرين، أرجو أن يكونوا هم الأغلبية الصامتة، فيعيدوا النظر في كثير من موروثات شعوبنا، مما يحتاج تعاهدًا مستمرًا بالمراجعات والتقويم، بحثا عن الأصوب والأصح، وسعيا لترك العنصرية والشعوبية (المنتنة)). ولا ندري بم يومئ ب(موروثات شعوبنا)؟ فالعرب شعب واحد، وموروثهم واحد، ولغتهم واحدة! وما علاقة اللغة بالعنصرية؟! فنحن نعرف أنه منذ ظهور الإسلام، وتأسيس مبدأ التفاضل بالتقوى: (لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى)، و)كلكم لآدم وآدم من تراب)، قد انتفى التفاضل البشري، فلم يعد مقبولاً القول بتفضيل العرب كجنس على غيرهم. وكلنا نعلم أن بلال الحبشي رضي الله عنه أفضل من أبي لهب، الهاشمي، القرشي، العربي، عم الرسول صلى الله عليه وسلم. فالتفاضل بالتقوى أمر مفروغ منه، لكن مبدأ التفاضل والتفضيل في الأمور الأخرى غير محرم شرعًا، فمثلا هذا الطبيب بارع، يفضل هذا الطبيب، وهذا البلد متقدم علميًّا، يفضل هذا البلد. فنحن حين نفضل شيئًا على شيء، لأسباب منطقية وعقلية وعلمية، لا نخالف الشرع، كما لا نحتاج إلى دليل شرعي يثبت أن أمريكا مثلا تفضل (مصر) في الصناعات المتقدمة. وهكذا يجب أن يكون حالنا مع اللغة، فهي ليست بخارجة عن هذا المعيار. ولقد فرقنا في المقالات السابقة بين التمييز العنصري والتمييز بين مواهب الشعوب وما رزقهم الله من فضله وعلمه وحكمته. أم علينا، لكيلا نُتهم بالشعوبية المنتنة، أن نتجرّد عن كل فضيلة وتميّز، ونذوب في شعوب الأرض؟! ثم ما دام يجب أن يكون معيار (التقوى) هو محك التفاضل، كما قال ونقول، فبم سنتقي الله تعالى، بالفرنسية، أم باليابانية؟!
ثم نخلص إلى كلام ابن حزم الظاهري الذي اتكأ عليه د. محمد العلواني، في موضوعه في جريدة (الحياة، 2- 2- 2007)، بعنوان (لا فضل للعربية على غيرها من اللغات)، حيث لا نجد الدكتور يضف جديدًا! وابن حزم يؤمن بأن اللغة توقيفية. ومن ثم فهي برأيه مخلوقة من الله، واختلافها كذلك خلق من الله، ولذا فهي آيات! يقول في (الإحكام في أصول الأحكام، ج1: الباب الرابع: في كيفية ظهور اللغات أعن توقيف أم عن اصطلاح): (ولا ندري أي لغة هي التي وقف آدم عليه السلام عليها أولاً، إلا أننا نقطع على أنها أتم اللغات كلها وأبينها عبارة وأقلها إشكالا وأشدها اختصارًا وأكثرها وقوع أسماء مختلفة على المسميات كلها المختلفة، من كل ما في العالم من جوهر أو عرض، لقول الله عز وجل {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}. ولن نخوض في شأن ابن حزم نفسه من حيث ما قيل فيه من أن أصله فارسي من موالي بني أميّة، ولا ما اتهم به من زلل وضلال في عصره، أُبعد بسببه ومزقت كتبه وأحرقت. لن نناقش ذلك كله، إلا أن مذهبه مشهور في إبطال القياس، وله كتاب (ملخص إبطال القياس)، و(إبطال القياس والرأي). وتلك أصول منطلقاته في الحكم والتفكير وفي كلام ابن حزم تخليطات وسذاجة بدائية، لم يَعُدْ يقرّه عليها اليوم أحد من علماء اللغة، والعارفين بتطوّراتها. والعودة إليه دليل على ضعف التفكير والاستنتاج، والأخذ بآراء قديمة ،أكل الدهر عليها وشرب! ولا أدل على ذلك من قوله: (وقد يمكن أن يكون الله تعالى وقف آدم عليه السلام على جميع اللغات التي ينطق بها الناس كلهم الآن(!!) ولعلها كانت حينئذ لغة واحدة مترادفة الأسماء على المسميات، ثم صارت لغات كثيرة، إذ توزعها بنوه بعد ذلك(!!) وهذا هو الأظهر عندنا، والأقرب، إلا أننا لا نقطع على هذا... وإنما ظننا هذا لأننا لا ندري أي سبب دعا الناس ولهم لغة يتكلمون بها ويتفاهمون بها إلى إحداث لغة أخرى وعظيم التعب في ذلك لغير معنى؟!) فهو لا يتصوّر إذن إمكانية ما حدث من تعدد اللغات في العالم بعد أن كانت لغة واحدة، هي لغة آدم!
ثم يأتي سياق الكلام الذي اتكأ عليه د. العلواني ولم يضف جديدًا، وهو قول ابن حزم: ((ومثل هذا (يعني إحداث لغة أخرى) من الفضول لا يتفرع له عاقل بوجه من الوجوه، فإن وجد ذلك فمن فارغ فضولي سيء الاختيار، مشتغل بما لا فائدة فيه عما يعينه، وعما هو آكد عليه، من أمور معادِهِ ومصالح دنياه ولذاته وسائر العلوم النافعة. ثم من له بطاعة أهل بلده له في ترك لغتهم والكلام باللغة التي عمل لهم؟ ولكنا لسنا نجعل ذلك محالاً ممتنعًا! بل نقول إنه ممكن بعيد جدًّا...)) وهي جدليات لا تسمن ولا تُغني من جوع في شأن اللغة، تكشف عن فقدان صلاحية مثل هذا الطرح ليستند عليه باحث معاصر! ومنها كذلك قول ابن حزم- وهو يتحدث عن كيفية تفرق اللغات بعد أن كانت لغة آدم واحدة: (فإن قالوا لعل ملكًا كانت في مملكته لغات شتى فجمع لهم لغة يتفاهمون بها كلهم، قلنا لهم هذا ضد وضع اللغات الكثيرة، بل هو جمع اللغات على لغة واحدة، ثم نقول وما الذي كان يدعو هذا الملك إلى هذه الكلفة الباردة الصعبة الثقيلة، التي لا تفيد شيئًا؟ وكان أسهل له أن يجمعهم على لغة ما من تلك اللغات التي كانوا يتكلمون بها، أو على لغته نفسه فكان أخف وأمكن من إحداث لغة مستأنفة). ثم يصل إلى محل الشاهد الذي أعجب العلواني ليقول ما قال، وهو: (وقد توهم قوم في لغتهم أنها أفضل اللغات وهذا لا معنى له لأن وجوه الفضل معروفة، وإنما هي بعمل أو اختصاص ولا عمل للغة ولا جاء نص في تفضيل لغة على لغة.)
ونقول لابن حزم: نعم اللغة لا عمل لها بذاتها، لكن العمل لأهلها! إلا أن ابن حزم كما رأينا من قبل يتصور اللغات مخلوقات مكتملة، آيات، كما خلق الله الناس. ولذلك لا تفاضل بينها، وهذا ما قال به العلواني، وأيده الحمود، ولذلك جعلوا القول بتفاضل اللغات من قبيل العنصرية، كما نقول بأفضلية أهلها على بقية البشر!
أمّا قول ابن حزم (ولا جاء نص في تفضيل لغة على لغة)، فنقول له: ولا جاء نص بعدم تفضيل لغة على لغة كذلك! لكن العقل والقياس ومقتضيات النصوص تدل على ذلك.
(وللحديث صلة).
noraalomran@hotmail.com