الجمال شيء نسبي لا قاعدة له ولا قانون، يعني عند البعض اتساق الأشياء وتناسبها وتكاملها، وهو أحب الأشياء إلى النفس؛ فاللوحة الجميلة تلفت الأنظار، والحديقة المتناسقة تسرق الأبصار، والوجه المتجانس القسمات يريح النفوس، ولا ينفر المرء بطبعه من أي جميل، ولا تنساق النفس لكل قبيح، وقد خلق الله الجمال بنسب متفاوتة، وجعل للنفوس جمالاً لا يقل عن جمال الأشياء والمناظر والوجوه، ويعرّف البعض الجمال بأنه الحسن، أي جمال كل شيء هو أحسنه، وأحبه إلى النفس، وأفضله وأكثره راحة وتقبلاً وجاذبية.
القيمة الجمالية صارت تفرض وجودها، وتعزز حضورها، في كل موقف ومقام، فالفن بجميع فروعه يبحث عن الجمال ولا يقوم إلا به، والسوق تشعله روعة السلع ويؤججه جمال العرض، والإعلام يكتسب جاذبيته من جمال المضمون والإخراج والطرح، فأصبح الاعتماد على الجمال في كل صغيرة وكبيرة، لكن في المقابل ابتعد الناس عن جوهر الجمال المعنوي، ولبه الحقيقي.
فالقلب ينحني حبا وإعجابا بالجمال لكن العقل لا يكلف نفسه بالسؤال عن أسباب هذا الجمال، بل يعرف أنه يجعل لكل الكائنات قيمة إضافية كموجود، ويعرف الجمال أيضاً بأنه انتظام الأجزاء وتفاعلها على نحو يجعل الجميل يبعث الروح والسرور في نفس المتلقي.
البعض يعتبر الجمال شيئاً خارجياً لا دخل للجميل فيه، بل يصبح جميلاً بقدراتنا وإحساسنا وخيالنا نحن الناظرين إليه، فيما يرى البعض الآخر استقلالية الجمال وتحرره من التأثر بمزاج الآخرين، أو رؤيتهم وإعجابهم، فالجميل (في نظرهم) جميل دون تدخل المتذوقين.
الجمال بُعد إضافي للإنسان والكائنات، وهو يشمل الجمال الجسماني، والأخلاقي، والعقلي، والجمال المطلق.
وفي المفهوم الإسلامي للجمال ثلاثة أهداف، الحكمة، والمتعة، والعبادة؛ فالجميل لغيره أيضاً وليس فقط لنفسه؛ إذ لا قيمة للجمال عند صاحبه إذا لم يره الآخرون، أو إذا كان الجميل في عالم من العميان.
فجمال الصوت يكون في تناسب النغمات الصادرة عنه، كتناسب حبات العقد في جيد الحسناء، فالجمال شيء تدرك سره الأذواق السليمة بفطرتها، فترتاح له، وتميز القبيح وتنفر منه، وللنفوس أحكام على الجمال ومن خلال ملكاتها تتذوق الأشياء المتناسقة المتناسبة الرائعة الإبداعية.
ومن هنا فإن ما يسمى (ملكات) الجمال، تسمية تنقصها عبارة مهمة، لتصبح (ملكات الجمال (الجسدي) في رأي البعض) لأن الجمال نسبي ومعاييره ليست مقولبة، ولا قاعدة ثابتة لها، حيث كان في بدايات هذه الظاهرة، ملكة الجمال هي فقط من ترضى أن تصور بالطريقة المألوفة عبر مراحل متدرجة معروفة، وليس من الضروري أن تكون هي أجمل من تمشي على الأرض في موقع المنافسة، وبالفعل كان وما زال يحدث هذا رغم أن المتبرعات بتصوير جميع أجزاء جسدهن اليوم (على قفا من يشيل).
لكن جوهر الجمال أعمق من ذلك المفهوم السطحي الرخيص، وأرقى من بعده الاستمتاعي، وأسمى من تقييمنا لتناسق أجزاء الوجه ولون العيون ونعومة الشعر وغيره من العناصر المادية بكثير.
الجمال شيء يحبه الله، وتحبه الفطرة ويحبه البشر إذا كان مسموعاً أو مرئياً، ويعتبر جمال النفوس أسمى وأنقى وأرفع مراتب الجمال، وربّ العزة تعالى أمر المسلم أن يكون صبره جميلاً: (فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلاً)، (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ).
والجمال من أروع الصفات التي اقترنت بالصبر لتسمو به ليكون خلقاً سوياً وأدباً ربانياً، وقد ذكر الصبر في القرآن الكريم أكثر من 80 مرة وعلى 16 وجهاً مختلفاً، فالصبر الجميل يكون عند الصدمة الأولى بلا جزع ولا سخط وبإيمان ورضا وتفاؤل وأمل، وفيه ثبات وقوة، بلا يأس ولا فتور، والصبر الجميل هو صبر الاختيار لا الاضطرار، صبر في عزة وليس ذلة ولا قهر فهذه أعلى درجات الصبر.أما الهجر الجميل فهو الهجر الذي لا يكون فيه قطيعة ولا أذى، بحيث تهجر إنساناً، مهما كانت صلة قرابتك به فقط من أجل الله، ولاتقاء شره، أي هجر المؤانسة والمواددة والمسايرة والمجالسة والخوض في الكلام والسلوك والقول والفعل،
والصفح الجميل هو ذلك الصفح الذي لا يلازمه عتاب ولا خصومة؛ بحيث تصفح عمن أخطأ في حقك أو آذاك، أو أساء إليك، أو ظلمك، دون أن يكون في نفسك شيء تجاهه، ودون أن تعاتبه على ما فعل، باعتبار العفو والصفح يجبُّ ما قبله، وينسف كل ما سبق، ولا تعود لتردد ما لقيته من مظلمة وأذى ومعاناة، وهكذا حقاً تكون قد صفحت صفحاً جميلاً.
لذا تجد الجمال إذا دخل على أي شيء زانه، وأضاف إليه القبول والجاذبية والحيوية، وأعطاه طعماً آخر، وهنا يتطابق مفهوم الجمال مع السماحة، فقد رأينا جمال الصبر والهجر والصفح وقد ورد الجمال صفة لكل منها في القرآن الكريم، وفي حديث للرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (رحم الله امرأ سمحاً إذا باع سمحاً إذا اشترى سمحاً إذا قضى سمحاً إذا اقتضى).
Shunkul60@hotmail.com