Al Jazirah NewsPaper Saturday  21/04/2007 G Issue 12623
مقـالات
السبت 04 ربيع الثاني 1428   العدد  12623

الخفاش ينام مقلوباً كيف تكون الصورة
محمد بن ناصر الأسمري

تختزن ذاكرتي مسميات للطائر الأسود الذي يطير في ظلام الليل، فمنها الخفاش، الخطاف، الوطواط. ويبدو أنها عميقة الارتباط باللسان العربي، فهذا ما وجدته في لسان العرب! والذي عايشته أثناء طفولتي القروية، هو كراهة للخفاش، لقتامة لونه الأسود، ثم خطورة سرعته الخطافية في الليل التي قد يصدم من يسير في الليل ويؤذيه دون قصد لكن بسبب انعدام الرؤية. لكن أكثر ما يجعل كل الفلاحين كراهية له هو أن بعض غذائه الموسمي الفواكه من العنب والتين - الحماط- فهو يأكل جزءاً من الثمرة ويترك الجزء الأكبر فاسداً، لا يحب أحد الاقتراب منه. لكن الأكثر سوءاً هو الأذية التي يلحقها بالحيوانات مثل البقر والحمير والجمال فهو يعتمد في أغلب غذائه على مص دماء الحيوانات أثناء نومها ليلاً، وهذا مؤذٍ جداً من خلال ما كان يشاهد من نفور الأبقار بالذات ولا سيما أن أكثر الأماكن التي يمص منها الدماء هي المحيطة بالأثداء، ومناطق التبول، لكن سبحان الله سمعت من أحد أقربائي الأطباء أن هذا الطائر يعطي مناعة للجسد الذي يمص منه الدماء، حيث إنه يترك من لعابه في مكان المص مادة تقي الحيوان من تجلط الدم؟؟ فسبحان الله الذي أوجد من السم ترياقاً، وأخرج من بين الفرث والدم لبناً سائغاً للشاربين؟؟

كل ما سبق كان يراودني البحث في إمكانية القبول الفطري أن يتسمى أو يتلقب إنسان بلقب هذا الطائر الظلامي الضار النافع بأمر الله؟ ومنذ زمن كنت أسمع ما يتداوله أناس من الضر الذي أصابهم من قول بذيء وفحش وسباب من شخص تلقب وتسمى بالخفاش الأسود؟؟ وكنت أعجب من الجرأة في استخدام البذاءة والقبح والولوغ في الأعراض للناس اعتباريين أو رسميين، ولم يطل المقام في التفكير فقد كان السير في الظلام هو ديدن من حمل هذا اللقب، ولو ظهر للنور وكتب ما كتب في ساحات الظلام ربما لكان النور أهدى إلى تجلية البصر والبصيرة، ولكان القول أقرب للعدل والنزاهة وفق متقاضي التوجيه الرباني (لا يحب الله الجهر بالسوء) ومنهج - أن المؤمن ليس بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش البذيء كما هو الثابت من هدي إمام دعوة التوحيد رسولنا الأعظم عليه الصلاة والسلام.

فقد اختار فتى فتي السير مسار الخفاش في الولوغ في أعراض كثيرة لم يسلم منها أولو أمر أو قادة رأي أو أصحاب تخصص عياذاً بالله، وقد خرج للنور في إحدى الصحف ليقول بالإقرار بما كان منه ومن منكر القول، ولا أعلم هل استغفر الله مما فعل وأملي بالله أن يكون قد هدي إلى صراط الله الذي يغفر الذنب ويقبل التوب؟

لقد جاء الإقرار والاعتراف بالجنايات التي مارسها المتلقب بالخفاش الأسود، دون إكراه، وبالتالي فهو مبرر قانوني للمقاضاة والاقتصاص، إلا أن يعفو الذي بيده أمر الطلب في الاقتصاص؟

لكن ما يدعو للعجب والإنكار، هو ما دام أن الخفاش قد عرف واقتص منه لدى الجهة التي أوقفته، فإن التساؤل هو لم وقد عرف من وقف معه بالدعم والتأييد المادي والمعنوي، لم لم ينالهم التحقيق دفعاً للشر وثقافة التحريض والقول البذيء والشتم والإيذاء حتى مع الذين كانوا يصلون خلفه ويسلم عليهم وهو يمارس تقية الإصلاح بنية الإفساد، فالله جل وعلا يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور؟ أليس ما مارسه الخفاش طوال السنين من فساد في القول وإفساد للتوافق المجتمعي هو عمل من أعمال الإرهاب التي يوالي الشعب والحكومة مطاردة والتقصي عن الممولين له والداعمين والمؤوين أيضاً؟؟

إن مقتضى الحال يتطلب شرعاً وقانوناً وعرفاً وأخلاقاً مقاضاة كل ما جاء به الخفاش من بذاءة وقذف وشتم وسباب وتكفير وإرجاف، فهذا من أعمال الإرهاب المتخفي ظلماً وعدواناً خلف التدين والدين والله بريء من هذا ورسوله والمؤمنون وكل الخلق الذين كرمهم الله. قال تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} (70) سورة الإسراء

أنا جد مشفق على من تلقب وتسمى باللامية قولاً ومساراً ومسيرة، من النور الذي يسير فيه الأسوياء الأقوياء الذين يقولون الحق وبه ينطقون في ترفع عن القذف والشتائم والتخذيل، فالذي يريد الحق لا يخشى إلا الله جل وعلا. ومن كان للمنابر رائداً فحسن القول للناس هو الأقرب للتقوى، ولا تجوز إمامة رجل لعان طعان فاحش بذيء، فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، والرجل المتفحش قد قال بذاءات وفحشاً وطعناً ولعناً، لا مكان له أن يبقى مصلياً بالناس ناهيك عن توظيفه إماماً من قبل من يستميت في قذفهم ليل نهار.

تلك هي الحقيقة المفجعة التي ظهر بها الخفاش من الظلمة إلى النور، ولعل نزوع السكون إلى الزوج والبنين قد كان نفحة خير في التوبة من التبطح سبع سنين عجاف أمام شاشات ساحات الظلم والظلام، وما تبعها من سلوك الغوغائية في صبيانية التفكر والتدبر والوعي.

إننا في حاجة إلى الإفادة من السموم التي بثها الخفاش الأسود، للإفادة منها في اكتساب المناعة ضد تجلط الدم فذلك يوقف بأمر الله الجلطات التي كادت تصيب المؤذين من الرجال والنساء الذين ولغ في أعراضهم ودينهم ووطنيتهم بغير الحق، ثم إن هذا الوطن غير عيي في العفو عن الحاقدين والمفسدين في الأرض. ولا إخالني هنا غير مبعد نجعة في الطلب إلى كل الذين نالهم الأذى من سموم الخفاش أن يتخذوا من قول الله تعالى: {قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} (92) سورة يوسف.

{رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ} (107) سورة المؤمنون

{اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا } (43) سورة فاطر.

وفي اقتباس من شعر العرب جساس والبسوس

ياللرجال لقلب ما له آس

كيف العزاء وثأري عند خفاش

أما الأخطل فليعذرنا في التصرف إن أبدلنا الجحّاف إلى الخفاش:

لقد أوقع الخفاش بالبشر وقعة

إلى الله منها المشتكى والمُعوَّلُ

***

لإبداء الرأي حول هذا المقال، أرسل رسالة قصيرة SMS تبدأ برقم الكاتب«5481» ثم أرسلها إلى الكود 82244


 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد