كنت وعدت في حلقة ماضية من الدبابيس بكتابة ثلاثة مثالات طريفة عن (المفطح) و(غسيل الفناجيل) و(قهوة شاهي.. شاهي قهوة).. إلا أني لم أف بوعدي ونسيت أو تناسيت أو انشغلت أو تشاغلت.. ثم وضع لي وصحبي (الكرام) مفطح طلوع الشمس. وحينئذ لم أستطع الصبر أكثر مما مضى (وانفجرت) فكانت هذه الخواطر:
1 - المفطح..!!؟؟
المفطح.. وما ادراك ما المفطح.. بتشديد الطاء.. انه تعبير نجدي للخروف للطلي للهرفي الذي يطبخ كما هو دون أن يقطع منه سوى بعض اطرافه.. و(يربض) فوق تبسي رز أو (صينية).. والصينية هي تبسي مرتفع عن الأرض بقاعدة.
هذا المفطح مشهور ومشهور أشهر من نار على علم.. المفطح إذا كان (خصيا) افضل، لانه يكون اسمن.. وكلما كانت ذنبته أي اليته (هذا كبرها) كبرويش (ما هوويش؟ لا أدري) فهو افضل ايضاً.
في السابق لا يوجد لحم الا وقت الضحايا - عيد الاضحى - او اذا جاء اجنبي جمعه اجناب، والاجناب هم الضيوف يذبح لهم ذبيحة أو أكثر ويأكل منها القريب والبعيد ويكون في حاجة شديدة للحم. وفيما عدا هذين الموسمين فلا يوجد لحم سوى (القفر) القديد الذي يستخرج من الضحايا و(الهدي) الفدا ويحط في خياش، ويطبخ مع المرقوق والجريش وغيرهما.
اما الآن فاللحم موجود في أكثر البلدان. واذا جاء الضيف يعمد العاقلون - وهم قلة - بشراء كيلو لحم أو أكثر بقليل وما تيسر معه وينتهي كل شيء بسهولة ويسر..
اما غير العاقلين واعني بهم الذين يتمسكون بالتقاليد السيئة التي هي من عادات الجاهلية.. وليست من الكرم في شيء.. هؤلاء لا يشترون لحما من (المقصبة) بل يذبحون خروفا كاملا أو أكثر (بزمه وعراه) بلحمة وشحمه ويقلطون المفطح منه وهو جسم الخروف باستثناء بعض الأطراف التي تأكلها (الحريم) أو توضع في تبسي آخر. ولا يشترط ان (يقلط) على هذا المفطح اناس كثيرون.. احيانا يقلط المفطح لواحد أو لاثنين و لأكثر... (يمطرسونه) و(يغلفصون) فيه شوي ويدعونه نثرا منثوراً.
الطامة الكبرى
وأعجب من هذا وأدهى وأمر أن عادة أسوأ من هذه موجودة بين بعض الأسر في بعض القرى.. وهي حين يفد الأجنبي أو الأجناب - الضيوف - وتذبح لهم الذبيحة او الذبائح وقبل ان يقلطوا عليها بقليل يصل ضيف آخر. ترى ماذا يحدث؟! امسك اعصابك واسمع العجب.. فما يحدث هو (الشق والبعج) والمصيبة الكبرى.. أن الضيف لا يكتفي بهذه الذبيحة بل لا يريدها ولا يطعمها لأنها ذبحت لغيره.. انه لا يقلط معهم.. بل يريد ذبيحة جديدة ومفطحا جديداً سفك دمه له وحده سبيشال.. حتى يصير رجال يستاهل الذبيحة فطح الله رأسه.
ان المضيف المسكين الذي غالبا ما يكون تعب في البحث عن الذبيحة الأولى بعد ان اقترض ثمنها وقد يكون راتبه 200 ريال!! واتعب اقاربه وجيرانه بالمساعدة في ذبحها.. وزوجته (عياله) وبقية عائلته في طبخها.. يعيد الكرة مرة اخرى في البحث والاقتراض على الراتب الـ200 ريال والتعب والبهدلة. وقد يكون الوقت ليلاً.. فيسهرون من أجل هذا الرجل. قد يقول قائل إن هذه عادات قديمة واختفت الآن أو كادت.. واقول بحزن إنها معشعشة لدى أكثرنا مع الأسف ولا يقشعها الا المساحي.. منذ اسبوع حدثني صديق عن زميل له في العمل لا يمر اسبوع دون ان يطرق بابه احد هؤلاء الثقلاء الذين لا يقنعون بغير الذبيحة وجبة: عزمه مراراً فاستجاب لاحداها ليأخذ فكرة عن هؤلاء القوم وتفكيرهم في الحياة فلما قرب موعد العشاء بعد العشاء طرق الباب ضيف أثقل من أحد.. فلم يقلط مع القالطين.. بل اعتزل في ركن ينتظر ذبيحته الخاصة!! شيء غريب وعجيب..!
ولما لم يكن لدى صاحبنا ذبيحة اخرى فقد ذهب في هدوء الليل يبحث ويسأل هذا وذاك وتلك هل عندهم ذبيحة. وكلف اهله بالسهر والطبخ والراتب 200 ريال والذبيحة بمائة ريال والنتيجة.. كرمك الله أنعم الله عليك وبس..!
ليتني أستطيع التعبير عما في نفسي لأشبع هذا الموضوع الخطير بحثاً. ولأحاول تخفيف آلام هؤلاء المساكين المصابين بهذه العقد.. المبتلين بأولئك الضيوف الذين يحتاجون إلى تأديب بالمشاعيب ان لم ينفع الإرشاد والتوجيه.
ليتني استعير قلما سيالا يكتب سحرا حلالا في هذه العادات السيئة التي تضايقني كثيرا وتضايق كل مواطن في قلبه شيء من الوعي والرحمة وحب الخير لوطنه ومواطنيه.
اني اطالب الكُتاب والصحفيين وأطالب وسائل الاعلام إذاعة ومرناة بمحاربة هذه الفضائح التي ترهق كاهل جيوب المواطنين وتكلفهم شططا.. وان يحاولوا القضاء عليها او التقليل منها على الأقل وحصرها في نطاق ضيق جداً.
مفطح في الفطور
نسيت ان اقول شيئاً.. هذه الذبيحة لا توضع دائما غداء او عشاء بل احيانا توضع فطور إفطار، نعم والذي نفسي بيده، ووقفت على هذا بنفسي مرتين. مرة اشترط الضيف على المضيف ان يكون الافطار تمرا ولبنا وما تيسر فتعهد بذلك ولكنه فوجئ بذبيحة مسدوحة على تبسي رز والوقت طلوع الشمس.. والضيوف واحد.. ولا يوجد من يأكل هذه النعم. وأخونا من تالي الليل وهو يذبح ويسلخ ويطبخ ويكلف نفسه واهله أعني زوجته؛ لأننا هنا مع الأسف نسمي الزوجة: عائلة واهل وعيال بل وسواد.. ترى لماذا نخجل من أن نقول زوجته؟
والثاني تعهد بأن يكون الافطار خبيزات وتميرة ولبنة فقط لا غير.. وفي الصباح وجد المفطح جاهز للاكل ومعه كبسه.. تصوروا لحم ورز في الافطار.. هذا حرام.. هذا اسراف.. هذا لا يجوز.. الاقتصاد في النفقة نصف المعيشة.. ان المبذرين كانوا إخوان الشياطين. اللهم أني أعوذ بك من الجهل والفقر وغلبة الدَّين - بفتح الدال - وقهر الرجال!!
الذي يسوؤني أكثر أن المعنيين بهذا الكلام لن يقرؤوه فأرجو من القراء الكرام ان يبلغوا غير القراء. مع شكري!
2 - غسيل الفناجيل
الوعي الصحي شيء جميل ومطلوب من الدولة ممثلة في وزارة الصحة ومحاولة بث الوعي الصحي بين المواطنين؛ فالوقاية خير من العلاج.. في القرى والأرياف وفي بعض المدن يكثر شرب القهوة والشاي وتكثر - ما شاء الله - الفناجيل والبيالات.. ولكن السؤال هو: كيف تنظف تلك البيالات والفناجيل.. انهم يسلكون طريقة سيئة ليست تنظيفاً بقدر ما هي توسيخ.. يضعون ماء في ماعون - معدنه أو غضاره أو طاسه - ويبدؤون في غسل البيالات والفناجيل بعد كل شاي وقهوة.. وكلما بسبس شخص عطسوا فنجاله أو بيالته في هذا الماء الذي أصبح كدرا وأسود ولكنهم لا يبالون بلونه. ولا يفكرون بإبداله إلا في الغد وإن غدا لناظره قريب! ان صنفت لهم..
إن غسيل الفناجيل بهذا الشكل منظر مؤلم يضايق كثيرا.. اني اتجرأ احيانا واغسل فنجالي أو بيالتي بماء مغلي من البريق وينظرون إلى شزرا.. ويتهامسون (دوك هالموسوس.. ما يكفيه اللي يكفي المسلمين) وتلوك الألسن قصة هذا الموسوس ردحا من الزمن.. وأسوأ من هذا حين يصب لك القهوجي في فنجال شرب فيه غيرك.. إن الوعي الصحي شيء جميل ومطلوب من وزارة الصحة والبلديات والشؤون الاجتماعية بثه بين مواطنينا.. فهل يفعلون..؟
والوقاية خير من العلاج.. هل يدرون..؟!
3 - قهوة شاهي.. شاهي قهوة!!
هذا الموضوع أخف من سابقيه.. وهو يحكي عادة متأصلة بين أكثر المواطنين حين يأتيهم ضيف.. انهم يقلطون له شاهي وقهوة.. واذا عزم من قبل شخص آخر قدم له قهوة شايا ايضا.. وهكذا..
بامكان بعضهم ان يقدم شيئا باردا او بعضا من فاكهة. وفي حالة عدم ذلك الاكتفاء بتقديم قهوة أو شاي.
وفي المناسبات لما يوجد ضيوف في قرية ما ويعزمهم الأهالي واحداً واحداً تكون اباريق الشاي ودلال القهوة مركومة في كل ديوانيه.. وهات يا شاهي.. وهات يا قهوة.. وصب شاهي.. وصب قهوة.. وصب شاهي.. وصب قهوة.. تقهو.. لازم.. واحد.. خذ واحد.. اصمد راسك - لا يطيح - وتبسبس فلا تنفع البسبسة خذ واحد.. يلزمك.. تقهو يا رجال القهوة تطير العماس - بل تطير الراس - والشاهي حلو.. والفناجيل والبيالات تروح وتجي في ماء الفناجيل الذي حدثتكم عنه سابقاً.. ولله في خلقه شؤون!!
تبذير
ظاهرة اخرى من مظاهر التبذير حين يقدم (المعروض) وهو فاكهة أو غيرها للضيوف، يقوم الكثيرون بتشليخ تكون اباريق الشاي ودلال القهوة والجراوة، ويضعونها في تباسي كثيرة كبيرة ولا يؤكل منها سوى القليل والباقي يفسد أو يقدم للبهائم.
والفناجيل والبيالات تروح وتجي يقدم غيره والباقي يبقى صالحاً على حاله للرجوع اليه عند الحاجة.. ولكن المفروض شيء والواقع شيء آخر. لقد حاولت إرشاد من أجد عنده هذه العادة السيئة إلى الطريق الصحيح ولكنه لا يقتنع ويرى ان ما يحطه هو ما يبين قدر الضيف عنده.. وأقول له ان المحل في الخاطر والمهم هو دخول المحل والاجتماع وليس التكريم هو تقديم صحون مليانة (بطيخ) يفسد بعد قليل فالاوادم أوادم وليسوا (بعارين) تقدم لهم هذه الكميات وليس هذا من الكرم في شيء.. وهنا تعبت من الكلام.
وانتهى حبر الأقلام. وعليكم السلام.
محمد الحمدان