Al Jazirah NewsPaper Friday  04/05/2007 G Issue 12636
أفاق اسلامية
الجمعة 17 ربيع الثاني 1428   العدد  12636
د. سعد البريك في حوار خاص لـ(الجزيرة ):
بعض أبناء الأمة انساقوا وراء المخطط التدميري وصاروا مجرد أدوات لتنفيذ المؤامرات

* الرياض - خاص بـ(الجزيرة):

الحديث مع فضيلة الشيخ الدكتور سعد بن عبد الله البريك، الداعية المعروف، والخطيب المفوه، والمفكر الأكاديمي، وعضو مجلس الدعوة والإرشاد، حول قضايا الدعوة والدعاة، وفك الاشتباك والالتباس بين الدعاة وبعض الإعلاميين، ودور العلماء في مواجهة قضايا الإرهاب والتطرف، وغيرها من القضايا الدعوية الهامة، له أهمية خاصة في هذا الوقت بالذات.

فالدكتور سعد البريك له دوره البارز على الساحة الدعوية، وله أطروحاته القوية في مواجهة تيارات العنف والتكفير والتطرف، واستطاع أن يفند هو، والعلماء، والمشايخ، هذه الدعاوى، ويكشف زيف تستر من يرددونها بالشعارات الإسلامية، وأيضا للشيخ البريك دوره في مواجهة الفكر التغريبي الذي يحاول أن يجر الأمة إلى مزالق خطيرة، ولذلك حدثت اشتباكات بين الشيخ البريك وبعض الكتاب على صفحات بعض الصحف، وعبر برامج فضائية، وللشيخ رؤاه في تأهيل الدعاة، وكيفية تصحيح صورة الإسلام في الغرب، والكثير من القضايا المهمة التي تناولها حوار (الجزيرة) مع الشيخ البريك.. وفيما يلي نصه:

* اعتمدت وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد استراتيجية للاهتمام بأمور الدعاة وتدريبهم وتأهيلهم والارتقاء بمستواهم العلمي والشرعي وبصفتكم عضواً بمجلس الدعوة والإرشاد كيف ترون هذه الإستراتيجية وأهميتها؟

- التحديث والتطوير في كل المجالات التي تعنى بها الوزارة كما ونوعا سياسة ثابتة واستراتيجية دائمة، ومن بين هذه المجالات ما يتعلق بتأهيل وتنمية قدرات الدعاة والخطباء والأئمة فهذا أمر في غاية الأهمية والحاجة إليه ماسة في كل وقت وحين لأن قدرة الداعية وأسلوبه وسمته من أكبر العوامل المؤثرة في المدعو، كما أن الارتقاء بمستوى الدعاة والخطباء والأئمة إلى الأكمل والأفضل من الأمور التي يجب العمل عليها دائما وليس في هذا انتقاص للدعاة أبدا، فطلب العلم واجب في كل وقت وحين كما قال الإمام أحمد رحمه الله: (مع المحبرة إلى المقبرة)، ومثله بل أهم منه طلب الأدب وحسن السمت كما قال الشافعي رحمه الله: (لأن أتعلم بابا من أبواب الأدب أحب إلي من سبعين باب من أبواب العلم). لما في ذلك من الرقي بأسلوب الوعظ والخطابة وترشيد الخطاب وتصويبه وغير ذلك من الفوائد.

* الدعاة والإعلاميون، لماذا هذا الاشتباك بين الاثنين وكيف يمكن تجسير التواصل والصلة بين الداعية والإعلامي؟

- لا يوجد اشتباك دائم بين الفريقين إنما يحصل تناصح مع بعض الإعلاميين الذين باتت بعض كتاباتهم بحسن نية أو بغيرها منبرا لإشاعة بعض الأفكار التي لا تخدم الدين والوطن، على أن بعضهم يصدق عليه قول الشاعر:

رام نفعا فضر من غير قصد

ومن البر ما يكون عقوقا

وهذا التناصح أمر طبيعي بل هو واجب حث الله عليه في كتابه بقوله: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}.

ولا يخفى أن الإعلام هو من أكثر الوسائل تأثيرا في المجتمع كما تشير إلى ذلك كثير من الإحصائيات، وله قدرة على تغيير المفاهيم واستبدال القناعات بل قد يصل الأمر إلى تشويه الحقائق وقلب الأمور، ومن هنا فإن تسديد المسيرة الإعلامية وترشيد العمل فيه مصلحة للجميع ونجاة للمجتمع كما بين صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا وأن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا).

أما بالنسبة إلى سبل تجسير التواصل بين الدعاة والإعلاميين فإن ذلك - فيما يبدو لي - يكون بعدة أمور:

1- التزام وسائل الإعلام بالسياسة الإعلامية للدولة التي تنص في أكثر من فقرة على أن الرسالة الإعلامية يجب أن تكون منضبطة بضوابط الشريعة.

2- جعل الرسالة الإعلامية أداة بناء وذلك عبر العناية بالمضامين الهادفة إلى الرقي بأخلاق المجتمع ومحاربة الفساد والرذيلة والأفكار المنحرفة.

3- إتاحة المزيد من الوقت أمام العلماء والدعاة لمخاطبة الناس عبر المنابر الإعلامية المختلفة حيث لوحظ غياب أو حجب كثير من العلماء والدعاة عن بعض القنوات الإعلامية.

4- التزام الرسالة الإعلامية بنبض الشريحة العظمى في المجتمع التي لا ترضى ما يعرض في بعض هذه الوسائل من دعوات إلى التبرج والسفور وعرض بعض المنكرات وغيرها.

* الخطبة ليست مشروعا سياسيا والمنبر ليس حزبا أو بوقا يتحدث في السياسة، فهل فعلا حول بعض الدعاة خطبهم للحديث في السياسة أكثر من الدعوة، ومتى يتناول الحديث حدثا سياسيا، وهل هناك خطوط يجب عدم تجاوزها؟

- قد لا أتفق معك فيما ذكرته من إغراق بعض الدعاة والخطباء في تناول الأمور السياسية فهذا أمر ليس بالقدر الشائع مع أهمية تناول ما يجب من ذلك، لكن ينبغي التنبيه هنا على أن كثيرا من المسائل السياسية لها أطرها الشرعية التي يجب على أهل العلم أن يتصدروا لها وسأضرب أمثلة على ذلك:

أليست طاعة ولاة الأمر أمر سياسي يؤدي إلى وحدة المجتمع؟

أليس حث الناس على عدم الخروج عليهم أمراً سياسياً متعلقاً باستقرار الدولة؟

أليس التحذير من الفكر الإرهابي أمراً سياسياً لأنه من الوسائل التي تؤدي على استتباب الأمن في البلاد؟

أليست محاربة الأفكار الهدامة والمضللة أمراً سياسياً يمس استقرار المجتمع بأسره ويحميه بإذن الله من الانحدار في أتون الرذائل والفواحش؟

أما الخطوط الحمراء التي لا يجب تجاوزها فهي:

أولاً: إثارة الخلافات والنعرات المذهبية.

ثانياً: الحديث عن سلبيات في المجتمع بطريقة تدفع الناس إلى شق عصا الطاعة والفوضى.

ثالثاً: التشهير بالأشخاص.

رابعاً: تحويل المنبر إلى أداة لتصفية الحسابات الشخصية والردود.

خامساً: الدعوة إلى البدع ونشرها.

وبالجملة لا ينبغي مخالفة ثوابت الشريعة وأصولها الكبار ومخالفة الآداب العامة ومنهج أهل السنة في التعامل مع الآخرين.

* الحديث عن إعادة النظر في الخطاب الدعوي بات حديث الكثيرين، وهناك محاولات جادة في ذلك وقطعت شوطا للارتقاء في هذا الخطاب، من وجهة نظركم.. ما هو المسموح والممنوع في تحديث الخطاب الدعوي؟ وهل تجديد الخطاب الدعوي كما ينادي البعض تجديد في بعض المرتكزات الدينية أم هو تجديد في الأدوات؟

- أود أن أفيض في الحديث بعض الشيء عن هذه النقطة لأهميتها. فقد تزايد الجدل في الآونة الأخيرة حول مسألة تجديد الخطاب الديني، حيث ربطها البعض بحملة الولايات المتحدة الأمريكية ضد (الإرهاب)، واعتبروا أن طرح الإدارة الأمريكية هذا الموضوع يدل على رغبتها في خلخلة ثوابت الإسلام وتمييع عقيدة المسلمين بإثارة اللغط حول مفاهيم الجهاد والتطرف والعلاقة مع الآخر وغير ذلك، كما في دعوة بعض العلمانيين إلى إعادة النظر في ثوابت إسلامية مثل حكم الردة وفروض الإرث والمساواة بين الرجل والمرأة وحجاب المرأة وإقامة الحدود وغير ذلك.

هذه المخاوف محقة وفي محلها وينبغي العمل على عدم تحقق شيء منها، ولن يتحقق شيء منها بإذن الله فالله سبحانه يحفظ الشريعة ويحمي الدين {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}.

إلا أن ذلك لا يمنع من تحديث لغة الخطاب وتطوير أدوات ووسائل التخاطب بما يتناسب مع العصر الحديث بشرط عدم المساس بالثوابت والأصول من قرآن وسنة وإجماع وكل ما هو قطعي يقيني لا يجوز إنكاره أو مخالفته أو تغييره.

والبون شاسع بين التطوير والأخذ بمقتضيات التحديث والإحاطة بوسائل التقنية الحديثة وبين الذين يربطون بين معاني الحداثة والانحلال الخلقي والانحطاط الاجتماعي والذوبان في نمطية الغرب الإباحية وإلغاء الضوابط الدينية والأخلاقية.

ومما ينبغي الإشارة إليه هنا أن تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان أمر لا حرج فيه، ولا علاقة له بمسألة تجديد الخطاب الديني، وأن خلط البعض بينهما. والإسلام لا يعارض البتة ما من شأنه التيسير على الناس ورفع الحرج عنهم، وتحقيق الرقي والتقدم لهم وتحقيق ما ينفعهم في دينهم ودنياهم، والحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحق بها.

والفصل بين مرامي تجديد الخطاب الديني الذي نتحدث عنه ونريده وبين أصل الشريعة أمر لازم، والدمج بينهما تعطيل للتجديد لأن الخطاب الديني هو وسيلة من وسائل إيصال المعنى للمخاطب به، وتطويره مهم، فالإخلاص وحده على أهميته غير كاف في الدعوة بل يلزم معه العلم والإحاطة بواقع الناس وحاجاتهم. وفي ظل تعرض العالم الإسلامي لتحديات معاصرة فكرية وثقافية بات تجديد الخطاب الديني ضرورة ملحة لإيصال رسالة الإسلام الصافية بأسلوب عصري وخطاب مناسب لشعوب العالم كافة.

وعلى هذا فالمؤسسات الدينية الرسمية في حاجة ماسة لتطوير أدائها وتجديد خطابها.

وإذا كانت المطالبات للمؤسسات الدينية الرسمية بضرورة تغيير أو تجديد خطابها الديني فإن الحركات الإسلامية أيضا وبالقدر نفسه تحتاج إلى تطوير خطابها واتباع استراتيجية جديدة تتواءم مع جدية التحديات التي تواجهها الأمة.

* إثارة النعرات القومية والمذهبية في محاولة لإشغال الفتن بين أبناء الأمة من القضايا التي أخذ البعض يثيرها، وازدادت في الآونة الأخيرة، فكيف يمكن التعامل مع هذه الإشكالات وما هو المطلوب من قبل الأفراد، وهل تعتقدون أن وراء هذه النعرات قوى تريد تأجيج الفتنة؟

- نعم، ثمة جهات خارجية تؤجج نار العداوة وتنفخ في أتون الفتنة الطائفية، ومما يؤسف له أن العديد من أبناء الأمة انساقوا في هذا المخطط التدميري ورضوا بأن يكونوا أدوات لتنفيذ المؤامرة دون أن يشعروا، أزهم إلى ذلك التعصب الطائفي الذي يعمي بصيرة أصحابه عن قبول الآخر فلا يرى أي فرصة للحوار أو التفاهم معه، وهذا لا يعني عدم بيان الحق والصواب ولكن في سياق التعايش واحترام الحقوق.

أعداؤنا يسعون بكل طريق ووسيلة لإيقاع الفتنة بيننا ليقتل بعضنا بعضا ويهجر بعضنا بعضا وينتقم بعضنا من بعض، بينما يقفون متفرجين شامتين بنا يطلقون عباراتهم الجوفاء عن السلام وكف الفتنة بينما تعمل أجهزتهم ومنظماتهم السرية على إذكاء نارها وإمداد أطرافها بالمال والسلاح. فأي مصلحة في هذا الأمر، وأين العقل والحجى، وأين نحن من قوله تعالى: {وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ}.

إن المطلوب أن يتنادى العقلاء من كلا الفريقين لينزعوا فتيل الأزمة قبل أن يستفحل أمرها ويتطاير شررها يمينا وشمالا ويتسع الخرق على الراقع ويندم الجميع ولات حين مندم.

كما ينبغي نشر روح التعايش وقبول الآخر مهما كان أسوة بأهل الكتاب والكفار غير الحربيين. كما ينبغي نشر فقه النصيحة بالرفق واللين، فإذا كنا مأمورين بمجادلة أهل الكتاب بالتي هي أحسن فمن باب أولى أن نجادل من نختلف معهم من أبناء الأمة حتى لو كان خلافنا معهم جذريا وعميقا.

إن الذي يعين على وأد الفتنة هو أن ينظر كل منا إلى ما فيه المصلحة العامة فيغلبها على المصالح الشخصية والحسابات الضيقة، فاستتباب الأمن وحفظ الأرواح وصيانة ممتلكات الناس وأموالهم وأعراضهم من مقاصد الشريعة الكبرى التي ينبغي العمل على تحقيقها مهما كان الخلاف بين أبناء الوطن الواحد وإلا عمت الفوضى وانتشر القتل وسالت الدماء وتطايرت الأشلاء وما العراق عنا ببعيد، وكما قال الشاعر:

وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم

وما هو عنها بالحديث المرجم

* البعض يرى أن الحملات العالمية على الإسلام أثرت سلبا على الدعوة وعلى انتشار الإسلام، هل هذا صحيح؟ وكيف ترون تصحيح صورة الإسلام لدى الغير؟

- لله الحكمة البالغة ولا تحسبوه شراً لكم فبعد أحداث سبتمبر ازداد إقبال الناس على الإسلام بشكل كبير بهدف معرفة حقيقة هذا الدين، ودخل الآلاف فيه بسبب ذلك حتى إن المصاحف نفدت من المكتبات الفرنسية.

وتحولت العديد من الكنائس في بريطانيا إلى مساجد كما في منطقة يوركشاير حيث تم تحويل إحدى الكنائس إلى مسجد يؤمه سكان المنطقة المسلمون البالغ عددهم أكثر من 300 شخص.

وخلال الأعوام القليلة الماضية اعتنق أربعون ألف بلجيكي الإسلام.

واعتنق أربعة آلاف ألماني الإسلام في الفترة بين يوليو 2004 ويونيو 2005م. وحسب دراسة مولتها وزارة الداخلية الألمانية عن المعتنقين الجدد للإسلام من الألمان، فإن الرقم كان في المتوسط 300 شخص سنويا، جلهم من النساء، وقد بقي مستقرا لعشر سنين، لكن الرقم قفز إلى ألف شخص سنويا قبل ثلاثة أعوام، رغم أحداث 11 سبتمبر، ثم عاد ليقفز إلى أربعة آلاف ألماني في السنة قبل الماضية.

الإحصائيات كثيرة ولا مجال لذكرها كلها الآن، لكن ما ذكرناه مؤشر على أن حملات التشويه التي تقوم بها دوائر اللوبي اليهودي والصهيوني ضد الإسلام والمسلمين لم تؤثر شيئا، حتى إن مجلة التايم الأمريكية وصفت انتشار الإسلام في أوروبا وأمريكا قائلة: (قد تشرق شمس الإسلام من جديد، ولكنها لن تشرق هذه المرة من الشرق كالعادة، وإنما ستشرق في هذه المرة من الغرب).

وصدق المولى القائل: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ}.

أما سؤالك عن سبل تصحيح الصورة المشوهة التي تنشرها وسائل الإعلام اليهودية والمتصهينة فإني أرى أنها تكمن فيما يلي:

1- التواصل مع الغرب بجمال وكمال هذا الدين عبر كافة الوسائل الممكنة وبالأخص الفضائيات والإنترنت.

2- تعريف العالم بوسطية وعدل الإسلام.

3- بيان ونشر أدبيات وثقافة التعايش واحترام الحقوق.

4- توعية المسلمين في الغرب وتأهيلهم ليكونوا قدوات مؤثرة تعطي الصورة الحسنة عن الإسلام في مجتمعاتهم ومحيطهم.

5- لا بد من تكثيف وجود مراكز الدراسات الإستراتيجية التي تعنى بمعالجة هذا الموضوع لأن الأمر يحتاج إلى تضافر كافة الجهود على مستوى الدول والجماعات والأفراد وكل بحسب قدرته وطاقته.


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد