للقرآن الكريم الأثر الكبير، والفضل العظيم في حماية الفرد والأسرة، وتماسك المجتمع، وتحصينه من الانحرافات الأخلاقية، والسلوكيات العبثية، ووقايته من الغلو والانحراف والتطرف، فقد أرسى القرآن الكريم دعائم الوسطية والاعتدال لحماية المجتمعات من الجنوح والغلو والانحراف، ولأن (الوسطية) هي من الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وبين مخاطر الانحراف العقدي والسلوكي والأخلاقي، وأثره على المجتمع.
وفي هذا الموضوع نتطرق إلى أثر كتاب الله في مواجهة الانحرافات السلوكية والفكرية.
التكامل العقدي والسلوكي
في البداية يقول د. توفيق بن عبدالعزيز السديري وكيل وزارة الشؤون الإسلامية لشؤون المساجد والدعوة والإرشاد: القرآن الكريم هو أساس علوم الإسلام، وعليه مدار الأحكام {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}.
والناظر في آي القرآن ومقاصده يجده يبني التكامل العقدي والسلوكي في الفرد والجماعة، ويضيفي حماية عليهما من الوقوع في انحراف عن نهجه، ومفارقة لسبيله، لأنه يلبي احتياجات النفس البشرية، ويتماشى مع قدراتها، مراعياً حفظ الكليات الكبرى، من دين ونسل ونفس ومال وعرض.
وهذا هو المسلك الوسط الذي اختاره الله لأمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ويقول الله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}، يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: (ما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزعتان، إما إلى تفريط وإضاعة، وإما إلى إفراط وغلو، ودين الله وسط بين الجافي عنه والغالي فيه، كالوادي بين جبلين، والهدى بين ضلالتين، والوسط بين طرفين ذميمين، فكما أن الجافي عن الأمر مضيع له فالغالي فيه مضيع له، هذا بتقصيره عن الحد، وهذا بتجاوزه الحد).
ولما كان نهج القرآن كذلك عني بحماية الفرد من الانحراف عن الوسطية إلى التطرف، ومن ذلك حض الفرد المسلم على التمسك بأسباب الوسطية كالدعاء، ومنه قوله تعالى: {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ}، (ولما أمرنا الله عز وجل أن نسأله في كل صلاة أن يهدينا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم.. كان ذلك مما يبين أن العبد يخاف عليه أن ينحرف إلى هذين الطريقين) قاله ابن تيمية رحمه الله.
ومن ذلك التحذير من تعدي الحدود، كقوله سبحانه: {تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}، (أي: هذه الشرائع التي شرعها لكم هي حدوده فلا تتجاوزوها) قال ابن كثير: وفي الحديث: (إن الله حد حدوداً فلا تعتدوها، وفرض فرائض فلا تضيعوها، وحرم محارم فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم من غير نسيان فلا تسألوا عنها)، ومن ذلك الامر بالاستقامة وعدم الغلو، كقول الله: (فاستقم كما أمرت) وهو أمر بالاعتدال والوسطية، والمضي على السبيل القويم بلا انحراف وعوج، يقول الألوسي رحمه الله معقباً على الآية: (هذا أمر بالدوام على الاستقامة، وهي لزوم المنهج المستقيم، وهو المتوسط بين الإفراط والتفريط). ومن ذلك النهي عن الغلو، كقوله عز وجل: {لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ}وهو خطاب موجه لأهل الكتاب أصالة، ولكنه يعم بدلالة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه: (إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين) وصححه ابن تيمية في الاقتضاء قال ابن تيمية رحمه الله: (وهذا عام في جميع أنواع الغلو في الاعتقادات والأعمال). ومن ذلك بيان مصير المنحرف وعاقبته، وهو داخل في عموم الوعيد بالمخالفة لأمره سبحانه وفي الحديث: (هلك المتنطعون) يقول النووي رحمه الله شارحاً: (أي: المتعمقون المغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم)، ومن ذلك الحث على الاعتدال والتيسير، بعيداً عن التشديد والتعسير، كقوله: {يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}، وفي الحديث: (إن الله رضي لهذه الأمة اليسر، وكره لها العسر) الطبراني بسند رجاله رجال الصحيح ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن هذا الدين يسر ولن يشاد أحد الدين إلا غلبه)، ومع وضوح معالم الوسطية ومسلكه في القرآن الكريم إلا أن هناك من يتنكب الطريق، ويذهب ذات اليمين وذات الشمال، فاحتاجوا إلى يد السلطان الحازمة، التي تأخذ الناس على الحق، وتردعهم عن الباطل، وتقودهم نحو الاعتدال، وتصحح مسار الشدَّاذ. يقول الله: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى}، (وأحق من أعين على ذلكم ولاة الأمور) قاله ابن جماعة رحمه الله في: (تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام)، بل تواردت الأدلة على طاعة ولي الأمر في مسائل الاجتهاد حفظاً لبيضة الإسلام، واستبقاء لاستقرار أمن الجماعة وألفتهم، يقول ابن أبي العز في: (شرح الطحاوية): (دلت نصوص الكتاب والسنة وإجماع الأمة أن ولي الأمر وإمام الصلاة والحاكم وأمير الحرب وعامل الصدقة يطاع في مواضع الاجتهاد، بل عليهم طاعته في ذلك، وترك رأيهم لرأيه، فإن مصلحة الجماعة والائتلاف، ومفسدة الفرقة والاختلاف أعظم من أمر المسائل الجزئية).
الحصن الحصين
من الانحراف والتطرف
ويرى الشيخ عبدالله بن إبراهيم الغنام الوكيل المساعد لشؤون الأوقاف أن ما تمر به أمة الإسلام اليوم من المحن والفتن والانحراف والتطرف، سببه الابتعاد عن الكتاب والسنة المطهرة، ولا سبيل إلى الخلاص من ذلك كله إلا بالتمسك بالكتاب والسنة فإنهما الحصن الحصين والدرع الواقي والحامي للأفراد والمجتمعات، وقد أخبرنا الرسول صلى الله عليه وسلم عن المخرج من ذلك حين قال: (كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم هو الفصل ليس بالهزل من تركه من جبار قصمه الله ومن ابتغى الهدى من غيره أضله الله فهو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسنة ولا يشبع منه العلماء ولا يخلق عن كثرة الرد ولا تنقضي عجائبه) سنن الدارمي.
فالقرآن الكريم له الأثر الكبير والفاعل بإذن الله من حماية أفراد الأمة حينما تتمسك بكتاب ربها وسنة نبيها محمد صلى الله عليه وسلم من الانحراف والتطرف الذي يهدد أفراد المجتمع المسلم، وقد ثبت عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب) ومعلوم أن أخلاق الناس وتصرفاتهم وكافة حركاتهم وسكناتهم إنما تنبع مما حفظوه وحملوه في صدورهم، فكل إناء بما فيه ينضح، وحامل القرآن لا بد أن يتأثر بما يحمله، وأن يتخلق بأخلاقه مما يوفر له الحصانة والحفظ من كل شرور الدنيا، حيث إنه مع ما في حفظ القرآن الكريم من شرف وفضل وثواب عظيم يناله الإنسان في الدنيا والآخرة، فإن هناك فضائل وإيجابيات أخرى كثيرة تنعكس على حياة حامل القرآن، وتحفظه وتحميه من الأفكار الضالة وتجعله دائماً يتصف بالأمن والاستقرار النفسي، منشرح الصدر ذا سكينة واطمئنان يقول تعالى جل شأنه: {الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}، ثم إن في ذلك أيضاً حفظا لأوقاتهم وانشغالاً بما ينفعهم، فالمرء إن لم ينشغل بطاعة الله انشغل بضدها.
ولذا فإن حلقات تحفيظ القرآن الكريم التي تنتشر في جميع أنحاء المملكة، والتي تلقى رعاية وعناية كبيرة من حكومة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود، وسمو ولي عهده الأمين - حفظهما الله - خير ملجأ وملاذ لأبنائنا لتحصينهم من الانحراف والتطرف، وهي - بحمد الله وعونه - تلقى إقبالاً غير مسبوق من الناشئة والشباب، ومما يؤكد ذلك تلك الأعداد الكبيرة التي يعلن عنها من خريجي هذه الحلقات، ممن يحفظون القرآن الكريم كاملاً كل عام.
وللمسابقات القرآنية بحوافزها المتميزة، دور كبير في هذا الإقبال، وهي تؤكد - مع تعددها وتنوعها - اهتمام هذه الدولة - أعزها الله - بهذا الأمر، ومن هذه المسابقات (المسابقة المحلية على جائزة الأمير سلمان بن عبدالعزيز لحفظ القرآن الكريم) التي تتميز بشمولها لجميع القطاعات المختلفة لحلقات تحفيظ القرآن الكريم في أنحاء المملكة وللجامعات والمعاهد، ولكافة الفئات التعليمية وغير التعليمية في المجتمع السعودي الكبير، كما أنها تمثل المرحلة النهائية في أعداد الحفاظ الذين يمثلون المملكة في المسابقة الدولية الكبرى، (مسابقة الملك عبدالعزيز الدولية لحفظ القرآن الكريم) التي تعقد سنوياً بمكة المكرمة.
وعلينا أن ندرك أن إقبال أبنائنا على حلقات التحفيظ وتشجيعهم على ذلك، سوف يترتب عليه الكثير من الفوائد منها كما ذكرنا التأثر بسلوك أهل القرآن الكريم والتعلق بالمساجد، والارتباط بالصحبة الخيرة من اقرانه وزملائه، وتجنبه قرناء السوء، كما أنها تساعده على تحسين مستواه العلمي لأن حفظ القرآن الكريم يقوي ملكة الحفظ والذكاء لدى الطالب.
وأنا أدعو الآباء والأمهات، أن يتحملوا مسؤوليتهم تجاه أبنائهم للالتحاق بحلقات التحفيظ، حتى يكونوا لهم قرة عين في الدنيا، وعملاً صالحاً ينتفعون به في الآخرة.
دور القرآن في حماية المجتمع
ويتناول الدكتور عثمان بن محمد الصديقي المدير العام للإدارة العامة للجمعيات الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم، دور القرآن في حماية المجتمع، وتماسكه، وحمايته لصاحبه، من أثر الانحراف والغلو، ويقول: إن هناك جوانب متعددة، فالجانب الأول، الانحراف العقدي والفكري، ولا شك أن قارئ القرآن الكريم حينما يقرؤه بتمعن وتفكر وتدبر يلمس آيات كثيرة في كتاب الله تعالى تدعو إلى الآتي:
أولاً: الاعتصام بحبل الله تعالى، وعدم التفرق، والنهي عن التنازع، ووجوب الرد إلى كتاب الله تعالى وإلى الرسول صلى الله عليه وسلم: كقوله تعالى: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}، وقوله: {وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}. فالآيات تدعو إلى تكامل الصف وعدم التنازع والاختلاف.
ثانياً: طاعة ولاة الأمر وعدم الخروج عليهم وشق عصا الطاعة، كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}، وقوله: {وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ}، ومما يؤكد تأكيد لحمة الولاء والطاعة والبقاء مع ولاة الأمر قوله تعالى أيضاً: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.
ثالثاً: حرمة الأنفس المعصومة وقتل الأبرياء كقوله تعالى: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا}، وقوله: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا}.
فكل هذه الآيات وغيرها حينما يمر عليها قارئ القرآن الكريم بتدبر وتفهم فإنها تستوقفه لمعرفة المراد منها، وتستوقفه لإزالة ما قد يعلق في قلبه وعقله من شبهات الغلو إن كان المرجع في التفسير من مراجع التفسير المعتمدة عند أهل السنة والجماعة والسلف الصالح، وإلا فإن أهل الزيغ والضلال والمغرر بهم يؤولون هذه النصوص ويفسرونها لما يريدون، وينزلونها على مرادهم، وكما قال ابن عمر رضي الله عنهما في الخوارج: يأتون على الآيات في كتاب الله في شأن غير المسلمين ويضعونها على المسلمين فيستحلون دماءهم وأعراضهم وكما قال تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ}.
فهذه بعض الإشارات في حماية القرآن الكريم في الجانب الأول الذي ذكرناه وهو الجانب العقدي والفكري. أما حماية القرآن الكريم لقارئه في جانب الانحراف السلوكي فكثيرة جدا وكما قال جل شأنه في شأن القرآن الكريم والاتعاظ به {فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ}، فهناك آيات كثيرة في كتاب الله تعالى ترهب من فعل الكبائر منها على سبيل المثال آيات تحريم الخمر في سورة البقرة والمائدة، وآيات تحريم الزنا في سور الأنعام والإسراء والفرقان، وآيات تحريم أكل الربا في سورة البقرة وآل عمران والنساء، وآيات تحريم الغيبة والسب والشتم والسخرية في سور الحجرات، وحينما يمر القارئ على الآيات التي تحذر من عقوبة الله تعالى وذكر جهنم وأهوال القيامة حال أصحاب النار - أعاذنا الله منها - وحينما يقرأ الآيات التي فيها ذكر الجنة ونعيمها وحال أصحابها - جعلنا الله من أهلها - حينما يقرأ القارئ كل ذلك بتدبر وتفهم وتأن فإنه بكل تأكيد يتأثر بكلام ربه، وسيحمي سلوكه من الانحراف والضياع، وكم سمعنا من شباب اهتدوا ورجعوا إلى طريق الاستقامة بسبب آية سمعوها بتأثر من بعض الأئمة في صلاة التراويح استوقفتهم معانيها فتركوا ما هم عليه من الانحراف.
ولكن لما صارت قراءتنا لكتاب الله تعالى دون تدبر وتفهم وتعقل وإنما قراءة تعبدية صرفة للألفاظ وإقامة الحروف والمدود دون معرفة المعاني والحدود بعد تعلقنا بكتاب الله تعالى ولم يؤثر في عقائدنا وأفكارنا وسلوكنا وأخلاقنا، واسمع إلى وصايا عبدالله بن مسعود رضي الله عنه فيما ينبغي لقارئ القرآن الكريم فقال رضي الله عنه: (ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون، وبنهاره إذا الناس يفطرون، وبحزنه إذا الناس يفرحون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبصمته إذا الناس يخوضون وبخشوعه إذا الناس يختالون). وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: يا حملة القرآن أو قال يا حملة العلم اعملوا به فإنما العالم من عمل بما علم ووافق علمه عمله وسيكون أقوام يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم، يخالف عملهم علمهم وتخالف سريرتهم علانيتهم يجلسون حلقاً يباهي بعضهم بعضاً، حتى أن الرجل ليغضب على جليسه أن يجلس إلى غيره ويدعه أولئك لا تصعد أعمالهم في مجالسهم تلك إلى الله تعالى.