Al Jazirah NewsPaper Sunday  27/05/2007 G Issue 12659
أصداء
الأحد 10 جمادى الأول 1428   العدد  12659

بابا طاهر: عاشق الأطفال ومكتشف الفنانين

أنا طاهر زمخشري المعروف بما قيل عني:

كومة من الفحم سوداء تلبس ثياباً بيضاء، وتقول شعراً قصائده حمراء وخضراء وصفراء)!.

بهذه الكلمات المرحة وصف الشاعر طاهر زمخشري (بابا طاهر) نفسه في حفل تكريمه بجائزة الدولة التقديرية للأدب، وهي تذكرنا بكلمة قيلت في محمد سرور الصبّان (أسود الجلد أبيض الفعال).. بل قال الصبّان عن نفسه: (أما صورتي التي طلب مني أحدهم أن تكون في أول صحفية من هذا الكتاب (أي كتاب أدب الحجاز) - ولم أوافق - فهي من قبيل قول القائل: (سماعك بالمعيدي خير من أن تراه): لون أسود فاحم، يضاف إليه طول القامة كأنك أمام عمليق من العمالقة، وبقية الوصف أشفق على القارئ من إيرادها). وكان للشاعر محمد الحداد تعليقه النفيس على عبارة (كومة الفحم) في قصيدة نشرها بعنوان (كومة الفحم)، تهنئة للزمخشري بمناسبة تكريمه من الدولة، يقول فيها:

كومة الفحم فيك قلبٌ توقد

ولسانٌ يحكي مضاء المهند

قيمة المرء فيهما تتجلى

ليس في روعة المباسم والخد

كومة الفحم فيك للفكر

إشعاع وللشعر رافدٌ ليس ينفد

كومة الفحم فيك للعين يُجلى

(طاهرٌ) كلنا لمرآه يحمد

صيدح الشعر لا عدمناك غِرِّيداً

تغني للحب في اليوم والغد

وتقبل منا أرقَّ التهاني

والتحيات ما تألق فرقد

ولطاهر زمخشري مقطوعة بعنوان (إليها..!؟) ومهرها بقوله: (إلى التي عيّرتني بلوني..؟!):

لا يَعيبُ السَّوادُ صفحةَ وجهٍ

هي بالماءِ ذِلَّةً لا تجودُ

لا ولا يرفعُ البياضُ ذليلاً

إنما المرءُ ما بَنَى أو يَشِيدُ

فإذا كان في السواد عُيوبي

فبصدري تجيشُ بيضاءُ رودُ

وهي للحبِّ والوفاءِ نشيدٌ

وصداهُ على الحياةِ مَديدُ

طاهر بن عبدالرحمن بن محمد زمخشري (1332-1407هـ/1913-1987م) شاعر وكاتب من رواد الأدب في الحجاز، وهو صاحب أوليات متعددة.. ولد في مكة، وتلقّى تعليمه في مدرسة الفلاح، وعاش مدة طويلة في مصر وتونس.

وعمل الزمخشري بعد تخرجه في وظائف كثيرة منها: كاتب مؤقت بلجنة إحصاء النفوس، وكاتب إدارة بالمطبعة الأميرية، فمصححاً بجريدة (أم القرى) حين انضمت إلى المطبعة الأميرية، ومدرس بدار الأيتام بالمدينة المنورة، وسكرتير للمجلس الإداري بأمانة العاصمة، وسكرتير البلدية في الرياض، وسكرتير البلدية في الخرج، وسكرتير ديوان الجمارك بوزارة المالية، وعمل موظفاً بالإذاعة السعودية في عدة وظائف كان آخرها مراقب عام برامج، ورأس تحرير جريدة البلاد لمدة سنة.

قدم زمخشري برامج إذاعية تجاوز عددها عشرين برنامجاً من أهمها: برنامج الأسرة، وبرنامج الأطفال (الذي قدمه بلقب بابا طاهر)، وروضة المساء، ويوم جديد، وقصص قصيرة، ومع الأصيل، وشعر وموسيقى، وجريدة المساء.. كما قدم مجموعة من البرامج التلفزيونية ومنها: دعاء السَّحَر، ومن هدي النبوة، ويا رب.

ومن الطريف في حياة هذا الرجل أنه دخل الإذاعة بصوت امرأة! فعندما تأسست الإذاعة عُقد اجتماع في دار الشيخ إبراهيم السليمان، المسؤول الأول عن الإذاعة وقتها، فاختير نخبة من الأدباء، ولما رشّح بعضهم الزمخشري رفض المجلس؛ لضعف صوته، وتمسّك الشيخ إبراهيم إسلام بترشيحه للزمخشري، فقال لهم: ألا تحتاجون صوت امرأة؟ فأجابوا: بلى! فقال: هذا يمثل صوت امرأة، فاختاروا الزمخشري على هذا الأساس! فكان أول برنامج قدمه الزمخشري ونجح فيه هو برنامج (ركن المرأة) قبل برنامج (بابا طاهر).

يتمتع الزمخشري رحمه الله بجانب كبير من الفكاهة والروح الطفولية التي حببته إلى الأطفال الذين تجاوبوا مع برنامجه الإذاعي، وأطفال تلك الأيام هم أدباء هذه الأيام مثل: عبدالله الجفري، وأسامة السباعي، ومحمد سعيد طيب، وغيرهم.

أنشأ (مجلة الروضة) وهي أول مجلة أطفال سعودية، صدر أول عدد منها في 14-3- 1379هـ، وتوقفت عن الصدور نهائياً في 17- 11-1379هـ، وعُرف بلقب (بابا طاهر) لاهتمامه بأدب الطفل.. وقد أحب الشاعر طفولة الأطفال، وفي ذلك يقول: (الأطفال عشقي الأول والنهائي والأخير.. أنا عاشق البراءة وأحلام الطفولة وأمانيها؛ فالطفولة هي الوطن والحياة).

وهو صاحب أول ديوان سعودي مطبوع؛ فقد طُبع ديوانه الأول (أحلام الربيع) سنة 1366هـ/1946م.

والزمخشري رحمه الله شاعر رومانسي، وفي حياته الخاصة أحداث كثيرة دفعته دفعاً إلى هذه الرومانسية منها: مرضه الذي اضطره إلى السفر والاغتراب لتلقي العلاج؛ وهو ما حفّز شعوره الدائم بالغربة والحنين إلى الوطن، ثم فَقْد أحبابه من أفراد أسرته (الزوجة والبنت)، إضافة إلى يتمه المبكر.. يقول في رثاء زوجته:

هي في أكفانها نائمة

وأنا الساهر وحدي للأنين

لو تقاسمنا الردى من يومها

كنتُ في قبريَ بين النائمين

فأنا الشاعر أبكي فإذا

قطرات الدمع شدوٌ في السنين

وأنا الساخر بالدنيا ومَن

هو فيها من طروب أو حزين

وأنا الساهر وحدي للشجا

أرقب الموت ويأبى أن يحين

وكان رحمه الله من الرواد الأوائل في تأليف النص الغنائي، فكتب أكثر من مئة نص بين قصيدة ونشيد وأغنية. وكان كما قال عن نفسه : أول كاتب رياضي في المملكة العربية السعودية، بتوقيع (موظّف متقاعد).. كما كان أول معلق رياضي في المملكة.

يقول الأستاذ عبدالله الجفري عن أستاذه الزمخشري: (ولن ننسى أول ملتقى لنا بعد خروجنا من الطفولة إلى الفتوة والصبا.. جمعنا فيه معلمنا الشاعر الكبير عاشق الأطفال طاهر زمخشري أو (بابا طاهر)، كما كنا نناديه وقد شكّل منا فريق تمثيل وتقديم إذاعي للمشاركة في برنامج الأطفال الذي يشرف عليه (بابا طاهر)، وبرنامج الأسرة الذي يشرف عليه معلمنا المربي قاسم فلمبان.. وفي مبنى الإذاعة الكائن حينذاك على (جبل هندي) كان يستقبلنا مدير فرع الإذاعة بمكة المكرمة الشريف محمد بن شاهين، عاشق النغم بصوته الشجي الذي كان يشدنا إليه ترديده لأغاني محمد عبدالوهاب، وكنا نطلب منه ونحن نتحلّق حوله أن يغني لنا من أغاني عبدالوهاب بصوته الشبيه جداً بصوت عبدالوهاب، فيعلو صوته: (يا وابور قُلِّي رايح على فين)، (جفنه عَلَّمَ الغزل)، (يا شراعاً وراء دجلة)، (مضناك)!!.

وما يلبث (بابا طاهر) أن يصادرنا من الشريف ليدخلنا الأستوديو، ومثله كان الأستاذ قاسم فلمبان الذي كان يستفيد من أصواتنا الصغيرة لأداء دور المرأة!!!.

وقد صقلتنا هذه المرحلة بالتعلم من أساتذة ومربّين تولوا توجيهنا إلى عشق القراءة والكتاب، وهواية التمثيل، وتصفية أسماعنا بالإصغاء للنغم الراقي).

وإبّان عمل طاهر زمخشري بالإذاعة اكتشف وتبنّى مجموعة من الأصوات الغنائية، منها على سبيل المثال : غازي علي، وعمر الطيب.. وكان طاهر زمخشري من ضمن مكتشفي الفنان محمد عبده (فنان العرب) غنائياً، فقد قدم له في الستينات الميلادية أغنية (خاصمت عيني من سنين)، و(مادرينا)، و(يا أعذب الحب)، ومطلعها:

يا أعذب الحب آمالي قد ارتسمت

في موطن رقصت في جوهه النعمُ

قال الفنان محمد عبده في حفل تكريم طاهر زمخشري: (لقد عشت معه منذ أن التقيت به في عام 1384هـ في القسم الموسيقي، بحسّه الفني تنبّه لي وأنا أغني، واهتم بي ورعاني كثيراً، وعندما عرف أنني أزور الفنان عمر كدرس أصبح يأتي ليسمعني ويوالي نصائحه القيّمة لي وعنايته، ولقد استفدت من تلك النصائح في حياتي الفنية ومن توجيهاته الأبوية).

وغنّت له الفنانة ابتسام لطفي: (النجوى الهامسة)، و(لو تسألوني)، و(هواك) ومطلعها:

هواك أعاد لي ثقتي بنفسي

وروى بالمنى أعماقي

ولم يكتف زمخشري بإعطائها قصائده لتغنيها، فقد كتب في شخصها قصيدته (الوتر المبصر..؟!) ممتدحاً فيها شجاعتها في التغلّب على إعاقتها البصرية، يقول: (إلى الفنانة الموهوبة الآنسة (ابتسام لطفي) التي تمثّل الفنان العربي المسلم بكل جدارة؛ وذلك بمناسبة سفرها إلى الكويت الشقيق لأول مرة):

سافري في وديعةِ الرحمنِ

واحملي النورَ معزِفاً للأغاني

واذكري أننا لعَوْدِكِ نهفو

باشتياقٍ مضمخٍ بالحنان

واذكري أنها الأصالةُ فينا

تتسامى بالمبدعِ الفَيْنَان

والرؤى الحالماتُ تَسترجعُ الغُنْ

وَةَ من رجعِه الشَّفيفِ المعاني

فيه فَرْطُ الحنانِ يَستنفرُ الآ

هةَ من كل خافقٍ هَيْمَان

ويُرينا كيف الغناءُ الذي يُبْ

صِرُ يَسْري لأعمقِ الوجدان

وتقول عنه ابتسام لطفي: (بابا طاهر ليس مجرد ذكريات بقدر ما هو حقيقة ساطعة في حياتي.. هو صورة نطقت بالحب الإنساني الذي ملأ جوانحي بعد يأس الظلام). إن طاهر زمخشري فنان بكل المقاييس، وتُظهر دواوينه الشعرية هذا الجانب من حياته بجلاء، فقد بلغ عشقه للفنون مبلغه من حياته، وصار يسجل إعجابه بالأعمال الفنية وأهل الفن شعراً.. ومن ذلك: قصيدة نظمها إعجاباً بفيلم (لستُ ملاكاً)، وقصيدة أخرى لفيلم (الحب الأول) تحية لبطلة الفيلم رجاء، ثم يوجه قصيدة إلى السيدة سوسن عازفة الأكرديون للأطفال بعنوان (عازفة الأكرديون)، وقصيدة بعنوان (مصرع فنانة) عن قصة وفاة أسمهان الأطرش، وقصيدة بعنوان (تغريدة الحسُّون) مهداة إلى الفنانة هيام يونس، وقصيدة أخرى بعنوان (صدّاحة) أهداها إلى مطربة تونس الأولى السيدة علية، ورثاء حار لكوكب الشرق أم كلثوم في قصيدة (الرؤى الخالدة..؟!)، يقول: (لئن ماتت أم كلثوم كوكب الشرق، بعد أن ملأت الدنيا غناء، فقد بقيتْ أغنية خالدة على فم الزمان، تغمدها الله برحمته الواسعة).

لقد نال طاهر زمخشري - رحمه الله - بعض ما يستحقه من التكريم في حياته، فقد منحه فخامة الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة وسام الاستقلال الثالث في عام 1963م، ثم وسام الثقافة الثاني عام 1974م، وحصل على جائزة الدولة السعودية التقديرية في الأدب سنة 1404هـ/1983م.. ولكن سيرة طاهر زمخشري (بابا طاهر) لم تُكتب بَعد من تلاميذه ومحبيه في الأدب والفن، على الرغم من أنه ذكر مجموعة منهم في أشعاره.


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد