Al Jazirah NewsPaper Tuesday  29/05/2007 G Issue 12661
محليــات
الثلاثاء 12 جمادى الأول 1428   العدد  12661
أحمد المانع كما عرفته
عبدالعزيز بن عبدالله السالم

عندما نُعي إليّ الأخ الصديق الأستاذ أحمد بن الشيخ محمد المانع، انداحت في ذهني دوامة من الذكريات امتدت على مساحة نصف قرن من الزمان تحمل ملامح كثيرة من صورة الماضي لحياة مديدة في عهد الشباب.

***

نحن جيل ذلك العصر كنا متقاربين تقريباً في الأعمار، ومتفقين في كثير من التوجهات. نعيش حياة قد يحيطها ألوان من النصَب وقلة المال، لكننا نحس بالسعادة ونشعر بذواتنا طلاباً في الجامعات المصرية التي كانت تحتضن آمالنا وتصنع مستقبلنا.. وكان الأستاذ أحمد المانع بصفته الملحق الثقافي بمصر يهتم بشؤون الطلاب المبتعثين ويعاملهم بود كإخوة مقربين منه، ويرعاهم بكل ما يملك من نفوذ شخصي ويواسي محتاجهم من ماله ويعطف على من يستحق العطف والمواساة.. ثغره دائم الابتسام وصدره يتسع لمختلف المشكلات وكثرة الطلبات.

***

وكان كل طالب يرى في الأستاذ أحمد صورة الإنسان المثالي، فلا يشعر نحوه بأنه الرئيس الآمر، بقدر ما يحس أنه الصديق الرائع. ولقد مضت بنا السنوات الجامعية بحسب كل تخصص واستيعاب كل طالب، واستطعنا الحصول على الشهادات الجامعية في ذلك الوقت الشحيح بالشهادات والمؤهلات بالنسبة إلى واقع بلادنا قبل هذا العصر الذي تقدمت فيه بلادنا، وكثرت فيه جامعاتنا وتعددت مراحل التعليم عندنا، وصرنا نستقبل الدارسين من بلدان أخرى على مستويات مختلفة بحسب جميع مراحل التعليم وتنوعاته.

***

عادت بي الذاكرة إلى الوراء كما أشرت في مستهل هذه الكلمة التأبينية، حينما سمعت نبأ انتقال أخينا الحبيب الأستاذ أحمد إلى رحمة الله، إذ له من المزايا ما يشهد بها كل من عرفه وسمع عنه، فهو يتمتع بروح عالية قلما يتمتع بها كثيرون، فهو رجل كريم النفس واليد واللسان، ويمتاز بسماحة الخلق، ونبل العواطف، وطيب السجايا، وكريم الشمائل، ولا تزال صورته المتألقة في نفوس أصدقائه ومحبيه ترتسم أمامنا بقامته المديدة وابتسامته المشرقة ونظرته الصادقة، وبهذه المواهب التي حباه الله بها، كانت مواقفه الإيجابية وصحبته الكريمة التي لم تمحها الأيام ولم تنل منها مسافات الزمان، وفي طليعة أصدقائه المخلصين الدكتور عبدالله الوهيبي والأستاذ عبدالمحسن المنقور، وقد سبقه الاثنان إلى دار البقاء، وهما من أخلص أصدقائه وأعز أصفيائه.. رحم الله الثلاثة وأكرم مثواهم، فقد كان لكل منهم دور مميز في الحياة وحضور مشرف في هذا الوجود.

***

ومع تداعي الذكريات، كان رحمه الله في بيروت، وقدمت إلى لبنان، وقد التقينا عند صديقنا الحاتمي الطبع النبيل السجايا الأخ عبدالمحسن المنقور الملحق الثقافي بلبنان حينذاك الذي جعل من مكتب الملحقية ملتقى للسعوديين وسواهم من العرب، وكان الأستاذ أحمد يسكن في فندق وأنا أسكن في فندق آخر، فاتفقنا على الانتقال إلى فندق يجمعنا معاً، وتم ذلك لما يجمعنا من روابط المحبة وأواصر الصداقة، والنفوس أرواح مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تنافر منها اختلف، وكذلك كانت العلاقة بيننا ائتلافاً بلا خلاف.

***

وجانب مهم من شخصية فقيدنا العزيز يجب أن أنوّه به، وهو الجانب المعرفي عنده فهو موسوعة ثقافية.. باحث في تاريخ العرب وأنساب القبائل، ويحفظ الشعر العربي ويحيط بآثار كثير من العلماء والشعراء، وكذلك حياتهم وتنقلاتهم، ويعرف الرواة ويميز رواياتهم.. ونعدّه مرجعاً لنا فيما يشكل علينا من شعر أو رواية، فيجيبنا على الفور الجواب الصحيح كأنه يقرؤه من كتاب. وظل كذلك يحتفظ بذاكرة جيدة إلى أن أقعده المرض الذي توفي على أثره.

***

عند مواراته القبر - تغمده الله برحمته - حضر تشييعه كثير من الذين درسوا في مصر وتربطهم به روابط وثيقة، وصلات متينة من الود والتقدير.. وقد رسم الزمن ملامحه على كثيرين يمثل طابع نصف قرن مضى على الصبا والشباب، وبدت أمارات تقدم العمر على كثير من السمات والوجوه، فمنهم من ضعف بصره، فهو يتكئ على كتف أحد أولاده أو على أحد أحفاده، ومنهم من يتوكأ على عصاه ويقول: ولي فيها مآرب أخرى، ومنهم من وهن جسمه فهو يجر خُطاه بحكم عقود السنين التي مرّت به أو مرّ بها، وكل منهم يشكو أعراض الشيخوخة، ومتاعب الأعوام التي خلّفها وراءه. وصدق الله العظيم: {وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ} (11) سورة فاطر. رحم الله إخواننا الذين سبقونا إلى الدار الآخرة ونحن لا شك بهم لاحقون.

{إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ}.


 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد