«الجزيرة» - الرياض
في مداخلة محمد رضا نصر الله عضو لجنة الشؤون الثقافية والإعلامية بمجلس الشورى حول إنشاء وزارة لحقوق الإنسان والمجتمع المدني قال: يشكل نظام الجمعيات والمؤسسات الأهلية الأرضية القانونية لعمل هذه الجمعيات والمؤسسات والإسهام في تطويرها بوصفها غير حكومية، هدفها التوسط بين المجتمع والدولة في تبني وتنفيذ برامج الرعاية الاجتماعية وبرامج التنمية الاقتصادية والسياسية والثقافية من خلال إشراك المواطن في إدارة المجتمع وتطوير العمل الجماعي، وتعميق روح الولاء الوطني عبر توسيع مبدأ المشاركة السياسية، بتأهيل المواطن للقيام بدوره في صناعة القرار الوطني.
لذلك فإنه ينبغي الانطلاق في مناقشة نظام الجمعيات والمؤسسات الأهلية من أدبيات المجتمع المدني، بوصفه مكملاً لدور الدولة - وهي في مملكتنا دولة عصرية- وذلك لتحقيق المعادلة التي يسعى إلى تطبيقها في الدول والمجتمعات الحيوية (دولة قوية ومجتمع قوي) دون اختلال أحد عنصري هذه المعادلة المحققة للاستقرار الاجتماعي والتنمية الوطنية.
من هنا ينبغي التدقيق في ما ورد من تعريفات في المادة الأولى من الفصل الأول فالنظام واللائحة والهيئة والمؤسسة والاتحادات والجمعية ومجلس الإدارة.. كل هذه تنتمي إلى منظومة المجتمع المدني، حيث استقر الرأي -أكاديميا وإجرائيا- حول تعريف محدد له وهو أن المجتمع المدني هو مجموعة التنظيمات التطوعية الحرة التي تملأ المجال العام بين المجتمع السياسي (الدولة) والجمعيات والنقابات أهلية وقطاعا خاصا ونفعا عاما وجمعيات علمية، بمعايير تقوم على الاختيار الحر، والتشكل عبر منظمات أو مؤسسات في سياق اجتماعي وثقافي يؤسس لمفاهيم التنوع والتسامح وقبول الاختلاف.. ومشاركة الدولة في إدارة المؤسسات الوسيطة أو القطاع الأهلي.. أو القطاع الثالث كما أصبح شائعاً في أدبيات المجتمع المدني.. أو حسب تعريف البنك الدولي في تقرير 1998م في أنه القطاع المستقل عن الدولة أو غير الحكومي الذي يضم أنواعاً مختلفة من المنظمات غير الحكومية، وتتسم بالعمل الإنساني والتعاون الأهلي دون أن يكون لمؤسسات المجتمع المدني أي أهداف سياسية.
نعم هناك اختلاف نوعي بين المجتمع المدني.. والمجتمع الأهلي.. فالأخير من ناحية تطور الاجتماع العربي والإسلامي هو ممهد للأول؛ عندما كان يمارس في الحواضر العربية والإسلامية منذ العصر العباسي والعصور التي تلته حتى انتهاء الدولة العثمانية، وكان المجتمع الأهلي يقوم على نظام علاقات من أواصر القربى العائلية والقبلية.. كما بحثها ابن خلدون في مقدمته الشهيرة.. انعكس بعد ذلك في أواصر علاقات مهنية تمثلت في أرباب الطوائف والحرف.
وفي المملكة عرف مجتمعنا من قبل ومن بعد مستوى من نشاط المجتمع الأهلي كمشيخة الصاغة والزمازمة والطوافة والدلالين.. وقد أصبحت هذه المؤسسات الأهلية ذات الطابع الأسري أو الحرفي غير قادرة على تمثيل تشكيلات القوى الاجتماعية الجديدة في المملكة التي هي الآن في حالة انتقال من المؤسسات القديمة إلى مؤسسات جديدة تتماشى مع حيوية المجتمع السعودي المتطور، وما انتخابات الغرف التجارية والجمعيات العلمية في الجامعات وهيئة الصحفيين.. وقبل ذلك الجمعيات الخيرية التي تشكلت على أسس من مفاهيم الوقف الإسلامي إلا تعبير عن حاجة المجتمع السعودي إلى مؤسسات تنظيمية تحت إطار ومفاهيم المجتمع المدني.
إذن.. ما المانع من إطلاق صفة المجتمع المدني على نظام الجمعيات والمؤسسات الأهلية، فهي تسمية أشمل وأدق وقادرة على تدشين ثقافة المؤسسات في المملكة.
هذا وقد سبق لمجلس الوزراء أن أقر هذه التسمية. وذلك في جلسته المنعقدة بتاريخ 6 رجب 1427هـ عندما أعاد تشكيل اللجنة الوطنية لمكافحة المخدرات بوصف الأعضاء غير الحكوميين فيها يمثلون (المجتمع المدني) هكذا بالنص.. بل إن من يراجع مضابط جلسات مجلس الشورى سوف يرى أن معالي رئيس مجلس الشورى قد استخدم هذه التسمية في بعض المواقف.. وبهذه المناسبة أحسب أن إبراز هذه التسمية ينبغي أن تتجاوز عنوان النظام إلى اسم الهيئة الوطنية للجمعيات والمؤسسات الأهلية في المادة الرابعة من الفصل الثاني.. بحيث تناط مسؤولية الإشراف على تطبيق هذا النظام إلى الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان الصادرة بمرسوم ملكي وتعيين رئيسها بمرتبة وزير.
وحيث إن حقوق الإنسان أحد أبرز محركات المجتمع المدني الحديث.. فإنني أقترح تحويل الهيئة إلى وزارة وضم مسؤوليات الجمعيات والمؤسسات الأهلية إليها ليصبح اسمها (وزارة حقوق الإنسان والمجتمع المدني) شريطة أن تتمتع بمستوى من الحيوية في إجراءاتها الإدارية وتوفير التمويل اللازم لتفعيل مؤسسات المجتمع المدني. وتخفيف الرقابة الصارمة على إنشاء مؤسسات المجتمع المدني، بوصفها قطاعاً مكملاً لأداء الدولة في التنمية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية والحقوقية.
إن هذا لو تحقق سوف يضيف رصيداً إيجابياً إلى الدولة خاصة في أوساط الرأي العام الدولي، وكذلك سوف تساعد على تعديل الصورة النمطية المقلوبة عن المجتمع والدولة في المملكة.