كان في الزمن السحيق (يقنب) من أعالي المرتفعات ويعوي في ليال الشحّ من شعفات الجبال ثم ينحدر بأقصى سرعته للسفح يتقادح من براثنه شرر أحجار الصوان، وحينما تنأى القطعان مع القبائل الظاعنة التي تتبع البرق في سني الفقر والفاقة نحو مساقط المطر ولا يجد قوت (فراغله) الشُهب يطحن بأضراسه الحادة الصخر ثم يطلق عواءه المريع في كل الأنحاء.
|
وقِيل إن الذئب في حياته الجائلة في مكامن الوعر ومهامه البيد يتناول وجباته المتتالية حسب التياسير (فإما ضأن وإما إنسان وإما كثّان).
|
وحينما انقرضت قطعان الضأن وانحدر الإنسان إلى سواحل النفط قِيل إن الذئب امتطى (حصاناً حديداً) قدمته له الشركات التي أنشأها الرجال الحُمر ذوو الأعين الزرقاء على سواحل بلاده الغالية، وقيل إن أغلب قبائل الذئاب انحدرت لتعمل في تلك الشركات ولكن بلا مخالب أو أنياب!! ولا قطعان أيضاً.
|
لذلك كان الذئب وهو يمتطي (حصانه الحديدي) فارساً غريباً في بدء تشكل ذلك الزمان إذ كان (يُردف) أبناء جنسه فوق ذلك (الحصان) ويمضي بهم إلى مآربهم الصغيرة بلا أي مقابل أو (مِنَّة) من أحد.
|
|
(أنا ابن الذيب وأحب الجماله |
طيبٍ وأحب سلوم الطيبين |
حالفٍ ما أخذ على الطرقي رياله |
بالثلاثة حالف أنه ما يجيني) |
وكان أن خلد ابن الذئب في ذاكرة (الناس - الذئاب) منذ ذلك الزمان الصعب؛ زمن الفقر والحاجة وانعدام المروءة إلا مروءة ابن الذئب في وقت اللامروءات، واليوم وفي زمن اليُسر والرفاهية وادعاء المروءة إذ في زمن الرخاء (كلٍ كريمِ وطيب) وحينما كادت تتلاشى صورة ابن الذئب من ذاكرة الناس.
|
ها هو ثانية يُطلُّ بعد مرور نصف قرنٍ من الزمان و(يقنب) هذه المرة ليس من أعلى المرتفعات ولا من أعلى (جواده الحديدي) بل من مرتفع يراه كل الناس ويعيد للأذهان سيرته الرائعة ومروءته التي كانت في زمن اللامروءات ولكن هذه المرة مجسداً بالشاعر الخارق الفذِّ محمد بن الذيب فأهلاً به وبأسلافه أهل المروءات العظام، فهو لا يقل عنهم مروءةً على الإطلاق.
|
|