Al Jazirah NewsPaper Friday  05/07/2007 G Issue 12698
محليــات
الخميس 20 جمادىالآخرة 1428   العدد  12698
إلى متى نحتسي البحر؟!
وفاء للعاشقة
د. فوزية عبدالله أبو خالد

بدا كأنني أنحاز للنساء أو للعراق أو الاثنين معاً حين أصررت وطالبت بالتصويت في مجموعة من الزملاء الأكاديميين والخبراء المختصين ليتضمن تقرير التنمية لبرنامج الأمم المتحدة الإقليمي الصادر عام 2006 الخاص بنهوض المرأة العربية كشافاً يضيء الجانب الإبداعي من سيرة الشاعرة العراقية نازك الملائكة. وإن كنتُ في حقيقة الأمر لم أكن بذلك الاقتراح أنحاز إلا لشهد الشعر مصفى من هوى المواقف السياسية أوالتنظير النسوي والسيسيولوجي.

فما زلت احتفظ في مكتبتي ببيت أهلي من مطلع التسعينات الهجرية بمجموعة من دواوين الشاعرة مدوّن عليها عدد من رسائل الحب والدهشة التي كنت أناجيها بها في سري وقد تدلت من عرائش قصائدها أول شعلة الألعاب النارية للشعر الحديث التي كنا ندس أصابعنا الطفولية الطرية في رغاوي غوايتها دون أن نبالي بحروق أكفنا من جدة وخطورة التجربة ومحاذيرها الاجتماعية. وإذا كنت قد اخترت من ذلك الوقت المبكر أن أوغل في التجديد الشعري إلى فلوات قصيدة النثر فإن ذلك لم يكن ممكناً لجيلي لولا الاجتراحات الأولى ل(عاشقة الليل) ولولا أقمار وقناديل السهر التي علقتها على طرقات لم تكن مأهولة إلا بالحدس وشهوة الاكتشاف أو مهالكه.

ولا أخفي خيبتي حين ذهبت إلى بيروت وإلى العراق وإلى الكويت وإلى الأردن فيما بعد ولم أكن إلا كمن يقتفي أثر طائر الشعر الأسطوري. فقد ظلت نازك الملائكة مبتعدة لا تعبأ على ما يبدو بما غيّرته من ألوان البحر كما جاء في ديوانها (يغير ألوانه البحر1977م) ولا بما قلبته وفتحت الباب لتحريكه من (قرار الموجة) بمسمى ديوانها للعام 57م.

وفي عدد من الأمسيات الشعرية العربية والعالمية التي جمعتني بفدوى طوقان ولميعة عمارة وملك عبدالعزيز وعالية جعار وسواهن من جيل المبدعات الأوائل لحركة الشعر الحديث كانت الشاعرة نازك الملائكة تكون حاضرة بشياطين الشعر التي حرضتها فينا بينما تكون هي مختفية في ملكوت حياتها الخاصة. ولم أكن أبحث عنها لأتباهى بلقياها كما يتباهى الغاوي في نزق الشباب بلقيا المتنبي أو ليلى الأخيلية أو محمود درويش وغازي القصيبي وسلفيا بلاث ذات حلم أو قصيدة أو صدفة. كنت أتوق لذلك اللقاء لأسر لها بحرقة السؤال الذي كان لي ولأجيال من الشعراء بمجتمعي تجرع أحماضه.

وكان السؤال عن مجازفتها بخروج الشعر على وحشية الاستئناس في علاقتها بما يتنامى من وحشة الشعر في مشتركات العشق الشعري والتمرد الإبداعي بينها وبين الأجيال التي جاءت بعدها. إلا أن ذلك السؤال غير الشعري ذا الطبيعة الحفرية قد لا يحتاج إلى تلك الوقفة الاستيضاحية اليوم بعد أن أعطانا عجز موتها عن التواطؤ مع ما استعجلته الشاعرة نفسها من غيابها أجوبة شعرية حارة على اختلاف بحور وإيقاعات الشعر العمودي الحر.

لإبداء الرأي حول هذا المقال أرسل رسالة قصيرة SMS  تبدأ برقم الكاتب 5148 ثم إلى الكود 82244

 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد