Al Jazirah NewsPaper Friday  06/07/2007 G Issue 12699
تحقيقات
الجمعة 21 جمادىالآخرة 1428   العدد  12699
هل تعدد الزوجات أمان من الانحرافات الاجتماعية وحل لمشاكل المجتمع؟!
باطرفي: الزواج السري والعنوسة والانحرافات في المجتمع من نتائج انعدام التعدد

جدة - هيفاء القريشي

الطلاق، والعنوسة، والبطالة النسائية مشاكل وقضايا أصبحت تؤرق المجتمع السعودي، حيث كشفت دراسة حديثة عن ظاهرة الطلاق في المجتمع السعودي أن نسبة المطلقات السعوديات تبلغ 18.4 في الألف حسب بيانات المسح الديموغرافي التي بينت الارتفاع الملحوظ في نسبة المطلقات، اللاتي تنحصر أعمار بعضهن ما بين سن 25 و39 سنة ونسبتهن 46.5 %. وكشفت دراسة أعدتها وزارة التخطيط أخيراً أن 33 حالة طلاق تقع في السعودية يومياً، لتبلغ خلال العام 12192 حالة، في الوقت الذي أشارت فيه إلى أن (عدد الفتيات اللاتي بلغن سن الزواج ولم يتزوجن 1.529.418 فتاة).

ردود الفعل

تشير شروق درويش، خريجة جامعية وربة منزل، إلى ردة فعلها فيما لو فاجأها زوجها بزوجة ثانية بأنها سوف تطلب الطلاق فورا، وتؤكد أنها النتيجة الطبيعية لفعلته؛ لأنه يندر هذه الأيام العدل من الرجال بين زوجاتهم، ولأنها كذلك غيورة جدا ولا تقبل لها شريكا ومنافسا في زوجها.

وتؤيدها في الرأي الإعلامية مها الفهد التي ترى حياتها مستقرة وهانئة مع زوجها، ولكن إن حدث وتنكر لها زوجها بزواجه بأخرى فسوف تنسحب من حياته انتقاما لكرامتها المجروحة، وهي لا تقبل على نفسها الإهانة.

وتقول بتول تركي مديرة مدرسة وأخصائية نفسية: على عاتق الرجل تقع المسؤولية الكبرى بتفهمه لزوجته ونفسيتها، ولكن للأسف نجد الشاب أو الرجل السعودي والشرقي يتزوج بعقلية أسرته أو قبيلته، وينتظر من المرأة أن تقدم له كل ما لديها لإسعاده، وهو بالتالي لا يريد التنازل عن أي شيء في سبيل إسعاد نفسه أولا فقط.

كما أن بعض الفتيات لم يعشن التفاهم والحنان الأسري وينتظرن أن يعوضهن الزوج وشريك الحياة الذي ستقضي معه بقية أيام حياتها، ومن هنا تبدأ المشاكل.

فعلى الزوج أن يحتوي المرأة، وأن يكون خير معين لها، ومصدر سعادتها لا تعاستها، حتى تكتمل صورة الأسرة السعيدة المتماسكة، وإلا فهو يعرض أسرته وزوجته للأزمات النفسية والصحية، وأحيانا للانحراف، وهنا تكمن الكارثة، فضياع الزوجة معناه ضياع الأسرة بكاملها، ويكون الأطفال هم الضحية. ولذلك ننصح أي زوج يريد الزواج من الثانية بلا أسباب شرعية أن يضع في عين الاعتبار ميزانا للخسائر والأرباح، فسيجد كفة الخسائر هي الأرجح.

رغبات وحلول

ويفصح الدكتور أحمد الزهراني طبيب الأسنان عن رغبة الرجال السعوديين في الزواج على زوجاتهم، حيث يقول: إن أغلبية الرجال في المجتمع السعودي يرغبون التعدد، ولكن الأسباب المالية تعتبر أكبر عائق لهم. ويرى أن تعدد الزوجات يحل مشاكل اجتماعية كثيرة أهمها العنوسة. ويؤكد أنه لا يوجد حل آخر لهذه المشكلة المنتشرة في البلدان العربية والخليجية حسب الإحصائيات لنسبة أعداد النساء مقابل الرجال إلا بالعودة إلى نظرية الشرع وتعدد الزوجات في الإسلام.

ويضيف الزهراني بقوله: علينا أن نصحح وجهة نظر المجتمع إلى هذه القضية الخاصة بتعدد الزوجات بنشر مشاكل النساء اللاتي لم يحالفهن الحظ في الزواج أو المطلقات، ومناقشة وإشراك المجتمع إعلاميا في إيجاد الحلول إذا كان يوجد حل آخر غير التعدد. كما دعا لجنة التكافل الاجتماعي إلى عمل توصيات ترفع إلى المسؤولين لحل هذه المشكلة مثل: ترغيب الرجل الموظف برفع راتبه بنسبة محددة إذا قام بالزواج الثاني أو وضع نسبة من راتب المرأة العاملة الراغبة بالزواج للزوج الراغب في التعدد, وهناك حلول أخرى ولكن أحتفظ بها لكي لا تكثر الانتقادات.

وبالنسبة للدكتور أحمد شخصيا فهو لن يفكر في التعدد حتى إذا توافرت له الأسباب وتهيأت له الظروف لأنه يعيش حياة أسرية سعيدة متكافئة كما يقول، ويرغب في تكريس ما تبقى من حياته في إنشاء أسرة سعيدة خالية من المشاكل بقدر المستطاع.

أمراض اجتماعية خطيرة

ويرى الإعلامي الدكتور خالد باطرفي أن أسباب امتناع الرجل السعودي عن تعدد الزوجات كثيرة، ولعل أهمها التحدي الاقتصادي، ويقول: الزواج أصبح مكلفا، والالتزامات البيتية متعددة ومرهقة. ويكفي لو أخذنا جانب المواصلات والاتصالات، مثال فواتير الهاتف والجوال والسيارة والسائق لأي بيت؛ لنكتشف أن الجمل يكاد ينوء بما حمل.

ثم هناك المسؤولية التربوية تجاه الأطفال من زوجات متعددة. ولا يخفى على أحد أن البيئة اختلفت، فلم يعد هناك التكافل الاجتماعي بين الأهل والجيران الذين يطمئن إليهم الأب عندما يترك أبناءه يوما وليلة ليكون مع الأخرى.

وكثيراً ما تعجز الأم وحدها عن التصرف في الحالات الطارئة أو مراقبة أبنائها وحمايتهم من التيارات الضارة دون مساعدة من الأب. ويضاف إلى ما سبق الخوف من المجهول، فطالما لم يجد الزوج أمثلة حاضرة يستلهمها لحالات تعدد زوجات ناجح في محيطه، يشعر بأنه يقبل على مخاطرة غير مأمونة العواقب. وعدم تعود المجتمع المدني الحديث على ممارسة هذا الحق المشروع يضع كل من يجرؤ على كسر القاعدة في موضع الاتهام، وحتى الحرب والمقاطعة، ليس من الزوجة وأسرتها فحسب، بل من

المتعاطفين معها ومن الخائفات من أن تشجع تجربة ناجحة كهذه أزواجهن على الإقدام عليها.

مع ذلك، فإنني أصر على أن المجتمع على خطأ، وأن عدم الأخذ برخصة شرعية كهذه تسبب في أمراض اجتماعية خطيرة. فالعنوسة تعالت نسبتها وتعالت معها المشكلات المصاحبة، من انحرافات أخلاقية ومعاناة نفسية وحلول أسوأ كالزواج السري.

مشاكل المسيار وأمثاله

وتؤيد الدكتورة سامية العمودي طبيبة النساء والولادة فكرة تعدد الزوجات، وهي المرأة الشجاعة في قراراتها، وتؤكد أن التعدد ليس أمراً بعيداً عن مجتمعاتنا العربية والإسلامية، ويعد أفضل الحلول الشرعية التي تكرم بها الإسلام على المرأة والمجتمع، والتي تحميه وتحميها من مفاسد أنواع الزواجات الجديدة التي ظهرت مؤخرا في المجتمعات الإسلامية مع الأسف وتفشت فيها.

وتقول العمودي: التعدد عندنا أمر مقبول نسبيا أكثر من غيرنا من المجتمعات؛ فقد تمت التربية على ثقافات اجتماعية وعرفية تجعل من وجود زوجة أخرى وإخوة من الأب أمر مقبول نسبيا، كما أن الطبيعة العقائدية وفهمنا الشرعي يسهل هذا، لكن التعدد أمر بدأ يختلف؛ نظرا لأن الرجل لم يعد يفهم قوانين التعدد وحدوده الشرعية، فأصبحت المرأة تفقد الإحساس بالأمان والعدل، كما أن ظهور أصناف من الزواجات التي لم يعرفها الشرع قد أساءت إلى معنى التعدد الشرعي الذي يحمي المرأة والأطفال، ويكفي ظهور أنواع الزواج كالفريند والمسيار وحتى ما يشبه زواج المتعة.

ولا يعد مثل ذلك حلا لمشاكلنا الاجتماعية، بل هو نقطة مفصلية لسلسة من المشاكل الاجتماعية التي ستطفو على السطح آجلا أم عاجلا، ونحن لم نحل مشاكلنا من جذورها لكننا بحثنا عن حلول وقتية وبحث عنها الرجل الذي لا يريد الوقوع في الحرام ولكنه يبحث عن المتعة المقننة بغطاء شرعي يبتدعونه تحت أي مسمى. وما لا يقبله الرجل والقائمون على هذه الأحكام على بناتهم، عليهم ألا يقبلوه على بنات الآخرين؛ فهذه هي تقوى الله الحقيقية.

ثقافة التعدد

وتقول الموجهة والتربوية بإدارة التعليم لمياء الحاج: الذي يمنع الرجل من التعدد للأسف المجتمع السعودي نفسه، والوعي حيال التعدد، وإصرار الوالدين على ألا يقترن الابن إلا بمن اختيرت له من قبل الأهل ولربما هي قريبته؛ لذلك هو يفضل الزواج السري أو المسيار للأسف على الزواج العلني الشرعي الذي يعد حلا لكثير من المشكلات ليست الاجتماعية فحسب بل الصحية، والنفسية، والأخلاقية، والدينية.

لذلك علينا أن نفعّل ثقافة التعدد في مجتمعنا من خلال البث الإعلامي المتميز في كل بيت وفي كل أسرة؛ حتى لا نقع في آثار الأمر غير المألوف، فالتعدد ليس مألوفًا، وبالتالي سيكون له آثار إيجابية وسلبية في الوقت ذاته أوردها باختصار: فهو سلاح ذو حدين يجب أن يحسن استخدامه، بمعنى أن الرجل يتزوج بأخرى ليحل مشكلة عنوستها، ولكنه بالمقابل قد يضطر تحت إلحاح زوجته الأولى إلى طلاقها، فيطلقها وتكون هناك مطلقة جديدة في المجتمع ويتأثر أبناؤها.

وقد تنقطع علاقاته بين أهل زوجته الأولى فتكثر العداوة والبغضاء بين الأسر بدلا من المودة والتراحم.

وقد تلجأ الزوجات الأوائل الجاهلات إلى السحر والشعوذة لإرجاع أزواجهن إليهن، فنكون قد تخلفنا عوضًا عن تقدمنا.. هذا كله في حال إذا لم ينتشر قبل التعدد ثقافة الإقناع والوعي بين الأسر والنساء والرجال على حدٍ سواء.

رسالة للنساء والرجال

وذكر الشيخ عدنان الزهراني أربعة أسباب مهمة جدا تجعل النساء تخشى التعدد، وأشار إلى أن أهم أسباب تغير نظرة المجتمع إلى شريعة تعدد الزوجات في الإسلام هو التأثر بالثقافة الغربية.

وهناك عامل آخر ومهم هو قلة العدل، فكثير من الرجال يصبح لديهم نوع من التحيز والميل الشديد لواحدة من زوجاتهم إما إلى الأولى أو الثانية أو الثالثة، دون الأخريات.

هذا التحيز والتميز في المعاملة أدى لدى كثير من النساء إلى الخوف من التعدد أو عدم الرغبة في وجود التعدد.

كذلك وجود المشاكل بين الأبناء من الأسباب التي أدت إلى عدم التعدد، فالمشاكل والخلافات بين الزوجات لرجل واحد قد تنسحب حتى على الأبناء؛ ما يؤدي بأي شخص إلى البعد عن تكرار هذه التجارب.

كذلك نشوب المشاكل بعد وفاة الأب خاصة إذا كان من الأثرياء، فتحصل خصومة بين الأبناء شديدة جدا فقط لأنهم إخوة لعلات، بمعنى أنهم أبناء الضرائر، ويبدؤون بالتنازع على التركة، أو يأتي أحد الإخوة ويستبد بإدارة أموال الأب فيجامل إخوانه الأشقاء على حساب إخوانه من الزوجات الأخريات.

هذه الأمور تشاهدها النساء ويتأثرن بها، وتبدأ الواحدة منهن إذا تزوج زوجها عليها تفكر بهذه الطريقة؛ ما يجعلها تخاف من التعدد.

إذن، هذه أربعة أسباب لنفور النساء من التعدد.

ووجه الشيخ الزهراني رسالة اجتماعية للنساء بهذه المناسبة بوجوب تصحيح الثقافة الدينية والاجتماعية، وذلك في المجتمع بكامله. كذلك على المرأة أن تعرف أن الضرة في حقيقة الأمر يمكن أن تكون شريكة من الشركاء التي تعينها على حمل التبعات والمسؤوليات الزوجية، وعليها إعطاء زوجها ما يستحق من الراحة والحقوق؛ ما يجعله أكثر عطاءً وخدمةً للمجتمع ولنفسه ولأبنائه ولزوجاته أيضاً.

وأوصى الرجال بتقوى الله سبحانه وتعالى في حالة التعدد، وأن يكون هناك من العدل ما يرضي الله تبارك وتعالى، ووجود ترتيب للعلاقة بين الأبناء في حالة وجود ثروة عند الأب، ولا بد من التنظيم بعد الوفاة بطريقة شرعية وصحيحة.


 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد