بقلم: تركي القدَّاح
لا يخفى على كلِّ من يتناول تاريخ الجزيرة العربية أهمية تاريخ المؤرِّخ عثمان بن بشر المعنون ب(عنوان المجد ...)؛ إذ إنّ هذا التاريخ احتوى على معلومات وأحداث مهمة لا توجد في غيره من التواريخ، كما أنه لا يقتصر على تاريخ نجد مثل ما يُفهم من عنوانه، بل إنه يشير أيضاً إلى تواريخ بعض البلدان، ويورد لها بعض الحوادث والإشارات التي لا تخلو من فائدة.
ورغم أهمية هذا التاريخ وتعدد طبعاته - لعل من أقدمها طبعة بغداد التي طبعت سنة 1328هـ والتي تقع في 142 صفحة - إلاّ أنّ الكتاب لا يزال بحاجة إلى إعادة تحقيق، خاصة مع وجود نسخ كثيرة لم يستفد منها من عُني بنشره، لذا قال الشيخ حمد الجاسر - رحمه الله -: (ومع تعدد طبعات تاريخ ابن بشر فإنه لا يوجد منها طبعة محققة ومنشورة نشراً علمياً). انظر: مجلة العرب، س5، ج9، ربيع الثاني، 1391هـ، ص884 .
وتُعد طبعة دارة الملك عبدالعزيز التي خرجت بتحقيق الشيخ عبدالرحمن آل الشيخ عام 1402هـ - 1982م و1403هـ - 1983م، من أفضل طبعات الكتاب، رغم ما فيها من أخطاء وتصحيفات، حتى خرجت النسخة التي نشرتها مكتبة الملك عبدالعزيز - مصورة - فكانت من أجود نسخ الكتاب المنشورة حتى الآن.
ولست هنا في مقام الحديث عن طبعات الكتاب ولا عن الاختلاف فيما بينها، فلذلك مقام آخر، ولكنني أحببت الإشارة إلى أهمية الكتاب والحاجة إلى إعادة تحقيقه على النسخ التي توافرت في السنوات الأخيرة، وحديثي هنا: هل لتاريخ ابن بشر جزءٌ ثالث لم يرَ النور بعد؟ فمن المعروف أنّ المؤرخ ابن بشر توفي سنة 1290هـ، وقد توقف في تاريخه حتى أحداث سنة 1267هـ، فهل أرّخ لـ23 عاماً الأخيرة التي قضاها من عمره أم لا؟
يرى بعض الباحثين أنّ ابن بشر ربما توقف عن إتمام تاريخه نظراً للخلاف الذي وقع بين الأخوين سعود وعبدالله أبناء الإمام فيصل بن تركي رحمهم الله جميعاً، وهذا الرأي لا أراه صحيحاً لما يلي:
1 - أن خلاف الأخوين لم يظهر إلا بعد وفاة الإمام فيصل سنة 1282هـ.
2 - لو كان هذا الرأي صحيحاً لدوّن ابن بشر تاريخ الأحداث من سنة (1267هـ) إلى سنة (1282هـ)، ولَمَا توقّف عند سنة 1267هـ؟! وهي السنة التي سبقت الخلاف بـ15 عاماً.
والذي يظهر لي أن ابن بشر قد دوّن الحوادث التي وقعت بعد سنة 1267هـ حتى سنة وفاته أو قُبيلها بسنوات قليلة، ولعل ما يؤيّد هذا القول هو أننا نلاحظ أن ابن بشر قسّم تاريخه إلى ثلاثة أجزاء:
الجزء الأول: يبدأ من سنة 850هـ حتى سنة 1237هـ؛ حيث يقول ابن بشر في نهاية هذا الجزء: (وهذا آخر ما تيسر جمعه من الحوادث في تلك السنين، وبذلك تم الجزء الأول ويتلوه في الجزء الثاني ذكر ولاية الإمام تركي بن عبدالله وابنه فيصل ...).
الجزء الثاني: يبدأ من سنة 1238هـ حتى سنة 1267هـ، وقال ابن بشر، وهو يتحدث في نهاية هذا الجزء في مغزا عبدالله بن الإمام فيصل على عمان: (... كما سنقف عليه مفصلاً إن شاء الله في الجزء بعد هذا الكتاب، جعل الله ذلك خالصاً لوجهه الكريم موجباً لرضاه في جنات النعيم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين ...).
ويستفاد من هذا أن المؤرخ ابن بشر أشار إشارة صريحة إلى جزء ثالث، وهو ما يجعلنا نقول: هل يعقل أن يترك ابن بشر أحداث 23 عاماً عاشها من حياته دون أن يؤرخ لها؟! وهل يعقل أن يهمل بقية تاريخ الإمام فيصل، وهو ممن عاش في كنفه؟
أما من يقول: لعل ابن بشر لم يعد يستطيع الكتابة بعد الجزء الثاني .. فأرد عليه بأن لدي عدداً من الوثائق، كلها بخط ابن بشر (زوّدني بها مشكوراً الأخ علي المهيدب)، آخرها وثيقة مؤرخة في 18 ذي القعدة أو الحجة سنة 1279هـ، أي أنه استمر في الكتابة إحدى عشرة سنة بعد نهاية الجزء الثاني عام 1268هـ، وربما أكثر على الأرجح (كما في الوثيقة المرفقة).
ثم إن هناك سؤالاً يطرحُ: مِن أين أتى المؤرخ إبراهيم بن عيسى (ت1343هـ) بتواريخ أحداث السنوات 1268 - 1275هـ وما بعدها، وهو المولود سنة 1270هـ؟! وهو يذكر بعضها باليوم والشهر والسنة؟! مع ملاحظة أن المؤرخ الفاخري (ت1277هـ) مقتضب في تاريخه، ولم يذكر كثيراً مما أورده ابن عيسى! ومن يقارن بين حوادث التاريخين سيلحظ أن ابن عيسى ينقل من غيره ولم يعتمد عليه، خاصة أن مؤرخي نجد قد اعتادوا في الزمن الماضي في الغالب - أن لا يذكروا المؤرخين الذين ينقلون عنهم، مثال ذلك: المؤرخ ابن لعبون الذي ينقل عن ابن غنام، وابن بشر ينقل عن ابن لعبون، وابن عيسى ينقل عن ابن بشر.
وقد حدثني من أثق بحديثه: أنه اطلع على الجزء الثالث من تاريخ (عنوان المجد ...) لابن بشر عندما زار فضيلة الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن البسام (ت1423ه) في منزله في حي العوالي في مكة المكرمة في صيف عام 1421ه، فأطلعه الشيخ البسام على الجزء الثالث من تاريخ ابن بشر الموسوم ب(عنوان المجد) وقد قلبه بيده، وهو جزء ضخم، وسأل الشيخ عبدالله: أهذا الجزء الثالث الذي يقول عنه الشيخ حمد الجاسر إنه مفقود؟ قال: نعم، ولقد اشتريته من الزبير قبل 50 سنة، وقد جزم من حدثني أن خطها هو خط النسخة المصورة نفسها التي نشرتها مكتبة الملك عبدالعزيز عام 1423ه - 2002م(1).
وقد أراه الشيخ البسام تواريخ أخرى تعتبر في عِداد المفقود، ويعزِّز رواية من حدثني - الذي هو ثقة عندي حتى وإن انفرد بها - ما كتبه الشيخ حمد الجاسر - رحمه الله - منذ أكثر من ثلاثين عاماً حيث قال: (وقد ذكر فضيلة الشيخ عبدالله البسام: أن أحد الثقات رأى في بلدة الزبير نسخة خطية يكاد يجزم أنها تزيد على هذه الموجودة (المطبوعة) كثيراً). انظر: مجلة العرب، س9، ج5 و6، ذوا القعدة والحجة، سنة 1394هـ، ص440 .
فهل تُخرج لنا الأيام ما تبقى من تاريخ ابن بشر الذي يُعد من أهم مصادر تاريخنا المحلي؟! مع العلم أنه يقال إنّ الشيخ عبدالله البسام كتب ورقةً لأحد المراكز العلمية عندما سألته عن هذا الجزء، فقال له بأنه: لا يوجد جزء ثالث .. ويبدو أن ذلك أثناء معاناته مع المرض - رحمه الله -.
الهوامش:
(1) بتقديم عبدالله المنيف، وقد وهم المنيف في رسالته للدكتوراه - غير المنشورة - حين رأى أنّ هذه النسخة جميعها بخط المؤرخ ابن بشر (انظر: صناعة المخطوطات النجدية، ص259) .. والصحيح أنّ جلّها بخط عبدالرحمن بن محمد بن عبيد (انظر: مجلة الدرعية، ع36، س9، ذو الحجة 1427هـ، ص79 هامش رقم 1).