Al Jazirah NewsPaper Thursday  24/01/2008 G Issue 12901
الخميس 16 محرم 1429   العدد  12901
د. العقيل يرد على الرضيماني:
احتكار الرأي وإقفال باب النقاش من أسباب ظاهرة الإرهاب

من ميزات الصحافة أنها الوسيلة المثلى لتحريك المياه الساكنة ومن مساوئها أنها قد تحركها في الاتجاه الخاطئ. لقد أسعدني الكم الهائل من الردود على مقالتي (المرأة مورد بشري معطل) التي منها ما هو مؤيد ومنها ما هو معارض، وأشكر كل من أيد وأعدهم بمحاولة إيصال صوتهم إلى من بيده - بعد الله - تغيير الوضع القائم، وأشكر كذلك من عارض إسهام المرأة في بناء مجتمعها على تفضلهم بالرد، ولا أشكرهم على إصرارهم على تغييبهم المرأة عن مجال الإنتاج والبناء الحضاري.

وحقيقة الأمر إن الحوار كوسيلة مثلى للتفهم والتفاهم والعمل لما فيه مصلحة الجميع والوطن علينا أن نفعله لأنه جزء من ديننا، فالله - عز وجل - يدعونا جميعا من خلال أمره للنبي محمد - صلوات الله وسلامه عليه - بالتحاور بالحسنى في قوله تعالى: {ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}، فهذا أمر للنبي العظيم بالنقاش مع المشركين نقاشا يعتمد مبدأ (التي هي أحسن)، فالمعارض لرأيي ليس نبيا وأنا لست مشركا، فأنا - ولله الحمد - مسلم موحد نشأت في بيئة مسلمة تقية أفهم ديني وأعلم أوامره ونواهيه، وأعلم أن ربي - عز وجل - يأمرني ويحثني على إعمال عقلي واستخدامه، وليس التسليم بما يأمرني به وينهاني عنه البعض بدون تفكير، ولذلك يكرر الله سبحانه وتعالى {أَفَلَا يَعْقِلُونَ} و(أفلا يتفكرون) فالحوار الهادف الراقي الملتزم بمبادئ الحوار الذي ليس فيه تجريح ولا إقصاء للآخر حوار كله خير ويوصلنا - بإذن الله - جميعا إلى بر الأمان.

أما الإقصاء والانفراد بالرأي وتنصيب النفس كحامي حمى الإسلام ومن يخالفه الرأي مآله النار بدون دليل ولا علم، فهذه أمور أجزم بأننا تسامينا عليها وتركناها كمجتمع ورفضناها كمسلمين، ومهما حاول البعض منا أن ينتقل بنا من الحوار المنطقي ليمارس دور الواعظ في أمور نعلمها كمجتمع قبله بل والبعض منا اكثر منا علما وعملا بها فإن ذلك لن يجدي، فالدين الإسلامي دين الحوار ولقد رد الله سبحانه وتعالى على أسئلة يهود وكفار رداً منطقياً علمياً دون إهانة للمتسائل، ويتضح ذلك عندما مر العاصي بن وائل برمة بالية فأخذها، وقال: اليوم أغلب محمدا، وجاء إليه، فقال: يا محمد، أنت الذي تزعم أن الله يعيد هذا كما بدأه، وفتّته بيده، حتى عاد رميما وأجابه الله من فوق سبع سموات إجابة عقلانية تلجمه بكل أدب بقوله جل وتعالى {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أول مَرَّةٍ}، ويالها من إجابة تشبع العقل قبل العاطفة، نعم {وَنَسِيَ خَلْقَهُ}، وهي إشارة إلى أنه من الأجدر أن تسأل كيف خلقك الله قبل أن تسأل كيف يعيد الله الخلق؟.

والسيد الرضيماني (المعلّم لكتاب الله) في رده المنشور في صفحة عزيزتي الجزيرة يوم الأربعاء الأول من شهر محرم الحرام حقيقة أحلَّ دمي إلا قليلا. فرماني بما لم آت به، واستخدم عبارات لا تليق به أولا كما لا تليق بي وبالقراء ثانيا، وهو معلمٌ ومربٍّ وأي معلم، فهو كما وصف نفسه معلم لأعظم كتاب يخاطب الفكر والعقل وهو القرآن الكريم، فاتهمني بأنني رميت علماءنا الأفاضل جزاهم الله عنا خير الجزاء وأطال الله عمر مَن هو حي منهم في طاعته، وغفر ورحم من مات منهم رحمة واسعة، اتهمني بأنني رميتهم بالتزمت والتشدد، وهذا والله اتهام باطل سعى من خلاله السيد الرضيماني إلى تأليب القراء الأعزاء على شخصي المتواضع، فهو قبل أن يبدأ بمناقشة ما طرحته جهز المسرح تجهيزا جيدا بأن أخرجني من الملة إلا قليلا.

ومن ثم بدأ بالهجوم المباشر بكلام لا أرى فيه صفة المحاور مثل كلمة (الكُتَّاب الصغار) وفي هذا تحقير وأنا لا ادعي العظمة وأنني من كبار الكتاب، ولكنه أدب الحوار الذي يقتضي أن يتجنب السيد الرضيماني هذه الأوصاف ومثلها كلمة (يدندن حولها)، وللعلم فإن علماءنا الأجلاء سمتهم التواضع ويرفضون رفضا باتا أن يطلق على إنسان كرمه الله لفظ الصغير أو المنحط أو السافل أو ما شابه ذلك من الألفاظ التي تنتن فم من أطلقها {وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ «11»} سورة الحجرات.

لقد كنت آمل من المعلم الرضيماني أن يناقش الحجة بالحجة وان يتجنب الكلام الرخيص، وكذلك كنت آمل منه أن يستدل بالآيات المناسبة وان يبتعد عن استعراض حفظه للقرآن وأحاديث الصحابة - رضوان الله عليهم - وان يورد الآيات والأحاديث التي لها علاقة بالموضوع. فأنا أعترف أن مجرد رده حقق أحد الأهداف وهو فتح باب الحوار حول هذا الموضوع، وهاهو يرد وأتمنى أن نستمر بالحوار الصحي الهادف حتى يتحقق الهدف الأسمى وهو الخير لمجتمعنا جميعا، ذلك بأن فقه المنع دون إيجاد حلول عملية للواقع المؤلم لن يجدي على أرض الواقع شيئا.

ولأدخل في صلب الموضوع. فمقالي الذي نشر يوم الثلاثاء 23- 12-1428هـ بعنوان (المرأة مورد بشري معطل) هو مقال اقتصادي كان موضوعه مشاركة المرأة في التفاعل الاقتصادي المحلي وربما العالمي. واستخدمت القيادة كرافد للموضوع وأبديت تأييدي الشديد لقيادتها خصوصا بعد ما علمت من شيوخنا الأجلاء انه ليس هناك من مانع شرعي لقيادتها، ولكنها ظروف مؤقتة للمجتمع، وما أدركته من أن عدم تجريم المرأة المختلية بسائق أجنبي وتجريم المرأة إذا قادت السيارة في جمع من الناس ليس حلا أبدا، وكلنا يعلم الأخطار المترتبة على اختلاء السائقين الأجانب بالكثير من نسائنا خصوصا الصغيرات في العمر.

أما استدلال السيد الرضيماني بأحاديث وفتاوى من الشيخين ابن باز وابن عثيمين - رحمهما الله - فأقول له انهما - رحمهما الله - في فتواهما لم يحرما القيادة لذاتها، بل رأى الإمامان أن عدم قيادتها أصلح للمجتمع، وأنت تعرف أن الحكم على شيء فرع من تصوره، وان الفتوى لا ترقى إلى مستوى الحكم، فالفتوى مرتبطة بالزمان والمكان والظرف، والشافعي صاحب المقولة المشهورة (كلٌّ يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب القبر) أفتى في مصر بما لم يفت به في بغداد، والمفتي له أجران إن أصاب، وأجر واحد إن أخطأ، وهذا يعني أن كل مفتٍّ قد يصيب وقد يخطئ، والخطأ لا يقلل من شأن المفتي أبدا، فالفتوى جهد بشري غير مقدس كما نصوص القرآن والسنة الصحيحة، وبالتالي فإن مناقشة فتوى أي عالم لا تعتبر تقليلا من شأنه البتة، بل إن العلماء قد رفض بعضهم فتاوى بعض في كثير من الأحيان.

فالمجتمع الذي أنا وأنت نعيش فيه يعتبر مجتمعا يطير بجناح واحد بسبب تعطيل نصف إمكاناته بحكم العادات والتقاليد البالية التي لا تستند إلى أي أساس ديني والتي جعلت من الرجل إنسانا بعورة وجعلت من المرأة عورة بإنسان، فالمرأة طاقة جبارة منتجة ساعدت أخاها الرجل في البادية والقرى وكلنا يعلم دور نسائنا في تلك الفترات، حيث تسرح المرأة وتحلب وتغزل وتصنع المنسوجات وبيوت الشعر، كما كانت تساعد في غرس البذور وفي الحصاد، ولقد كانت تتنقل براحلتها من مكان لمكان فهي تركب الخيل وتركب الإبل التي تعتبر وسائل النقل آنذاك كما السيارة في عصرنا الحالي.

المرأة طاقة معطلة ومبددة أيضا، فهي معطلة لضيق الفرص الوظيفية على الرغم من التعليم العالي الذي تناله كأخيها الرجل، وطاقة مبددة لأن الكثير من النساء لأسباب أجبرتهن (خصوصيتنا المفترى عليها) على القيام بأعمال لا تتناسب مع تخصصاتهن، فخريجة الزراعة تعمل في مكتبة مدرسة، وخريجة علم الأحياء تعمل مدرسة روضة أطفال وهكذا، إذاً الفقد هنا مضاعف فإما أن يعملن في مجالاتهن ويفتح المجال واسعا أمامهن أو لماذا الدراسة والتعب والجهد؟.

أما قضية حرمة خروج المرأة من المنزل إلا للضرورة، وخروجها للعمل يعني فساد أخلاقها فهذا ليس من الدين في شيء وآية {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} الذي أوردها السيد الرضيماني موجهة خصيصا لنساء النبي {يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء}، فالابتسار المخل في الآيات لا يجب أن يصدر من معلم قرآن يعلم ماذا يعني {لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ} دون أن يذكر {وَأَنتُمْ سُكَارَى}، ولنقرأ قوله - عز وجل - مخاطبا نساء النبي: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً «28» وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فإن اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً «29» يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً «30» وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً «31» يَا نِساء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً «32» وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأولى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً «33» وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً «34»}

فمن المعروف أن نساء النبي - رضوان الله عليهن - لهن من الأحكام ما ليس على غيرهن . وهذا مثال على ذلك . لذلك لا يصح أبدا أن تستخدم هذه الآية لأمر النساء بالقعود عن واجباتهن وبنائهن لمجتمعهن وتربيتهن لأطفالهن بالطريقة الصحيحة مستخدمين هذه الآية.

أما ما أورده السيد الرضيماني من مفاسد قد تنتج عن قيادة المرأة، فبودي انه أورد شيئا يمكن الرد عليه لوجاهته . ولكن رده امتلأ بكلام مكرر عن أن المرأة مخلوق ضعيف يخاف أن تقود السيارة لئلا تحضر مباراة لكرة القدم أو تسافر بالسيارة خارج الوطن . وإشارته إلى أختي الدكتورة وأنني أحاول أن أجد مخرجا لها فأبشره - ولله الحمد - أن أختي أوجد الله لها مخرجا. وها هي الآن مع زميلاتها طبيبات يعالجن أخته وزوجته وأمه وتغلبن على الصعاب التي أوجدها المجتمع ليساهمن في بنائه.

وأبى السيد الرضيماني أن ينهي مقالته إلا بمحاولة تأليب الحكام على شخصي وعلى كل من يحاول طرح فكره في قضية عمل المرأة بأن قال: (اسمعوا كلام علمائنا وارضوا بحكم حكامنا) ولم يعلم أو لعله لم يقرأ أن ملك القلوب الملك عبد الله بن عبد العزيز صرح في مقابلة مع صحافية أمريكية بأن شعبه في عيونه وإذا ارتضى شعبه ذلك فهو سيأمر به . وكذلك الأمير سعود الفيصل الذي صرح كذلك بأن القرار بيد الشعب، وبالتأكيد فإن قيادتنا الكريمة لن توكل الأمر إلى الشعب وقد قال الله أو رسوله فيه كلمته، ولكنهم على علم أكيد بأن الأمر يعود للعادات والتقاليد ليس إلا.

وأنا أقول إن الشعب الآن مهيأ لذلك القرار الذي آمل أن يبدأ تدريجيا بأي طريقة يراها أولوا الأمر، فالمهم أن نبدأ بخطوات عملية لوضع الأمر موضع التنفيذ، ومن يرى انه مفسدة ويفضل أن تختلي زوجته أو ابنته أو أخته بسائق أجنبي فالأمر بيده، فيمنع من له الأمر عليهن من القيادة، أما نحن فلنا الحرية إن رأى ولي الأمر ذلك . وارجو من السيد الرضيماني أن لا يستغل هذه الدعوة على أنها دعوة لخروج المرأة غدا . بل إنني أؤكد انه يجب أن يكون هناك أمر من ولي الأمر وسماح به قبل أن ينفذ.

ختاما. أريد أن أعود فأؤكد أن احتكار الرأي الشرعي عن عامة الناس وإقفال الباب عن النقاش لهو أحد أسباب بروز ظاهرة الإرهاب التي تنطلق من قاعدة التطرف والتفرد في امتلاك الحقيقة، هذه الظاهرة الكارثية التي ابتلينا بها مؤخرا حتى أصبحنا جميعا في موقع الشك والشبهة أمام العالم أجمع حتى نثبت غير ذلك، فأرجو الانتباه إلى أن الحوار هو الأساس للخروج برأي مناسب خصوصا في الأمور الخلافية وأخص من ذلك الأمور التي ليس فيها مانع شرعي، وما إنشاء مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني إلا لهذا السبب، فالحوار يهدف للتفهم والتفاهم من أجل الوصول إلى أفضل صور التعايش والتعاون، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

د. عقيل محمد العقيل


alakil@hotmail.com

 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد