Al Jazirah NewsPaper Thursday  20/03/2008 G Issue 12957
الخميس 12 ربيع الأول 1429   العدد  12957
الذات من منظور إبداعي
زكية عوض الحارثي

تعددت التعريفات لدى نخبة من المتخصصين في العلوم المتنوعة لتحديد الماهية الحقيقية الخاصة بالإبداع، وعلى الرغم من التضادات الدائرة حول تحديد تعريف جامع وشامل له، فإن تفاوت تحديد كنه الإبداع هو بحد ذاته إبداع، لهذا نجد علوماً متنوعةً تسعى جاهدةً لاحتضانه، وتناوله كعنصر رئيسي في بعدها المعرفي سواء في علم الاجتماع، أو علم نفس الشخصية، أو علم النفس التربوي أو علم الإدارة وتوجد وشيجة ارتباط لا يمكن أن تغفل بين ماهية ولادة الإبداع والصنعة الأدبية في سحر الكلمة، وهنالك نخبة من التعاريف الإجرائية لمنظومة الإبداع في (ولك 1985 Wallach) يعرفه بقوله: هو التميز في العمل والإنجاز بصورة تشكل إضافة إلى الحدود المعروفة في ميدان معين (ويعرفه) جيلفورد 1986 Guilford بأنه سمات استعدادية تضم الطلاقة في التفكير والمرونة والأصالة والحساسية للمشكلات وإعادة تعريف المشكلة وإيضاحها بالتفصيلات والإسهاب. أما (ويرتيمر) فيعرفه بأنه إعادة دمج أو ترجمة المعارف والأفكار بشكل جيد، وترى (مدرسة التحليل النفس) أن الإبداع محصلة لتفاعل ثلاثة متغيرات للشخصية هي الأنا والأنا الأعلى والهو وإن تحقق الإبداع مرهون بكبت الأنا حتى تبرز على السطح محتويات اللاشعور أو ما قبل الشعور.

لكن ما هي حدود الذات من منظور إبداعي؟ هذا السؤال ليس سؤالاً أدبياً فحسب، إنه سؤال فلسفي سيكولوجي، اجتماعي، تاريخي، وهل تعبر الذات عن نفسها بحيث يكون النص هو السيرة الذاتية للمبدع أم عن لا وعيها الذي يحتاج إلى قراءة في هذا النص اللغوي أو ذاك وسبر أغواره؟ هل الذات تعكس موضوعات العالم وهي محملة بفكرة مسبقة عن العالم؟

أم هي ثمرة الموروثات الحضارية والثقافية، وبالتالي هي مكونة في حقل محدد لا يمكن فهم أثرها إلا بعد حين بوصفها ثمرة هذا الحقل؟

هذه الأسئلة يجيب عنها النقد الأدبي انطلاقاً من مباحث أخرى أهمها الفلسفة التي تكمن مشكلتها في فهم طبيعة العلاقة بين الذات والعالم، أما النقد الأدبي فمهمته هي التعرف على طبيعة العلاقة بين الذات المبدعة والعالم.

إن علاقة مناهج النقد الأدبي بالفلسفة هي علاقة الخاص بالعام وفي إطار النقد الموضوعاتي، واستناداً إلى مقولة ديكارت: أنا أفكر إذا أنا أنون فإنه قد جعل من (الأنا) جوهراً مفكراً أولاً ثم إن (الأنا) المبدع هو (أنا) واعٍ قبل كل شيء.

ومن خلال العمل الأدبي ترصد تغيرات (الأنا) الذاتية، لكن الوعي هو وعي بالعالم مما يعني إقامة علاقات معه، لكن علاقة (الأنا) المبدع بالعالم الخارجي متوسطة بالخيال بوصفه وعياً ينظم العالم الخاص للمبدع، ويعطي للعالم أبعاداً وزوايا جديدة.

الأنا المبدع - الخيال- العالم الخارجي

إن آليات النمو الإبداعية في الأديب هي نسيج ملتحم تأتي من الإضافات التي يمتصها من الخارج، ومن عملية التخزين المتفاعلة، والنقد الذاتي، واعتمالها بإيجابية في ذاته المبدعة، تولد عملية الخلق والجدة في لوحته الفنية بحيث ينعكس عليها ثالوث مؤثر في أيدلوجية العمل، وشحناته الانفعالية، وهي تتحدد بثقافة الأديب وما هية المجتمع من حوله، ومرآته العاكسة، ونبع وجدانه الفياض.

ولا يمكن أن نفصل أي فنان أو أي فرد يتجلى إبداعاً، وألقاً عن طاقته الروحية والفكرية الكامنة فيه، فكلما كان متحداً ومنصهراً مع طاقته تلك، كلما كان معبراً أكثر عن مكنونات ذاته المبدعة الناطقة بتلاوين التأملات، والتصورات، والأفكار وكلما كان متجلياً في استنطاق الأشياء المتغيرة في ذاته، كلما كان قريباً من تجربته الخاصة، ومتداخلاً معها بعمق، ومستلهماً منها ينبوعاً من الفكر المتجدد والإضاءات المدهشة، وانطلاقاً من ذلك تتولد ثمة حقيقة تتجسد في أن التجليات الإنسانية في مجالات الفنون والأدب والكلمة وغيرها من مجالات الإبداع الإنساني ما هي إلا فتوحات إبداعية مشرعة النوافذ على الحاضر، والمستقبل تستشف احتمالات مفتوحة الآفاق تتخلق في وعي الذات وتتشكل بكثافة وعمق في لغة خاصة ومتفردة بين (أنا) المبدع، والمتغير من الأشياء من حوله وفي أعماقه وقد تعكس تلك الفتوحات الإبداعية الحالة الوجدانية والثقافية التي يكون عليها المتجلي المبدع، متداخلاً مع التصورات والموضوعات المختلفة والدلالات الكامنة في كل ما له علاقة بالطبيعة، أو المحيط، أو الزمان الذي يتحرك فيه، أو المكان الذي استقر في زواياه وأبعاده الفسيحة، وكذلك فإن التجليات الإبداعية ما هي إلا صياغات فنية، وجمالية مشبعة بالتألق المعرفي الذي يصنعه المبدع بتفاعلاته التأملية مع الأشياء والموضوعات، والأفكار في ذاته بالدرجة الأولى ومن ثم مع ما حوله، لتصبح تلك الصياغات فيما بعد مقترحات حياتية جمالية، وفنية، وبلاغية وإبداعية، تحاكي بعمق متأصل الواقع المعيش الذي يحوي في حراكه الدائم والمتغير، التجليات ونزعة الإنسان الجوهرية في الإبداع، ويحوي أيضاً كل أنماط الحياة بوجوهها المختلفة.








 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد