Al Jazirah NewsPaper Thursday  20/03/2008 G Issue 12957
الخميس 12 ربيع الأول 1429   العدد  12957
بنت العراقية
فوزية الشدادي الحربي

وفاة أمي.. كارثة.. نعم كارثة!!

لبست الرياض السواد عليها ووقفنا نحتضن المعزين ودارت فناجين القهوة المرة بين الأيدي وبعد أن انتهى كل ذلك ظلت وصيتها هماً وكارثة دولية فكيف لتابوتها الخشبي أن يبحث بين الحطام عن مدفن له.

منذ أن عرفت أمي وهي تحكي لنا عن طفولتها بالبصرة وعن نخيلها وسواقيها ومائها العذب عندما تقول أمي البصرة تقولها بملء فيها وتلمع بعينيها آلاف القصص عرفنا منها مرزعة أبي العز وبقراته الأربع وحفظنا أسماء رفيقاتها وحدها أمي لم تستوعب كوارث العراق وكان ما يمر أمام عينيها أثناء نشرة الأخبار مسلسل عربي عمت عيونها عن مشاهدة نخيل البصرة وهي تحترق ويتبعثر رطبها، لم تصدق أن مزارعها تحولت لثكنات عسكرية تخيم عليها رائحة البارود وأن سواقيها تحولت لمجاري.

في ليلة القصف على البصرة بكت بمرارة وأخذت تردد مواويل ناظم الغزالي قبل وفاتها بلحظات كساها الحزن، وكأنها تعرف أي كارثة سيجلبها لنا تابوتها.. إشارت لنا بأن نجمع بين أيدينا على صدرها وتعدها بأن نحمل جثمانها إلى مقبرة نسيت اسمها في نهاية شارع المسعودي القريب من مطحنة أم هاني حيث يرقد أجدادي لم يكن بوسعنا غير معاهدتها على تحقيق حلمها في أن تعود للبصرة التي غادرتها مع والدي منذ خمسين خريفاً!!

عندما تزوجت والدي كانت في العشرين يزين أسفل وجهها الوشم الأخضر حادة النظر حادة الصوت، ممشوقة القامة، يمتلىء صدرها عذوبة وصفاء وحنيناً أرق منامها.

مضى الآن أسبوع وما زال تابوت أمي يأخذ زاوية المجلس ارتعدت فرائصي عندما قال أخي محمد:

سأشتري ثلاجة كبيرة لأضع التابوت فيها علنا بعد أسبوع نستطيع تدبير ترحيلها للبصرة..

وبعد المداولات لم يسمح بعبور الحدود للعراق للأوضاع الأمنية قرر إخوتي إعداد غرفة مكيفة على درجة عالية من البرودة خارج المنزل ليكون مقراً لهذا التابوت.

والآن مضى على أمي عامان وهي تنام وتحلم داخل عالمها الثلجي وما زالت نخيل البصرة عطشى تتناثر أشلاؤها على الأرصفة.

أصبح الجيران يتندرون علينا، واتهمنا أطفال الحي بأننا أكلة لحوم البشر!!

عندما عقدت قمة الدول العربية رفعنا عريضة ابتدأناها بحقوق الأموات على الأحياء وأهمية تنفيذ وصاياهم ثم توسلنا إليهم ليسمحوا لنا بعبور الحدود لدفن أمي.

تعاطف الرؤساء معنا وبعد قراءة الفاتحة على روحها أقروا بعد المداولة التي استمرت خمسة أشهر بصعوبة السماح لنا بالعبور وبصعوبة تنفيذ الوصية كما جاءت وذلك لتغير معالم البصرة فلم تعد الطرقات كما كانت ولا يوجد مطحنة ولا أم هاني ووقع عليها الجميع ورفعت لمجلس الأمن الدولي الذي بدوره استنكر أن تمنع عجوز عراقية من التحاف سماء وطنها بهذا التفاعل الذي أثلج صدورنا خيم على العريضة بعبارة (أرض البصرة تقلب وتنبش للبحث عن رفاة موتى.. ولا يصلح نهائياً أن يدفن بها أحد).

قرر إخوتي السبعة التخفي عبر الممرات الملتوية من أجل أن يذهبوا بالتابوت إلى البصرة.

ثلاثة أشهر مرت وانقطعت أخبار إخوتي أكلت أرض العراق إخوتي وعظام أمي.

وبعد الاستعانة بالصليب الأحمر عرفت أن إخوتي السبعة معتقلون بتهمة عبور الحدود بشكل غير قانوني ومعهم صندوق خشبي فارغ يمهدون لتعبئته بالأسلحة.

فأين ذهبت جثة أمي؟!

أصبحت وحيدة يناديني الناس (بنت العراقية).

التي أكل أخوتها جثة أمهم..

أليست وفاة أمي كارثة؟!

عن مجموعتها ليتني ما تلوثت بك




 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد