Al Jazirah NewsPaper Thursday  29/05/2008 G Issue 13027
الخميس 24 جمادى الأول 1429   العدد  13027
الصراع الفلسطيني الإسرائيلي من المنظور الأمريكي
د. عبدالمحسن بن عبدالله التويجري

بعد مرحلة أوسلو قتل ثلاثة آلاف فلسطيني، وألف من جنود الاحتلال الإسرائيلي تلك الاحصائية حتى عام 2006م، وكما يرى الأمريكي فلقد أصاب الوهن كلا من الفلسطيني والإسرائيلي الأمر الذي جعل إسرائيل تأخذ بالحلول الأحادية مثل: الانسحاب من غزة، وإقامة الجدار الفاصل. .....

وبعد وفاة الرئيس الراحل ياسر عرفات (أو تصفيته)، أحسّ الرئيس جورج بوش (الابن) وفي ولايته الثانية بشيء ما دفع به إلى أن يفكر جدياً في حلول لهذا الصراع، وذلك من خلال اقتراح خارطة الطريق، ومن ثمّ التعهد بقيام دولة لفلسطين قبل نهاية ولايته الثانية، كما أنه بات يُدرك المتغيرات التي تشكو منها السلطة المتمثلة في المقاومة المتعددة جهاتها، وانها بذلك تمارس نوعا من الخروج على السلطة، وسياستها وراء الحلول التي بعث فيها الروح الرئيس الأمريكي.

وقد لاحظ شيمون بيريز أن هناك ضوءاً في آخر النفق، ولكن لا وجود للنفق نفسه، ومن أجل ان يكون النفق موجوداً كان لابد من تضافر جهود أمريكية، وأوروبية ممثلة في الرباعية وروسيا والأمم المتحدة، وبعض من القادة العرب وبالذات من لهم علاقة دبلوماسية بإسرائيل من أجل إقامة هذا النفق ليشعّ هذا النور الذي يأمله بيريز.

ومثل هذا الجهد يتطلب التزاما بتأمين موارد أمريكية والاستعداد لتحمل أي تكاليف سياسية، وفي المقدمة من هذا تحقيق استراتيجية تؤدي إلى توازن اقليمي ايجابي للقوة، وهذا يتطلب أيضاً جهداً إضافياً في سبيل المحافظة على بيئة ايجابية لصنع السلام، ولترابط الأمور بعضها ببعض، وتأثرها بما هو حادث على الأرض فإن الولايات المتحدة تأمل أن يستقر الوضع في العراق كأهم البنود من خطةٍ شرق أوسطية شاملة، وذلك وفق أسس أربعة:

أولاً: استقرار العراق.

ثانياً: الترويج لتسوية النزاع الإسرائيلي الفلسطيني.

ثالثاً: بذل جهدٍ يحولُ دون امتلاك إيران لأسلحة نووية، وتحييدها عن القيام بأعمالٍ من شأنها أن تنال من الخطة الأمريكية.

رابعاً: تشجيع الإصلاح السياسي والاقتصادي والتربوي والديني في العالم العربي.

هذا ملخصٌ مقتضبٌ لرؤية أمريكية وفق ما قال به مارتن أندك.

إن هذه الاستراتيجية ذات صلة وثيقة باتفاقية أوسلو، كما أن الأسس الأربعة السابق ذكرها لابد ان نميز فيها بين ظاهر الكلمة وما تعنيه حقيقة، وعلى سبيل المثال ان البند الرابع من الخطة الذي يؤكد تشجيع الإصلاح السياسي.. الخ، في واقع الأمر ليس إلا مطالب محددة أوحت بها فكرة حل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني وفق رؤية أمريكية تنحاز لإسرائيل، وأحداث الحادي عشر من سبتمبر.

كما ان ولاية الرئيس بوش الثانية تقترب من نهايتها (المتبقي خمسة أشهر)، وما نسمعه ان هذا الصراع الذي مضى عليه ستون عاما سينتهي قبل نهاية ولايته بإقامة دولة فلسطينية، ولا ننسى ان هذا التعهد يلتزم به رئيس أكبر دولة في العالم، ومن جهة أخرى قام الرئيس بوش بزيارتين لإسرائيل يفصلُ بينهما شهورٌ معدودة، وما سمعنا من خلال أحاديثه إلا كل الانحياز لإسرائيل، ولقد نفى ذلك خلال زيارته لجمهورية مصر العربية (في شرم الشيخ)، ومع ذلك مازال الصوت الأمريكي يردد تعهده بقيام دولة فلسطينية مستقلة جنباً إلى جنب مع دولة الاحتلال.

والحل العادل لا يأتي على طريق ينحاز في توجهه نحو طرف واحد على حساب الآخر، كما ان إسرائيل وبالذات بعد المبادرة العربية لا رغبة لها في الفهم أو التفاهم حول معنى السلام فضلاً عن القبول به.

ومن خلال هذا التوجه الإسرائيلي، وتنامي المقاومة الفلسطينية فإن إسرائيل تمهد لانتصار فلسطيني شامل قد يُنهي كل مظهر للاحتلال والتواجد، كما ان الولايات المتحدة فيما تخطط له سواء في العراق أو غيرها في المنطقة العربية لا تستطيع ان تتجاهل بشكل مُطلق كل ردود الفعل وعواصف الرفض التي من خلالها يذود العربي عن مصالحه، والشاهد على ذلك ما يحدث في العراق.

وحريّ بنا أن نحرص على زمام الحركة مع الولايات المتحدة، فليس من الحكمة أو المصلحة التصادم، ولكنّ البديل حوارٌ صريحٌ حول مصالحنا ومصالحهم، وأن يُدار الحوار بلا حين يتعارض مع مصالحنا، أو بنعم وفق مصالح متبادلة ومتفق عليها.

ومن المناسب الإشارة إلى كتاب (آفاق المستقبل) من تأليف: جاك أتالي (مستشار الرئيس الفرنسي ميتران)، ومن خلال تلك الرؤية نجده يرى ان الزعامة السياسية العالمية ستنتقل من القدرة العسكرية إلى القدرة الاقتصادية، ومن هذا المنطلق فإنه يتنبأ أن الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي سوف ينتقلان من المركز الأول إلى المركز الثاني، وسيتنافس على مركز الزعامة العالمية كلٌ من اليابان، وأوروبا الموحدة.

وإن كنتُ أحسب ان قراءة جاك اتالي مبنية على الرصد والتحليل، وذات صلة بأساس علمي إلا ان احتمال الخطأ فيما يراه أمرٌ واردٌ، ومع ذلك فإن رؤيته حرية بالدراسة والتحليل، فهي إضافة لمتغيرات لابد منها، وعلى مستوى العالم بأسره، وما يحدث من حولنا نحنُ بالتأكيد من حوله، نتأثر به ونؤثر فيه.

إن أمتنا من حقها الأحلام الجميلة فلها مجدٌ مضى بزوال قوتها، والمجد الذي نحلمُ به ويتناغم مع هذا القرن، والقادم من قرون آتية، يحتمُ مزيداً من الوعي والإرادة والعمل الجاد المبني على أسس علمية وفق استراتيجية تستمد وجودها بما يدفع به الماضي من تاريخ أمتنا، وعزيمة وتصميم وعلم لينهض الحاضر بنا لنكون مع من يكون.



لإبداء الرأي حول هذا المقال أرسل رسالة قصيرة SMS  تبدأ برقم الكاتب 6383 ثم إلى الكود 82244

 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد