Al Jazirah NewsPaper Thursday  12/06/2008 G Issue 13041
الخميس 08 جمادىالآخرة 1429   العدد  13041
الانفجار
فالح الصغير

(1)

تزدحم المدينة، المقهى الواقع في نهاية الشارع يضج بالأصوات..

أربع (شيش) وشاي..

هذا مكاني

لا مكانك هنا..

لا أحب الجلوس في الزوايا

ما أكثر لاءاتكم.. الشاب والشيش أين أضعها

في المنتصف..

طريق الزبائن

اقذفها في الشارع..

بغضب.. قذف بها.. الشاي وجمر الشيش حرق المارة..

حمدان أسرع إلى الباب لإغلاقه..

لا خروج إلا بعد شرب الشاي وجمر الشيش وتسديد الحساب..

كم حسابك

24 ريالا

هذه ثلاثون ولا تعد الباقي

يبقى ستة ريالات

ماذا قلت لك؟

المكان يمتلئ بالناس رغم إغلاق الباب

من أين جاءوا؟

صمت.. الريالات الستة وغيرها تذهب إلى جيب حمدان انفجار هز المكان.. تبعثرت الأجسام.. حاولوا القفز من الأسوار.. بعضهم نجح والبعض الآخر يدور حول نفسه.. نفر منهم اتجهوا إلى دورات المياه وجدوها مغلقة ودفعوا الباب بقوة.. سقطوا على شخص رموه في الخارج.. يصرخ.. صراخه هز الممر الضيق.. أجسام لم تسعها دورة المياه.. المناكب تتكئ على بعضها البعض.. المساحة تصغر.. الكلمات تخرج من الأفواه بصعوبة.. اختناق.. حاولوا الخروج.. لم يستطيعوا الوصول إلى نهاية الممر.. الأجسام المعدة تملأ المكان.. حمدان ينادي:

ارفعوا رأس حامد.. الاختناق.. الاختناق..

لا أحد يسمع.. خطوات متسارعة.. على أرض المقهى.. نوافذ وأبواب قفزت من مواقعها إلى الباب الخارجي.. بقي صامدا.. أصوات سيارات الإسعاف والشرطة تتسابق إلى مكان الانفجار.. ينادون.. يصرخون.. لا وقوف أمام المقهى.. يعود حمدان مستغيثا.. بخيت.. لا تتحرك.. أسفل جسمه بارد.. لا مجيب يحاول رفعه لكنه ثقيل وثيابه متسخة.

(2)

ارفعوا الألواح عن الساحة.. صوت أطفاله ترن في أذنيه وزوجته تؤكد عليه.. لا تنسَ الخبز والبرتقال.. الأطفال يحبون عصير البرتقال ويأكلون الخبز بالمربى.. انتبهوا للطفل الصغير.. قلبه مثقوب وعينه دامعة. قال له الأطفال لا تخف.. الطفل صحته جيدة.. لم يصدقهم.. سعال حرارة وأدوية.. لا ينام بينهم.. رعشة يد أمة تنبهه.. للسن أحكام.. لا تخف على أمك وطفلك.

أحلام مزعجة يرى أمه ووالده في المنام لا يعلن ما يراه وهو نائم - على زوجته وأصدقائه.. يخاف من تفسير الأحلام.. صوت ارتطام الباب ما زال مغلقا.. تساءلوا..

من يفتح الباب؟ لم تهدأ الأصوات في الخارج.. حمدان يرفع رأسه.. يحاول الوقوف.. يشعر بأنه بلا أطراف.. الانفجار كان مخيفا.. أثر على نفسياتهم وعلاقاتهم داخل المقهى..

هربوا من بعضهم البعض.. نسوا بعض الأسماء وجوه غريبة كانت في الساحة.. تجلس القرفصاء في أماكن متباعدة يلعبون الورق لحظة الانفجار.. تطايرت الأوراق.

لا صن ولا

أين الانفجار

قريب

يا أرحم الراحمين

بخيت حثهم على الهدوء واختفى.. أين بخيت! لم يكن يلعب معهم وإنما يراقبهم من قريب: نسوا اختفاء بخيت.. تفرقوا.. بحثوا عن الباب ودورات المياه.. ليس بالمقهى إلا واحدة وجدوا ناجي نائما.. هزها الانفجار.. بحثت عن أطفالها.. توقفوا عن اللعب وقراءة الدروس.. قالت لهم: اقرأوا دروسكم جيدا.. البيت لن يسقط.. ذهبوا صباحا إلى مدارسهم وجدوها تضحك في وجوههم..

الانفجار لم يهزها.. قرأوا جيدا دروسهم.. أحدهم سأل المعلم.. هل خفت يا أستاذ أن تأتي إلى المدرسة ولا تجدها..؟

أجاب بسؤال.. وأنت؟

رد الطالب: قالت أمي: بيتنا لن يسقط

ووالدك.. لم يعد منذ مساء أمس

هل هذا هو؟

وجهه أصفر.. ثيابه لم تعد تستره خافوا الاقتراب منه إلا بجاد الذي بقي واقفا يفكر.. نسي أنه كان واقفا.

الجو حار.. راشد فقد نظارته.. تائه في المكان.. لا يعرف اتجاهاته.. سقط بسبب الأواني المبعثرة.. الماء الساخن أحرق جزءاً من جسمه.. الماء ينهمر قفز بعيدا عنه.. اصطدم بجسم يتنفس ببطء تحسس وجهه.. وصدره.. لمس يده.. ساخنة كسخونة الماء.. نصحه أحد المارة بعنف.. ابحث عن نفسك وأنقذها مما حدث.. الأقدام تدوس على الأجسام

أقول لكم: كفوا

أين النافذة؟ الهواء..

أريد أن أتنفس أخافه حجم تلك القدم التي تدوس وتعود ثانية.. لا يكن أن تكون قدم إنسان.. حاول النظر.. الرجل الواحد تحول إلى ثلاثة.. لا.. أربعة.. خمسة.. آه.. آه.. انتفض.. لا يعرفون هل قام واقفا أم أضاع الطريق.

(4)

يارب..

عفوك وعافيتك.. السعال يقطع صدر طفلي.. الأصوات تفسد منامه.. لا يتركونه ينام هادئا..

يفكر بهدوء.. الأحلام مزعجة.. ينهض الطفل خائفا يختلط السعال بصوت الانفجار.. لم ينم تلك الليلة نسيت أمه مرضه.




 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد