Al Jazirah NewsPaper Thursday  12/06/2008 G Issue 13041
الخميس 08 جمادىالآخرة 1429   العدد  13041
قبل سقوط العصا
محمد علي قدس

لا شيء في المكان يغري! بدا كل شيء مألوفاً.. نفس الوجوه التي عرفت وحفظت ملامحها.. بعضها أحببتها وتعلق بها قلبي.. والبعض لا أرتاح لها وتضيق عند رؤيتها نفسي.. (أرجو ألا يطول انتظار الزبائن كثيراً بتكاسلك).

ومنهم بالطبع صاحب المقهى الذي اعتدت غلاظته وسفاهة لسانه! ما زال العم صابر العجوز ينتظر جالساً في قلب الشمس يتكئ على التاريخ بعصا انتصبت أمامه في شكل موازٍ لساقيه الضامرتين المتشابكتين وليس بعيداً عنه في نفس مقعده.. أطرق ناجي رأسه ليسرح مع تنبؤاته.. في يده جريدة وفي جيب سترته كتاب.. هو عاشق للقراءة ومهووس بالسياسة.. يصطدم مع من ينتقد هتلر ومعجب بنابليون!

لكن ناجي المسكين منذ النكسة الثانية ونظرته تزداد انكساراً، يستقرئ التاريخ ويستمرئ سبر الأغوار بالتنبؤات ليعرف أين موقعه من الأحداث؟ وأين سيكون الحد الفاصل لما يتمتع به من حس وبُعد نظر.. هذا ما يردده دائماً.. وما أكثر نظرياته وهواجسه التي لا أفهم الكثير منها.

وهذا إسماعيل الذي كأنه الثور الذي يحمل على قرنيه الدنيا يغرق في همومه.. بل هو كما قال عنه أصحابه القدامى مولود بالحزن وفي رحم الاكتئاب.. قطعت عليه صمته.. فقلت وقد لوحت له بيدي لألفت انتباهه.

(ألم يحن الوقت بعد لتلبية طلبك المعتاد؟)

لم يتفوه بشيء ولم يطرف له جفن.. أشاح بوجهه المغصن عني وأشار بتلويحة مروحية من يده كي أرحل وأبتعد!

خُيّل إليَّ أنها المرة الأخيرة التي أراه يجلس في مكانه صابراً يحمل في ألم معاناته.. قرأت في عينيه ما لم أقرأه من قبل.. كان فيهما ما يثير قلقي وتساؤلي وأحذره لمخاوفه.. منذ أن أُعلنت أسماء.. المطلوبين وتكرر نشر صورهم في الجرائد والتلفزيون وهو ينتظر وينتظر.

وقد تعلقت نظراته بالباب الذي يدلف منه الغرباء!

مسكين العم صابر.. أشفق عليه.. ولا أحتمل رؤية الزاوية التي يجلس فيها خالية بعد أن يلقي عصاه التي ما فارقت تراب الأرض!

حين أحضرت طلب الشاب المفتول العضلات وددت لو أسكب ما بالإبريق من شاي ساخن على رأسه فأنا استثقل جلوسه في المقهى، وفي وجهه سمات الأشرار وفي قلبه قسوة الصخر!

لا أستريح له ولا لتصرفاته.. وإن كان لا يثير أية مشاكل في المقهى، صاحب المقهى لا يحبه لكنه يخافه ويخشاه.

حين لفت نظره إلى أن (الفتوة) يتلصص بنظراته الخبيثة في البيوت المجاورة كان يشير لي بسبابته على فمه حتى يخرسني.

كانت السماء تمطر خارج المقهى.. تبللت البيوت والأرصفة برشاتها قبل هطلها، دخل المقهى مسرعاً وهو ينفض البلل عن ملابسه.. بدا متعباً شقياً خائفاً يترقب همّ العم صابر يرتكز على عصاته واقفاً.. أخذ يتأمل الشاب ببصر لا يسعفه كثيراً في تفسير الملامح والأشياء.

عاد وجلس مستسلماً لحزنه وصمته!

أنا أيضا استفزني الفضول.. ما زال المطر يهطل في الخارج صوت الرعد يغوص في الأعماق.. الأجساد مبللة رغم أنها ليست تحت زخات المطر.. أدركت أن في عيني العجوز مطراً يخشى عواصفه ورعوده.

(هل ستقف مسمراً في مكانك حتى آخر الليل.. لم لا تجلس مكاني حتى تستطيع أن تتفرس في كل الوجوه براحتك؟)!

تعلم من ناجي قارئ الأحداث فراسته، الوجوه لا تكذبني ولا أنخدع بملامحها بين بشاشة وشراسة وقنوط وعبوس وغضب مستطير، أتبين الحقائق والوقائع!!

لا تزعجني تعليقات صاحب المقهى السخيفة بقدر ما يزعجني شحه وبخله وقسوة قلبه وجبنه!

جاء من حيث يأتي الغرباء الباحثون عن مأوى الهاربين من جلودهم إلى غياهب الطرق المسدودة!!

في نظرات الصابر العجوز المنكسرة.. وفي تنبؤات ناجي التي تصيب وتخيب.. استحضرت حكاية قديمة.. في لحظة من زمن مضى.. وأن المكان هدوء وصمت خدرته ساعات القيلولة!!

اهتزت عصا العم صابر في قبضته.. لملم نظراته الزائغة حيث جلس الشاب ملثماً وجهه.. أخذ في خوف وحذر مقعده قرب الفتوة (حمتو).. بادلني ناجي نظرات في ظاهرها الفضول والترقب وفي باطنها الخوف والقلق.. كان يقرأ في الفضول والترقب وفي باطنها الخوف والقلق.. كان يقرأ في خبث ما طاف بخاطري وما طرأ على أفكاري.. أيقظ في داخلي هواجس تشوهت باستنتاجاته.. أيقنت ما معنى غمرته وابتسامته الغامضة فهما سلاحه ليثبت صدق حدسه.

استحدثتني الوجوه الصامتة على استقراء حكاية قديمة وقد استحضرت تفاصيلها الصارمة ما استفتى به العجوز الصابر قلبه وما يشعل نار مخاوف الشاب ويثير قلقه!!

فهو يتذكر للحظة كل تفاصيلها:

- وتظن أنك بما تفعله بابنك ستريح نفسك!

- مثله لا يستحق إلا الطرقات يتسكع فيها مع أمثاله!

- ويصبح نبتاً شيطانياً يؤذينا لترضي زوجتك.

- لا دخل لك بهذا.. ولن تكون أرأف به مني؟!

- تذكر أنه يتيم وأن شفاءه سيتعبك.. سترى صدق قولي يا عم صابر يوماً ما وتعلم أني كنت حريصاً على ما ستجنيه قبل ابنك مما يحدث!!

سكت صوت المطر وكفت السماء رشها وهطلها.. لم يتبق سوى صوت خرير الماء من السقوف والمزاريب وزحف سيل المطر في الطرقات.. ساد صمت في المقهى.. سمع صوت سيارات رجال الأمن وهرج ومرج في الخارج.. هب الشاب بلثامه واقفاً.. أراد الفرار بخوفه وشقائه.

سقطت عصا العجوز الصابر بعد أن أفلتت من يده.. التقت نظراتي المترقبة بنظراته المنكسرة المتسائلة في يأس وكأنها تستجدي الحقيقة مني.. أطرقت برأسي حزيناً بعد أن أومأت برأسي تعرف أنه هو في لحظات.. امتلأ المقهى بجنود بزيهم الرسمي وفي رفقتهم أفراد بوجوه مختلفة.. وقد اختفى الشاب في لمح البصر.




 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد