هذه العبارة ليست مقولة مأثورة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يقلها صحابي جليل، ولا حتى تابعي معروف، ولا هي من أقوال الدعاة المصلحين اليوم، بل هي كلمات زعيم من زعماء يهود، قالها قبل أربعة عشر قرناً من الزمان وكأنها بنت اليوم، وجزماً ستكون من كلمات الغد ، بل ستظل هي هي حتى يرث الله الأرض ومن عليها، مقولة حبر معروف خبّر الأيام وعلم الحقيقة، ومع ذلك حاد عن الحق ومات كافراً!، مقولة أثرت عن (حيي بن أخطب)، قالها حين نظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أُتي به مجموعة يداه إلى عنقه، لحظة ذل ما زال اليهود يذكرونها جيدا ويعدون برد الدين!، ونص ما قال هذا اليهودي الرمز: (أما والله ما لمت نفسي في عداوتك، ولكن من يخذل الله يخذل)، وكما في الأثر (وقد يجري الله كلمة الحق على لسان شيطان) إنها باختصار كلمة حق جاءت على لسان هذا اليهودي وهو يقاد إلى الموت!! ومن خذلنا الله عز وجل بل من أشدها وأكثرها خطورة على الأفراد والشعوب (الإعراض عن كتاب الله الكريم)، وفي هذا الزمن وللأسف الشديد يعيش كثير من المسلمين خاصة الشباب بعيداً عن هذا الدستور قراءةً وتدبراً ومنهج حياة، وحتى لا أزكي نفسي من بين هؤلاء الجموع التي أتهمها بما قد يظن البعض أنه ليس فيها، أعترف قبل غيري بأنني من هؤلاء الجمع المتهاون في حق هذا الكتاب العظيم الذي يحتاج منا إلى تخصيص جزء من ساعات يومنا للعيش معه، أدعي في كثير من الأيام أنني مشغول، وأسُوّف حين أكون بلا عمل، وأتعهّد بين زمن وآخر بأن أداوم على تلاوة القرآن والتدبّر فيه، ولكن مع وقف التنفيذ، ويغيب عن بالي وسط معمعة الحياة - وأنا نكرة بين الناس - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أكثر مني بل منا عملاً وأعظم مهمة ومع ذلك كان دائم التعهد لهذا الكتاب العظيم، كان بأبي هو وأمي يعيش مع القرآن ومن أجل القرآن وبأخلاق القرآن، أسوق هذا الاعتراف وأورد هذا التشخيص للذات لأنني أعتقد أن مثلي في مجتمعنا المحلي كثير، يعتريهم نفس الأمر ويعانون من ذات الصراع؛ ولذا هو تشخيص لواقعنا مع القرآن وليس حديثاً عن النفس لا يليق في هذا المقام، هذا على المستوى الشخصي، أما مجتمعياً فإن الناظر والراصد للواقع الذي نحياه في المملكة العربية السعودية يسر لمشاريع القرآن الرائعة والمنتشرة في جميع المناطق ومختلف المحافظات والمدن بل وحتى الكثير من الهجر والقرى، ولعل من أهم هذه المشاريع التي حقها أن تذكر فتشكر وتعرف فتدعم (حلقات المساجد ومدارس التحفيظ ومسابقات القرآن الكريم ودورات التأهيل والندوات والمحاضرات العامة والمعاهد والكليات المتخصصة والبرامج الإعلامية المتنوعة والمطبوعات والنشرات الرائعة والمحفزة) ولم يكن هذا، وغيره كثير، لولا توفيق الله عز وجل ثم منة الله وفضله أن كانت هذه الدوحة المباركة والشجرة الطيبة (آل سعود) التي جعلت القرآن والعناية به وخدمته من أعظم مهام الحاكم ومسؤولياته، فلله الحمد والمنة أن قيّض لهذا الجزء من أرض الله الواسعة رجالاً عرفوا الحقيقة وسلكوا طريق الحق وسهّلوا على الناس السير عليه، وما (جائزة الأمير سلمان لحفظ القرآن الكريم وتجويده للبنين والبنات) التي احتضنتها الرياض نهاية هذا الأسبوع إلا حبة في عقد يتلألأ بين الفينة والأخرى؛ ليضيء للسالكين الطريق، ويذكر المقصرين بالواجب، ويشجّع العارفين الحفظة بما يستحقون في الدنيا قبل الآخرة، ومع ذلك لا بد من التذكير بأن هذا الكتاب ليس خاصاً بهذه الفئة التي رُبيت على الآيات والسور، ولكنه لنا جميعاً لا فرق بين مسلم وآخر، ودعم مشاريع القرآن ليست مسؤولية شريحة دون غيرها، بل هي عمل خير مشرع أمام الكل الصغير والكبير الذكر والأنثى (ولا تحقرن من المعروف شيئاً)، والخذلان الذي يتحدث عنه هذا اليهودي خذلان شامل (عسكري وسياسي واقتصادي وفكري وحضاري بل وحتى اجتماعي فردي وجمعي)، ولن أستطرد في النصوص التي تبرهن وتدلل على هذا القول، ولكنني أذكر نفسي والقارئ الكريم وأنا أتابع وأرصد هذه المسابقة المتميزة والرائعة التي أتمنى أن يكون من بين المشاركين فيها يوم ما أحد أولادي الذكور أو الإناث، أذكرهم بحق القرآن علينا وبواجبنا نحو حفظة كتاب الله ومشاريع القرآن المختلفة سواء أكانت أوقافاً خيرية تحتاج إلى دعم مادي وبسخاء أو برامج علمية وبحوث ودراسات متخصصة تتطلب جهدا ذهنيا أو... فلتكن اليد باليد، ولتجتمع القلوب على محبة أهل القرآن والعون لهم ودعمهم.