تتحكم عقدة المؤامرة بمفاعيلها الوالغة في السلب في الخطاب الديني في بعض سياقاته، على نحو آل بمتتالياته إلى إفراز عقليات منكمشة ومنغلقة على إطارها الأنوي ومنكفئة على أناها،..
فهي تتوجس من كل وافد وتستريب بكل طارئ، وتنطوي فيما بين جوانحها على فرَق - بفتح الراء - من كل فعل يباشره الآخر، وتتعاطى معه باعتباره ضربا من التآمر القائم على الخيانة. إنها تلزم السياق ما لا يلزم وتحمله ما لا يحتمل، الشأن الذي ولد ردود أفعال عكسية، وخلق لونا من الذهنية الإقصائية والسليقة التوجسية التي تنتهج خطابا تشكيكيا بالغا في العدوانية منتهاه؛ الأمر الذي قلل من فرص نجاعة هذا الخطاب في وظيفته الرسالية, وربما كان لهذا الإرث المثقل بالمرارات والتاريخ السوداوي الفارط, والحافل بألوان من السلوكيات الاستبدادية والتوجهات الديكتاتورية والتفنن المريع في ممارسة أشكال القمع والإكراه ومصادرة العقول وتكميم الأفواه التي ناء بحملها المجتمع المسلم وارتشف مرارتها، كل هذه التراكمات التاريخية السلبية التي غذتها المنازلات الصراعية ولاسيما الحروب الصليبية بما خلفته من بصمات وجراحات بليغة في اللاوعي الإسلامي، أرخت بظلالها وأسهمت وإلى حد كبير في تكريس هذا الوعي المكتظ بالصورة السوداوية الكالحة إزاء الآخر, وكان لها تأثير كبير في بناء جدر من العزلة والانغلاق المحكم على الذات, مما أفضى إلى انزواء الخطاب وتشكل أرضية سيكولوجية لديه أخذت حيزها في أعمق طبقات اللاشعور، الشأن الذي أسس لما يمكن تسميته فقه الانطواء والتعاطي مع الآخر، انبعاثا من الدمج اللاواعي الخالي من التمييز بين صناع القرار, وبين الشعوب التي تعمق في وعيها - جراء تواصل الطرح الإعلامي المضلل وتنوع أساليبه - صورة ذهنية نمطية تتعذر على الزحزحة, بل تأصل في ذلك الوعي ضرب من الأجهزة المفهومية التي شكلت أفقهم النظري الذي نحن مسؤولون عن تجذره، وبالتالي تقع علينا مهمة ترشيد تلك الذهنيات الانطباعية؛ ترشيدها بسلوكنا الراقي المفعم بالأنسنة قبل أقوالنا, فالأقوال إذا لم يكن لها امتداد عملي على أرض الواقع فهي ليست سوى مزاعم تزويرية، لا تليق بأمة احتفى نظامها الدستوري - المتمثل في تلك الأطروحة القرآنية الأخاذة بوصفها أداة المعرفة الأولى - وعلى نحو كبير بمبدأ التناغم بين المبدأ والتطبيق, إذ إن وجود الانفصال بين النظرية وتجسيدها يجعل العالم يفقد الثقة بنا, ونبدو أمامه مجرد كائنات شكلية تتدثر بالكذب!؛ الانفصام بين أقوالنا وافعالنا لا يُجمل الصورة النمطية القابعة في الذهنية الغربية بقدر ما يضاعف من بشاعتها، وبالتالي نصبح موضع تندر أمام العالم!, الازدواجية المقيتة تجعل العالم ينفر منا ويتقزز من سلوكياتنا، ومن ثم تحيلنا البشرية إلى مجرد أدوات للتسلية تستدعيها إبان مساحات الفراغ لتثير أضحوكتها بالمجان!. وثمة على الطرف المقابل من يختزل الإشكاليات الناخرة في الجسد الجمعي ويحصرها في داخل إطار الأمة, يجري هذا تحت شعار (التحرر من عقدة المؤامرة)، فالتخلف الحضاري والتراجع التقني والتفكك السياسي وانخفاض سوية أداء الفرد، وقصور المفهومات الحضارية والاجتماعية وحزمة من الإشكاليات القابلة للتوالد الذاتي بشكل ديمومي، كلها ناجمة عن الأمة ذاتها وليس لذلك الآخر المناوئ لها أي دور في ذلك, بل هو أقل من أن يشكل خطرا، ولذا فليس ثمة مبرر لإعلاء درجة الحذر منه والتيقظ لحراكه العام!!.
أمام هذا وذاك يعزب عن التركيبة الذهنية الكلامية ذلك الخيار الاستراتيجي الذي يمليه علينا انتماؤنا للمتن الديني الذي يقرر أن التعاطي مع عقدة المؤامرة بمفهومها التيئيسي الذي لا يؤول بفعل توهم الاكتفاء إلا إلى الانكفاء الانكماشي الذي لا تمتد مفاعيله على المدى البعيد إلا إلى فقدان شحنات كثيفة من الثقة بالأنا، وتضاؤل حسن الظن بما تنطوي عليه من طاقات. التعاطي مع عقدة المؤامرة على هذا النحو شأن مرفوض غاية الرفض بفعل خلوه من منطق الوجاهة الفكرية؛ كما أنه في المقابل أيضاً لا يسوغ أن تتهرب الأنا فتمارس أسلوب الإسقاط وتتعامى عن الحقيقة، فلا تعاين المناطق الإشكالية الغائرة في هيكلها العام بل تتنصل من ذلك كله، لتحيله إلى مصدر خارج إطارها وترمي بكل قوالب انحدارها على عاتق سواها وتجعل من الغير مشجبا لكل بواعث تقهقرها الحضاري، دون أن تمارس عمليات حفر أركيولوجي ممنهج تتمكن جراءه من مساءلة الذات, وملامسة مفاصل التأزم المستشرية في أغوارها العميقة؛ بيد أنه لا بد من الإشارة إلى أن عقدة المؤامرة بمفهومها العامل في الإيجاب شأن ينبغي الاحتفاء به، الذي يعني ضرورة رفع درجة اليقظة الشعورية واستجاشة الإحساس اليقظ والحذر من الذين امتهنوا المناوءة لهذه الأمة، واحترفوا نصب المكايد لها بغية تغييبها وبت حضورها التأثيري في المشاهد المتباينة وإنفاق شحنات العمل المكثفة في سبيل عزلها أو على أقل تقدير إضعاف سيرها في إطار التدافع الأممي.
إن إعلاء مستوى القلق الحضاري شأن تمليه اللحظة المعرفية بحسبه الحادي إلى تلمس محفزات الانحدار لتضئيلها, وتحريض الذهنية النخبوية لاستنفار إمكاناتها لملاحقة الأفكار المتأسنة, ومحاصرة المدخلات الثقافية الوافدة واضطرارها إلى أضيق السبيل؛ التعاطي على هذا النحو مع عقدة المؤامرة شأن في منتهى المحورية، بل لا نتفق مع تسميتها عقدة بقدر ما هي عقيدة تشي بوعي نوعي وبصيرة شمولية متدفقة تحتم البرهة الحضارية الصيرورة إليها, ولا ريب أن تعميم فكرة المؤامرة ليشمل ذلك الضرب هو ضرب من التآمر الماكر الرامي إلى تخدير الوعي وإيلاجه في نوبات من السبات العميق. وأكرر كرة أخرى, بأن من ألوان خداع الذات ودفعها صوب دائرة الجهل بكينونتها الأنوية أن نقوم بمحاولة هروبية من إشكالياتنا والقفز الاحتيالي على محرضات انحدارنا، وإحالة التهم ذات اليمين وذات الشمال وإلقاء التبعة - بعد التنصل من إفرازاتها - على الآخر, ذلك التعاطي مع عقدة المؤامرة قد يكون هو في حقيقته جزءاً من المؤامرة!.
إن مقتضيات المقطع الزمني الذي نعيشه - وفي أحيان كثيرة لا نعايشه! - تدعونا في المقام الأول للانشغال بالاشتغال على ترشيد راهننا السياسي والأخلاقي والفكري، بوصف ذلك يشكل اللبنة الأولى في تشييد معالم الأنا، وبناء الذات الكلية والتخلص من الشعور بالدونية واسترجاع الدور الريادي المفقود والانعتاق من ربقة الهيمنة وبالتالي من أسر قيود هيمنة التبعية. إن من نافلة القول التأكيد على أن الدعوة إلى الحذر من الاستراتيجيات النائية المدى والبرامج التكتيكية ذات الطابع المرحلي - طبعا المرحلية هنا وهي أحد بواعث فاعليته, ليست حالة فردية عابرة في سياق تخطيطي عام, بل هي استراتيجية محورية ومبدأ تنظيمي من شأنه تذليل السبل الوعرة - التي يبلورها الآخر؛ طبعا لا يعني ذلك إيجاد هوة عميقة وفجوة رحبة تنبتّ إثرها جسور التواصل معه وتنمو حساسية المناوءة، على نحو يصيب البعد العلائقي بالتيبس والاختناق - ولا ريب أنها معادلة صعبة لكنها ليست مستحيلة - لأن هذا يقلل من فرص التواصل الحواري ويحد من إمكان التلاقي, وبالتالي تُحرم البشرية في كل أطيافها من سماع الصوت الإسلامي الشذي ومعاينة أطروحاته بمتباين قوالبها العطرة، والوقوف عن كثب على ما تحتويه بنيته الداخلية من أدبيات تشده الألباب القابلة للرفرفة في أسمى تشكلاتها.
Abdalla_2015@hotmail.com