القرصنة ظاهرة إنسانية اجتماعية واقتصادية ومن ثم تتحول إلى ظاهرة سياسية أمنية خطيرة، إنها ظاهرة قديمة في عمرها متجددة في حركتها فيما لو وجدت في البيئة (أي بيئة إنسانية) العوامل الاجتماعية والاقتصادية المساعدة على ظهورها ومن ثم العوامل السياسية والأمنية المسارعة التي تؤدي بالفعل إلى ظهورها كخطر حقيقي يهدد حركة السفن التجارية في المياه الدولية.
تتجلى العوامل المساعدة في نمو حالات الفقر المدقع والجوع والمرض والجهل، وبالطبع الفساد الاجتماعي والاقتصادي خصوصاً البطالة، الأمر الذي يدفع بأعداد كبيرة من البشر إلى التفكير في أي وسيلة كانت لاستخدامها في الحصول على دخل ما أياً كان وبأي وسيلة كانت، فالغاية هنا تبرر الوسيلة.
أما العوامل المسارعة فمصدرها ضعف الدولة وغياب الأمن والاستقرار السياسي التي أدت بالفعل إلى نشوب حرب أهلية ساهمت في تعميق مخاطر عدم الاستقرار لتدخل الدولة في غياهب الفوضى السياسية وهي الحالة التي تسهم مباشرة في ظهور هذه الظاهرة وكافة الظواهر الاجتماعية الخطيرة كالإرهاب والتطرف والجريمة.
لذا فإن السؤال، لماذا عادت لتظهر مرة أخرى ظاهرة القرصنة في القرن الواحد والعشرين، لن يختلف عن ذات السؤال كيف ظهرت القرصنة في القرن الخامس عشر وحتى القرن التاسع عشر؟ ومن ثم كيف اختفت؟.
نعم لقد انتهت القرصنة مع بداية القرن العشرين كنتيجة لنشوب الحربين العالميتين الأولى والثانية ولوجود أساطيل الدول العظمى في حالة حرب وتجوال في معظم بحار العالم، وأيضاً كنتيجة لانشغال معظم دول العالم الثالث إما في حركات التحرير أو في حركات التنمية والتطوير التي بدأت تظهر في الدول النامية لكن بشكل بطيء جداً أو بطرق اقتصادية واجتماعية مشوهة.
ولعل انشغال العالم كله في المشكلات الإقليمية والدولية، وتنامي حالات الكمون النفسي والاستياء والسخط في معظم شعوب دول العالم الثالث إما كنتيجة لسياسات القهر والظلم الإقليمي والدولي، أو لفشل سياسات التنمية الاقتصادية أو لتعثرها أو تخلفها، فمن الطبيعي إذن أن تتعاظم مشكلات الفقر المدقع والجوع القاتل والمرض والجهل والفساد، التي بدورها تدفع أصحابها إلى التحرك بأي شكل أو وسيلة للحصول على متطلبات الحياة الأساسية على الأقل.
قراصنة اليوم أكثر خطورة من قراصنة الأمس لامتلاكهم التقنية المطلوبة لتحديد مواقع السفن، ولتسلحهم بأسلحة فتاكة (أيه كي 47، كلاشينكوف، قذائف صاروخية، ومتفجرات شديدة الانفجار) ولاستخدامهم لهواتف محمولة مرتبطة بالأقمار الصناعية، ناهيكم عن عامل التنظيم والموقع الذي يعيشون فيه بأمان واستقرار.
فوجود القراصنة في منطقة بورتلاند (مدينة هيراديري) شمال شرق الصومال قريباً من شواطئ البحر، منحتهم الملاذ الآمن في ظل وجود حكومة محلية تتمتع بالحكم الذاتي، ومع غياب الحكومة المركزية القوية التي تفرض الأمن والنظام وتطبق القانون، جميعها من العوامل التي ساعدت على ارتفاع نسبة القرصنة عشر مرات في العالم الحالي مقارنة بالعام الماضي 2008م.
وإذا ما وضعنا في الاعتبار ضعف الإرادة الدولية على محاربة القرصنة، يضاف إليها غياب التعاون الدولي فيما بين الدول الكبرى، فمن الطبيعي ألا تتمكن السفن الحربية لحلف شمال الأطلسي (الناتو) في محاربة القرصنة، بل إن السفينة الحربية البرتغالية احتجزت 19 قرصاناً ومن ثم أفرجت عنهم عوضاً عن أن تقدمهم للمحاكمة وتعاقبهم على أفعالهم الشريرة.المطلوب إذن تعاون دولي وإقليمي عسكري فاعل يستعين بالأقمار الصناعية لتحديد مواقع القراصنة وأيضاً لإبطال هواتفهم النقالة ووسائل تعقبهم للسفن. المطلوب أيضاً محاكم دولية تحاكم القراصنة وفقاً للوائح القانون الدولي، والمطلوب تعاون ودعم دولي لإنشاء حكومة مركزية شرعية قوية في الصومال.
أخيراً المطلوب خطة مارشال دولية (مارشال بلان) على غرار المارشال بلان الأمريكية التي أعادت بناء أوروبا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية، لإعادة إعمار القرن الأفريقي برمته خصوصاً الصومال، ولضخ جرعات ضخمة من متطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (خصوصاً الاستثمار الخارجي) للقضاء على الجهل والفقر والمرض خصوصاً البطالة التي تفرز كافة أشكال ومستويات الجريمة والتطرف والإرهاب وبالطبع القرصنة.
drwahid@email.com