المفاهيم المسبقة قد تحجب أحياناً الواقع الحاضر..
وقد يتطلب الأمر جهداً غير عادي لكي تفتح عينيك..
وترى الحقيقة..
يروي (الطبيب) بلير جروب قصة يقظته
بعد أن تعلم مريض طاعن في السن..
يقول بلير: كان هناك العديد من حالات الإدخال في المستشفى في ذلك اليوم حتى إنني عجزت عن عدها وفقدت أيضا أعصابي.
كنت أعمل طبيباً مقيما في ذلك الوقت، وكنت قد تعلمت فن الخدمة السريعة الفعالة، كان الاختصار قد أصبح نمطاً يميز حياتي، كادت الشمس تبزغ، ومعها كان سيبدأ يوم إجازتي، كان علي أن أنجز كل ما أريد، وهنا دق جهاز النداء الآلي الخاص بي، فأجبت.
جاءني صوت الطيبب المناوب وقد أعياه التعب قائلا: حالة أخرى، رجل في التسعين مصاب بالسرطان، أخذت أتمتم بيني وبين نفسي بعبارات تنم عن نفاد الصبر وتوجهت نحو الغرفة.
كان هناك: رجل طاعن في السن يجلس في هدوء على فراشه.
أخذت أتصرف بالطريقة التقليدية وأطرح عليه عدداً من الأسئلة المتعارف عليها دون ن أتوقع الحصول على إجابات وافية، ولكن لدهشتي، جاء صوت الرجل واضحاً وإجاباته واضحة ومحددة وفي خضم الحديث والمراجعة للحالة سألته إن كان قد سبق له العمل خارج البلاد.
أجاب الرجل (أجل) لقد عشت في أوروبا على مدى سبعة أعوام بعد الحرب.. فاجأتني الإجابة، فسألته إن كان قد عمل كجندي هناك.
أجاب الرجل كلا، كنت أعمل محامياً، كنت مدعياً عاماً في محاكمة (نيورمبرج) أصبت بذهول وسقط قلمي على الأرض ونظرت في دهشة.
محاكمة (نيورميرج) أومأ برأسه بالإيجاب، ثم ذكر لي أنه قد بقي في أوروبا للمساعدة في بناء النظام القانوني في ألمانيا بعد الحرب.
حقا.. فكرت في نفسي.. أنه خرف الشيخوخة.. دق جرس النداء الآلي مرتين بدون إجابة مني..
أنهيت الفحص بسرعة وهرعت لكي أوقع بالخروج وأسلم جهاز النداء الآلي.
أصبحت حراً رسمياً، وهممت أن أخطو خارج باب المستشفى، ولكن فجأة وجدت نفسي قد توقفت وتذكرت الرجل العجوز، تذكرت صوته وعينيه، سرت نحو الهاتف واتصلت بأخي.
أحد دارسي الحقوق حيث كان يدرس تاريخ القانون، سألته إن كان قد سبق وقرأ اسم الرجل في أي من كتبه.
بعد بضع دقائق أجابني قائلا:
أجل يذكر هنا أنه كان بين المدعين في محاكمة نيورمبرج، لا أذكر أنني سرت عائداً إلى غرفته، ولكن كل ما أذكره هو مقدار الضآلة وانعدام القيمة الذين شعرت بهما في تلك اللحظة.
طرقت بابه، عندما سمح لي بالدخول، جلست في نفس المقعد الذي كنت قد جلست عليه منذ فترة وجيزة وقلت له في هدوء:
سيدي، هل تسمح وأنا في فترة راحتي الآن أن تحكي لي عما جرى في نيورمبرج وما فعلته هنا، سوف يسعدني سماع ذلك، كما أنني أعتذر عن فظاظتي معك في الحديث في المرة الأولى، ابتسم الرجل وأخذ يحدق في.
كلا ليس لدي مانع وبدأ بتؤدة وبجهد كبير يحكي لي عن الدمار الشامل الذي أصاب أوروبا ومآسي البشر في الحرب، تحدث عن المعسكرات والتي كانت كأنها مصانع ضخمة للموت، مشاهد الجثث وهي مكومة فوق بعضها البعض التي كانت تثير فيه الشعور بالغيثان، أخذ يتحدث عن المحاكمات والمقايضات والعقوبات، قال إن مجرمي الحرب أنفسهم كانوا في حالة يرثى لها.
فضلا عن شعورهم بمرارة الهزيمة في الحرب، لم يكن بوسعهم فهم هدوء العدالة وتصميمها على إقامة العدل والجهد المغني الذي كان يبذله المدعون ونظرهم بعين الاعتبار لأدق التفاصيل، لم تكن هذه هي طريقة النازية في إنجاز الأشياء، وقد بلغ مقدار تأثر الرجل من المعاناة التي قابلها هناك الحد الذي دفعه للبقاء للمساعدة في إعادة بناء النظام القضائي للحيلولة دون وقوع مثل هذا الاستبداء وهذه المآسي ثانية.
جلست كالطفل في هدوء، أستمع إلى كل كلمة بإمعان، كان التاريخ جالسا أمامي..
مضت أربع ساعات، شكرت الرجل وصافحته وعدت إلي بيتي لكي أنام.
وفي وقت مبكر من صباح اليوم التالي بدأت عملي المشحون كالعادة، كان الوقت قد تأخر عندما عدت لزيارة الرجل العجوز ولكني عندما دخلت غرفته وجدتها خالية، كان الرجل قد توفي في أثناء الليل.
سرت في الخارج وقد اختلط شعوري باليأس مع شعوري بالسعادة.. وفجأة بدت لي حياتي أكثر ثراء ومغزى.. وبدا لي المرض أكثر تعقيداً وغموضاً.
أدركت أن جمال ومآسي هذا العالم قد امتزجت على نحو يفوق مستوى الفهم، ولكن تأثير الرجل على نفسي لم ينته عند هذا الحد، فبرغم برنامجي المشحون وضغط العمل الطاغي والضغوط النفسية للمناوبة الداخلية كان هناك شيء ما قد تغير بداخلي، بدأت التفت أن الألوان والأشكال والروائح التي كانت تضفي سحراً على حياتنا اليومية.
تعلمت أن العجائز من المرضى ليسوا أولئك الهالكين كما اعتدت أن أطلق عليهم، وإنما هم أصحاب قصص ثرية يجب أن تروى وتدرس.